25 عامًا غيّرت فهمنا للمناخ.. كيف تأكد العلماء أن النشاط البشري يسخّن الأرض؟
منذ 2007.. كيف حسم العلم الجدل وأثبت أن البشر يتسببون في ارتفاع حرارة الأرض؟
على مدى عقود، انتقلت علوم المناخ من مرحلة طرح النظريات والتحذيرات المبكرة إلى درجة عالية من اليقين بشأن مسؤولية النشاط البشري عن ارتفاع حرارة كوكب الأرض.
ورغم أن فكرة تأثير انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن الأنشطة البشرية في مناخ الأرض تعود إلى ستينيات القرن الماضي، فإن حسم العلاقة بين النشاط البشري والاحترار العالمي احتاج إلى سنوات طويلة من الأبحاث والملاحظات والنماذج المناخية.
وكان عام 2007 نقطة تحول مهمة، بعدما خلص التقرير الرابع للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن معظم الارتفاع الملحوظ في متوسط درجات الحرارة العالمية منذ منتصف القرن العشرين يرجع بدرجة كبيرة جدًا إلى زيادة تركيزات غازات الدفيئة الناتجة عن الأنشطة البشرية.
بدايات مبكرة وتحذيرات دقيقة
لم تكن فكرة الاحترار العالمي جديدة في القرن العشرين، إلا أن العلماء في بدايات أبحاث المناخ واجهوا نقصًا كبيرًا في البيانات والأدوات التي تسمح بفهم النظام المناخي المعقد للأرض.
وفي ستينيات القرن الماضي، بدأ عدد من الباحثين في التحذير من أن زيادة انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن الأنشطة البشرية يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية.
وكان عالم المناخ الياباني سيوكورو مانابي من أبرز العلماء الذين قدموا توقعات مبكرة بشأن الاحترار العالمي.
وفي عام 1970، توقع مانابي، أن ترتفع درجات الحرارة العالمية بنحو 0.57 درجة مئوية بين عامي 1970 و2000، بينما بلغ الارتفاع الفعلي خلال تلك الفترة نحو 0.54 درجة مئوية، في تطابق لافت بين التوقعات والقياسات اللاحقة.
كما توقع أن يكون الاحترار أكثر وضوحًا فوق اليابسة وفي مناطق القطب الشمالي، وهي اتجاهات أكدت البيانات المناخية اللاحقة حدوثها.

من الجدل إلى الاعتراف بتأثير الإنسان
رغم تراكم الأدلة، ظل تحديد حجم تأثير الإنسان في المناخ محل نقاش علمي واسع حتى تسعينيات القرن الماضي.
وشكل إنشاء الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ عام 1988، بمبادرة من المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، خطوة مهمة في تجميع نتائج الأبحاث العلمية وتقييم الأدلة المتعلقة بتغير المناخ.
وفي تقرير التقييم الثاني للهيئة عام 1995، بدأت لغة التقارير العلمية تتغير بوضوح، إذ أشار التقرير إلى وجود أدلة على تأثير بشري يمكن تمييزه في المناخ العالمي.
وبحلول عام 2001، أصبح الاستنتاج أكثر قوة، عندما خلص تقرير التقييم الثالث إلى أن معظم الاحترار المرصود خلال الخمسين عامًا السابقة يرجح أن يكون ناتجًا عن زيادة تركيزات غازات الدفيئة، لكن التحول الأبرز جاء بعد ذلك بست سنوات.
2007.. نقطة التحول الكبرى
في عام 2007، نشر IPCC تقرير التقييم الرابع، الذي رفع مستوى الثقة في العلاقة بين النشاط البشري والاحترار العالمي بصورة كبيرة.
وخلص التقرير إلى أن معظم الزيادة الملحوظة في متوسط درجات الحرارة العالمية منذ منتصف القرن العشرين كانت ناتجة، بدرجة ثقة عالية جدًا، عن الزيادة المرصودة في تركيزات غازات الدفيئة ذات المنشأ البشري.
وقدّر العلماء حينها مستوى الثقة في هذا الاستنتاج بنحو 90%، وكان ذلك تحولًا مهمًا في الخطاب العلمي؛ فلم يعد السؤال الرئيسي هو ما إذا كان النشاط البشري يؤثر في المناخ، وإنما أصبح التركيز على حجم التأثير وسرعته وكيفية التعامل مع آثاره.
وفي العام نفسه، حصلت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ونائب الرئيس الأمريكي الأسبق آل جور على جائزة نوبل للسلام، تقديرًا لجهودهما في زيادة المعرفة بتغير المناخ الناتج عن النشاط البشري ووضع الأساس للإجراءات اللازمة لمواجهته.

الأدلة أصبحت أكثر قوة
لم تتوقف الدراسات عند استنتاجات عام 2007، بل واصلت تقارير IPCC تحديث مستوى الثقة استنادًا إلى المزيد من الملاحظات والنماذج المناخية والأدلة الفيزيائية.
وفي عام 2013، رفع تقرير التقييم الخامس مستوى الثقة في أن التأثير البشري هو السبب الرئيسي للاحترار المرصود خلال العقود السابقة إلى نحو 95%.
ثم جاء تقرير التقييم السادس في عام 2021 ليضع الاستنتاج بصورة أكثر حسمًا، مؤكدًا أن تأثير الإنسان أدى بشكل لا لبس فيه إلى ارتفاع حرارة الغلاف الجوي والمحيطات واليابسة.
وبذلك، انتقلت علوم المناخ خلال عقود قليلة من مرحلة التساؤل حول ما إذا كان البشر يؤثرون في المناخ إلى مرحلة فهم أكثر تفصيلًا لكيفية حدوث هذا التأثير وتداعياته.
لماذا تغيرت الصورة العلمية؟
لم يكن التحول نتيجة دراسة واحدة أو اكتشاف منفرد، وإنما نتج عن تراكم أدلة مستقلة من مجالات علمية متعددة.
فقد تطورت قياسات درجات الحرارة العالمية، وازدادت القدرة على رصد المحيطات والجليد والغلاف الجوي، وتحسنت النماذج المناخية، كما أصبح العلماء قادرين على مقارنة التغيرات المرصودة بالتغيرات المتوقعة في حال وجود العوامل الطبيعية وحدها.
وساعد ذلك على فصل التأثيرات الطبيعية، مثل النشاط الشمسي والبراكين والتذبذبات المناخية الطبيعية، عن التأثير المتزايد للغازات الدفيئة الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري وتغير استخدامات الأراضي والأنشطة الصناعية والزراعية.
من إثبات السبب إلى مواجهة النتائج
اليوم، لم يعد الاحترار العالمي مجرد توقع مستقبلي، إذ أصبحت آثاره تظهر في صورة موجات حر أكثر شدة، وتغيرات في أنماط هطول الأمطار، وذوبان الجليد، وارتفاع مستوى سطح البحر، وتزايد المخاطر التي تواجه المجتمعات والنظم البيئية.
وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن تغير المناخ قد يرتبط بحلول عام 2050 بنحو 430 ألف وفاة إضافية سنويًا، مع تعرض الدول الأكثر فقرًا لمخاطر أكبر بسبب محدودية قدرتها على التكيف.
كما أصبحت موجات الحر من أبرز مظاهر تغير المناخ، مع تزايد تواترها وشدتها في مناطق مختلفة من العالم.

العلم حسم السؤال.. والعمل لا يزال متأخرًا
خلال نحو 25 عامًا، انتقلت الصورة من جدل علمي ومجتمعي واسع إلى إجماع علمي قوي بشأن الدور الرئيسي للأنشطة البشرية في ارتفاع حرارة الأرض.
وكان عام 2007 محطة فاصلة في هذه الرحلة، لكن الأدلة التي قادت إلى هذا الاستنتاج بدأت في التراكم قبل ذلك بعقود، واستمرت في التعزز بعده.
وبينما أصبح السبب أكثر وضوحًا، لا يزال التحدي الأكبر يتمثل في تحويل هذا اليقين العلمي إلى إجراءات عالمية قادرة على خفض الانبعاثات، وحماية المجتمعات الأكثر تعرضًا للمخاطر، وتسريع التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
فالمعركة لم تعد لإثبات أن الكوكب يسخن بفعل الإنسان، وإنما أصبحت تدور حول سؤال أكثر إلحاحًا: ما الذي سيفعله العالم بهذه المعرفة؟





