أخبارالتنوع البيولوجيتغير المناخ

الميكروبات البحرية.. مصنع خفي لغازات الاحتباس الحراري

الكشف عن كائنات دقيقة في المحيطات تُطلق غازًا يرفع حرارة الأرض

أظهرت دراسة علمية جديدة أن الميكروبات البحرية تسهم في إنتاج أحد أقوى غازات الاحتباس الحراري، وهو أكسيد النيتروز، حتى في وجود مستويات من الأكسجين أعلى مما كان العلماء يعتقدون سابقًا، مما يجعلها لاعبًا خفيًا في تسخين كوكب الأرض.

وفقًا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، يتمتع أكسيد النيتروز بقدرة على حبس الحرارة تفوق ثاني أكسيد الكربون بنحو 273 ضعفًا على مدى قرن من الزمان.

ركزت الدراسة على مناطق نقص الأكسجين في المحيطات، وهي طبقات من المياه العميقة يقل فيها تركيز الأكسجين الذائب، وتقع قبالة سواحل كاليفورنيا والمكسيك، وتحتضن مجتمعات ميكروبية نشطة.

نُشرت الدراسة في دورية Nature Communications.

قاد البحث الدكتورة كلوديا فراي، أستاذة الكيمياء الحيوية في جامعة بازل السويسرية، التي درست كيفية إنتاج الميكروبات البحرية لأكسيد النيتروز في البيئات الفقيرة بالأكسجين.

تستخدم الميكروبات في هذه المناطق عملية تُعرف بـ”نزع النترات”، وهي سلسلة من

التفاعلات التي تحول النترات إلى نيتريت، ثم إلى أكسيد النيتروز وأخيرًا إلى غاز النيتروجين.

واختبر الباحثون ما إذا كانت البكتيريا تختصر هذه السلسلة في وجود كميات إضافية من النيتريت، لكن النتائج أظهرت أن الميكروبات تواصل استخدام المسار الكامل، ما يعني أن الاختصار لا يمنحها فائدة طاقوية في الظروف الطبيعية.

المفاجأة جاءت عندما لاحظ العلماء إنتاج أكسيد النيتروز عند مستويات من الأكسجين أعلى مما كانت التجارب المخبرية السابقة تشير إليه. وتبيّن أن وجود الجسيمات العضوية الطازجة – مثل الطحالب الميتة أو بقايا الكائنات الدقيقة – يزيد من قدرة الميكروبات على تحمل الأكسجين، ويُوسّع نطاق المناطق التي يمكن أن يتكوّن فيها الغاز.

تُسهم المحيطات المفتوحة والمياه الساحلية معًا بنحو 40% من انبعاثات أكسيد النيتروز الطبيعية عالميًا، بحسب تحليل حديث، ما يعني أن أي تغيّر طفيف في هذه المناطق يمكن أن ينعكس على المناخ العالمي بأكمله.

ويحذّر تقرير حديث لمنظمة الأرصاد العالمية من أن تركيز أكسيد النيتروز في الغلاف الجوي بلغ مستويات قياسية عام 2023، مدفوعًا باستخدام الأسمدة وارتفاع حرارة البحار.

ويُعد هذا الغاز كذلك المساهم الأكبر في تآكل طبقة الأوزون خلال القرن الحالي، مما يجعله حلقة وصل خطيرة بين الاحترار العالمي وتدهور الغلاف الجوي.

كيف تقلل الميكروبات البحرية انبعاثات الغازات الدفيئة

قالت الدكتورة فراي: “إن انبعاث هذا الغاز المنسي تقريبًا حاسم في تحديد مستقبل المناخ العالمي، والمناطق الهامشية في المحيط تستحق مراقبة دقيقة.”

أُجريت الدراسة خلال رحلة بحرية استمرت ستة أسابيع قبالة سواحل كاليفورنيا والمكسيك، حيث جمع الفريق مئات العينات من أعماق مختلفة، وحافظ عليها في ظروف باردة وخالية من الأكسجين لضمان دقة النتائج.

واستخدم العلماء نموذجًا بيئيًا متقدمًا لمحاكاة تفاعلات الميكروبات دون فرض حدود صارمة لمستويات الأكسجين، ما سمح بإظهار السلوك المتقلب الذي رُصد ميدانيًا، وأكد أن وفرة الجسيمات العضوية قادرة على تمديد إنتاج الغاز إلى مناطق أكثر غنى بالأكسجين.

خلصت الدراسة إلى أن جودة الجسيمات العضوية أهم من كميتها؛ فالمواد الطازجة من العوالق النباتية حفّزت نشاط الميكروبات أكثر من الجسيمات القديمة، وهو ما يعكس طبيعة غذائها في البيئات البحرية.

ويرى الباحثون أن فهم هذه العمليات سيساعد في تحسين نماذج المناخ العالمية، إذ تعمل حدود الأكسجين كمناطق انتقالية بين أنماط مختلفة من الأيض الميكروبي، وهي تتوسع مع احترار المياه وتزايد التلوث الغذائي من اليابسة.

وتشير النتائج إلى أن البحر قد يُنتج كميات من أكسيد النيتروز أعلى وأكثر تقلبًا مما تُقدّره النماذج الحالية، وهو ما يستدعي مراقبة أدق لهذه “المصانع الميكروبية الخفية” في أعماق المحيطات.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading