عالمة مناخ تحذر: المحيطات تكشف تسارع تغير المناخ وتهديدًا متزايدًا للحياة

المحيطات تمتص 90% من الحرارة الزائدة.. وعلماء يحذرون من تداعيات الاحترار المتسارع

تكشف المحيطات بصورة متزايدة عن حجم التغيرات التي يشهدها كوكب الأرض نتيجة تغير المناخ، في وقت لا تزال فيه بعض الأوساط السياسية تشكك في الأدلة العلمية المتراكمة بشأن الاحترار العالمي وتأثيراته.

وترى كاتيا ماثيس، مديرة مركز GEOMAR هلمهولتز لأبحاث المحيطات في مدينة كيل الألمانية، أن محاولات تسييس علوم المناخ والتشكيك في الباحثين تعرقل التعاون الدولي وتحد من قدرة الجمهور على فهم حجم التغيرات التي تحدث بالفعل.

وتؤكد ماثيس أن المحيطات تقدم دليلًا واضحًا على تسارع التغير المناخي، مشيرة إلى أن العلماء يرصدون ارتفاعًا حادًا وغير مسبوق ومتسارعًا في درجات حرارة المحيطات، إلى جانب زيادة حموضتها وتراجع مستويات الأكسجين فيها، وهي تغيرات تؤثر في أحد أهم الأنظمة التي تدعم الحياة على كوكب الأرض.

المحيطات تكشف الوجه الأخطر لتغير المناخ

وتظهر آثار هذه التغيرات في صور متعددة، من بينها ذوبان الصفائح الجليدية في القطب الشمالي وجرينلاند، إلى جانب تزايد المناطق البحرية التي تعاني من نقص حاد في الأكسجين، والمعروفة باسم «المناطق الميتة»، حيث تصبح الظروف غير ملائمة لبقاء العديد من الكائنات البحرية.

كما سجل سطح البحر المتوسط درجات حرارة قياسية، في مؤشر إضافي على الاحترار المتسارع للمحيطات والبحار.

وتغطي المحيطات نحو 70% من سطح الأرض، وتؤدي دورًا أساسيًا في تنظيم المناخ العالمي، إذ تمتص نحو 30% من ثاني أكسيد الكربون الذي ينتجه النشاط البشري، إضافة إلى امتصاص نحو 90% من الحرارة الزائدة الناتجة عن ظاهرة الاحتباس الحراري.

ووفق بيانات مرصد كوبرنيكوس الأوروبي، ارتفع متوسط درجة حرارة سطح المحيطات عالميًا بنحو 0.5 درجة مئوية منذ عام 1982، بينما شهدت بعض البحار الأقل عمقًا، مثل البحر المتوسط والبحر الأسود وبحر البلطيق، ارتفاعات أكبر في درجات الحرارة.

المحيطات تسجل أعلى حرارة في التاريخ.

ارتفاع حرارة البحار يهدد الطقس والحياة البحرية

ولا ترجع جميع التغيرات في درجات حرارة المحيطات إلى النشاط البشري، إذ يمكن أن تحدث تقلبات طبيعية مرتبطة بظواهر مناخية مثل النينيو.

لكن استمرار ارتفاع درجات الحرارة لفترات طويلة يمثل مصدرًا متزايدًا للقلق، إذ يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات في أنظمة الطقس، وزيادة مخاطر الجفاف والفيضانات والعواصف الشديدة على اليابسة، بالتزامن مع إلحاق أضرار بالنظم البيئية البحرية.

وتشير ماثيس إلى أن المعرفة العلمية بالحياة البحرية لا تزال محدودة، إذ لم تتم دراسة سوى نحو 10% من الأنواع البحرية، ما يعني أن التداعيات الفعلية لتغيرات المحيطات قد تكون أشد مما يعرفه العلماء حاليًا.

وتجعل هذه الفجوة العلمية حماية المحيطات ومواصلة مراقبتها أمرًا بالغ الأهمية لفهم مستقبل المناخ والتنبؤ بتداعياته على المجتمعات والأنظمة البيئية.

التعاون الدولي في مواجهة أزمة المناخ

وترى ماثيس أن مواجهة تغير المناخ تتطلب تعزيز التعاون الدولي في مجالات البحث العلمي والمراقبة والتكنولوجيا، خاصة في ظل تراجع بعض أشكال التعاون المناخي العالمي.

وتشغل ماثيس منصب أستاذة في فيزياء الغلاف الجوي، إلى جانب إدارتها مركز GEOMAR، كما شاركت في أعمال الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وتعمل ضمن برنامج أوروبي يهدف إلى تعزيز دور العلوم في المجتمع وتوسيع التعاون البحثي عبر الحدود.

ويجمع برنامج «Science Comes to Town» مدنًا ساحلية أوروبية، من بينها كيل الألمانية وبريست الفرنسية وسبليت الكرواتية، بهدف تعزيز التعاون في مجالات البحث والابتكار والاستدامة، وزيادة التواصل بين العلماء والجمهور حول قضايا مثل تغير المناخ.

وتؤكد ماثيس أن محاولات تقويض التعاون الدولي في مجال المناخ والتشكيك في مصداقية الأبحاث العلمية تمثل تهديدًا للجهود الرامية إلى مواجهة الأزمة المناخية.

وتقول إن تغير المناخ «ليس مسألة رأي»، وإنما ظاهرة حقيقية يمكن رصد آثارها بوضوح، مشيرة إلى أن الاستهداف لا يقتصر على قضية تغير المناخ نفسها، وإنما يمتد أحيانًا إلى العلماء والأبحاث التي توثق هذه التغيرات.

المحيطات

أوروبا أمام فرصة لتعزيز أبحاث المناخ

في المقابل، لا تزال المؤسسات العلمية الأوروبية تؤدي دورًا مهمًا في أبحاث المناخ والمحيطات والتعاون الدولي.

ويستقبل مركز GEOMAR طلابًا وباحثين من أكثر من 50 دولة، كما يشارك في مبادرات عالمية لرصد المحيطات، بما يساعد على تحسين فهم التغيرات التي تشهدها الأحواض البحرية وحماية النظم البيئية.

ويتعاون المركز مع مؤسسات بحثية بحرية أوروبية أخرى، من بينها المعهد الفرنسي لأبحاث استغلال البحار، في مجالات تشمل دراسة البيئة البحرية وتطوير حلول للمشكلات التي تهدد المحيطات.

ومن بين هذه المشروعات، تطوير استراتيجيات آمنة لإزالة الذخائر الحربية غير المنفجرة الموجودة في قاع البحر، والتي يمكن أن تطلق مواد سامة تهدد الإنسان والبيئة البحرية.

المحيطات

تغير المناخ.. تهديد وفرصة للحلول

وترى ماثيس، أن أزمة المناخ لا ينبغي أن تُعرض باعتبارها تهديدًا فقط، وإنما يجب التعامل معها أيضًا باعتبارها فرصة لتطوير حلول جديدة وتوسيع التحالفات العلمية والدولية.

وتدعو إلى تسريع التحرك المناخي وتعزيز الشراكات بين الدول والمؤسسات البحثية، مؤكدة أن تغير المناخ مشكلة دولية حقيقية تتطلب استجابة جماعية أسرع مما يجري حاليًا.

وتبرز المحيطات في هذا السياق باعتبارها أحد أهم مؤشرات التغير المناخي، ليس فقط لأنها تمتص معظم الحرارة الزائدة وثاني أكسيد الكربون، وإنما لأن التغيرات التي تحدث داخلها يمكن أن تنعكس على الطقس والنظم البيئية والأمن الغذائي والاقتصادات والمجتمعات الساحلية حول العالم.

وبالتالي، فإن حماية المحيطات ومواصلة الاستثمار في أبحاثها ومراقبتها لم تعد قضية بيئية منفصلة، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من معركة العالم لفهم تغير المناخ والحد من تداعياته.

Exit mobile version