أمطار أكثر في البحر وأقل على اليابسة.. كيف تؤثر مزارع الرياح في الطقس؟

آثار غير متوقعة للطاقة النظيفة.. مزارع الرياح البحرية تؤثر في هطول الأمطار

كشفت دراسة علمية جديدة أن مزارع الرياح البحرية العملاقة لا تقتصر تأثيراتها على إنتاج الكهرباء النظيفة، بل يمكن أن تؤثر أيضًا في أنماط الطقس الإقليمية، إذ قد تؤدي التوربينات المنتشرة بأعداد كبيرة في البحار إلى زيادة هطول الأمطار فوق مناطق مزارع الرياح، وفي الوقت نفسه تقليل كميات الأمطار التي تصل إلى بعض المناطق الساحلية القريبة.

وتأتي هذه النتائج في وقت تتوسع فيه أوروبا بسرعة في مشروعات طاقة الرياح البحرية، ضمن خططها لزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

لكن الدراسة تطرح سؤالًا مهمًا بشأن التأثيرات غير المباشرة للتوسع الكبير في هذه المشروعات: ماذا يحدث للغلاف الجوي عندما تدور آلاف التوربينات في مساحة بحرية واحدة؟
ونُشرت الدراسة في مجلة Communications Earth & Environment.

كيف يمكن لتوربينات الرياح تغيير الطقس؟

نطاق النموذج وتخطيطات مزرعة الرياح

أجرى الباحثون من معهد أنظمة السواحل – التحليل والنمذجة التابع لمركز هيلمهولتز لأبحاث المواد والطاقة الساحلية «Hereon» محاكاة مناخية عالية الدقة لدراسة تأثير التوسع في مزارع الرياح البحرية على الغلاف الجوي.

واستخدم الفريق نموذجًا إقليميًا للمناخ يعرف باسم COSMO-CLM، لمحاكاة سيناريوهات مختلفة لتوسع طاقة الرياح البحرية في بحر الشمال وبحر البلطيق.

ولا تنتج توربينات الرياح الكهرباء من دون تأثير في حركة الهواء؛ فهي تستخلص جزءًا من الطاقة الحركية للرياح وتحولها إلى طاقة كهربائية، كما تحدث اضطرابات وحركة دوامية في الهواء خلف التوربينات.

وعندما تتجمع أعداد كبيرة من التوربينات في مزرعة رياح واسعة، يمكن لهذه التأثيرات أن تغير سرعة الرياح ودرجة اختلاط طبقات الغلاف الجوي، إضافة إلى طريقة انتقال الرطوبة عبر الهواء.

وهذه التغيرات الصغيرة قد تتراكم على نطاق واسع بما يكفي لإحداث تغيرات ملحوظة في أنماط هطول الأمطار على المدى الطويل.

محاكاة استمرت 10 سنوات

التغير في سرعة الرياح على ارتفاع 10 أمتار

بدلًا من التركيز على عام واحد أو عدد محدود من العواصف، أجرى الباحثون محاكاة امتدت لمدة 10 سنوات، من عام 2008 إلى 2017.

وسمح هذا الأسلوب للعلماء بتقليل تأثير التقلبات الطبيعية من عام إلى آخر، والتركيز على الأنماط الجوية التي تستمر عبر فترات زمنية طويلة وتظهر في ظروف جوية مختلفة.

وشملت المحاكاة مزارع الرياح البحرية الموجودة بالفعل، إلى جانب المناطق المخصصة للتوسع المستقبلي، مع احتساب تأثير التوربينات في سرعة الرياح والخلط الجوي وانتقال الرطوبة.

ووفق الباحثين، ساعدت هذه الطريقة على تحديد البصمة المحتملة لمزارع الرياح في الغلاف الجوي، وفصلها قدر الإمكان عن العوامل الطبيعية العديدة التي تتحكم عادة في الطقس الإقليمي.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، نافيد أختر، إن النتائج يمكن أن تساعد في ضمان توافق التوسع المستقبلي لطاقة الرياح البحرية في أوروبا مع متطلبات حماية المناخ والبيئة وإدارة المناطق الساحلية.

سيناريو متطرف لاختبار التأثير

التغير في مجال الهطول

لإظهار التأثيرات المناخية المحتملة بوضوح، لم يكتف الباحثون بمحاكاة توسع محدود أو متوسط لمزارع الرياح البحرية، وإنما اختبروا سيناريو توسع شديد للغاية.

وافترض السيناريو أن جميع المناطق البحرية المخصصة لمزارع الرياح في بحر الشمال وبحر البلطيق سيتم تطويرها إلى أقصى طاقتها الممكنة.

ويجاوز هذا الافتراض بكثير الهدف الحالي للاتحاد الأوروبي، الذي يستهدف الوصول إلى نحو 300 جيجاوات من طاقة الرياح البحرية بحلول عام 2050.

وأكد الباحثون أن السيناريو المتطرف لا يمثل توقعًا لما سيحدث فعليًا، وإنما هو وسيلة لاختبار النظام المناخي تحت أقصى درجات التوسع، ومعرفة ما إذا كانت هناك إشارة واضحة يمكن رصدها في الغلاف الجوي، ومدى حجمها إذا ظهرت.

أمطار أكثر فوق البحر وأقل على السواحل

أظهرت نتائج المحاكاة تحولًا واضحًا في توزيع هطول الأمطار، فقد ارتفعت كميات الأمطار فوق المناطق التي تضم مزارع الرياح البحرية، بينما انخفضت كميات الهطول في بعض المناطق الساحلية القريبة الواقعة في اتجاه الرياح.

ويرتبط هذا التأثير بالطريقة التي تغير بها التوربينات حركة الهواء، فعندما تستخلص التوربينات الطاقة من الرياح، فإنها تغير سرعتها وتزيد الاضطرابات والخلط في الغلاف الجوي. ومع وجود أعداد كبيرة من التوربينات على مساحة واسعة، يمكن لهذه التغيرات أن تؤثر في حركة الرطوبة وتوزيعها.

وفي السيناريو الذي اختبره الباحثون، أدى هذا التغير في نقل الرطوبة إلى زيادة الهطول فوق مناطق مزارع الرياح، مقابل انخفاض كمية الرطوبة التي تصل إلى بعض المناطق البرية الواقعة أسفل اتجاه الرياح.

انخفاض الأمطار في أجزاء من أوروبا

كانت التأثيرات أكثر وضوحًا في بعض المناطق الساحلية الأوروبية، وأظهرت المحاكاة انخفاضًا في هطول الأمطار الساحلية بنحو 10 إلى 12% في أجزاء من ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة، وفي أجزاء من شبه جزيرة يوتلاند في الدنمارك، تجاوز الانخفاض 15%.

وقد تبدو هذه النسب محدودة عند النظر إليها كأرقام مناخية مجردة، لكنها قد تصبح مهمة في المناطق التي تعتمد الزراعة والنظم البيئية والإمدادات المائية فيها على أنماط هطول منتظمة.

ويحذر الباحثون من أن تغير توزيع الأمطار لا يعني بالضرورة أن إجمالي كمية المياه في المنطقة ستختفي، وإنما قد تتغير أماكن وأوقات سقوطها نتيجة التغير في حركة الرطوبة داخل الغلاف الجوي.

هل تعني الدراسة أن مزارع الرياح ستسبب الجفاف؟

لا تعني النتائج أن أي مزرعة رياح بحرية ستؤدي تلقائيًا إلى الجفاف في المناطق الساحلية القريبة.

فالدراسة تتعامل مع تغير مناخي إقليمي طويل الأمد يظهر عند الوصول إلى مستويات شديدة من التوسع في طاقة الرياح البحرية، وليس مع تأثير فوري يمكن ملاحظته في توقعات الطقس اليومية.

كما أن الطقس في أي يوم أو خلال أي عاصفة يخضع لعوامل طبيعية أكبر بكثير من تأثير مزرعة رياح منفردة.

ولهذا، لا يمكن استخدام نتائج الدراسة للتنبؤ بأن الأمطار ستنخفض في منطقة معينة غدًا بسبب وجود توربينات بحرية.

لكن النتائج تشير إلى احتمال ظهور تغيرات إحصائية في أنماط الهطول عندما تصبح مزارع الرياح واسعة النطاق وتنتشر بأعداد كبيرة في منطقة بحرية واحدة.

تأثيرات مهمة على التخطيط للطاقة

يرى الباحثون أن أهمية الدراسة لا تكمن في إثبات أن طاقة الرياح البحرية تضر بالمناخ، وإنما في ضرورة احتساب تأثيراتها الجوية المحتملة عند التخطيط للتوسع المستقبلي.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في بحر الشمال وبحر البلطيق، حيث تتداخل المناطق البحرية بين عدة دول أوروبية.

وبالتالي، فإن قرار دولة ما بشأن موقع مزارع الرياح وحجمها وتوزيع التوربينات قد تكون له تأثيرات بيئية أو مناخية تمتد إلى مناطق ساحلية تابعة لدول أخرى.

وأظهرت دراسات سابقة أجراها باحثون من مركز Hereon أن المسافة بين التوربينات وحجم مزارع الرياح وتصميمها العام يمكن أن تؤثر في حجم التأثيرات الجوية الناتجة عنها.

وهذا يفتح الباب أمام إمكانية تصميم مزارع الرياح مستقبلًا بطريقة تقلل من التأثيرات غير المرغوبة على المناخ المحلي والإقليمي.

ليست كل مزارع الرياح متساوية

تشير النتائج إلى أن تأثير مزارع الرياح في الغلاف الجوي يعتمد على مجموعة من العوامل، من بينها عدد التوربينات، وكثافتها، والمساحة التي تغطيها المزرعة، وترتيبها المكاني، إلى جانب الظروف الجوية والرياح السائدة.

وبالتالي، لا يمكن تعميم التأثير الذي رصده الباحثون في سيناريو التوسع الأقصى على جميع مشروعات الرياح البحرية الحالية أو المستقبلية.

كما أن السيناريو المستخدم في الدراسة صُمم عمدًا ليكون شديدًا من أجل إبراز الإشارة المناخية المحتملة، وليس باعتباره مسارًا مؤكدًا للتوسع الأوروبي في طاقة الرياح.

ماذا عن المحيط والكائنات البحرية؟

لم تتوقف أسئلة الباحثين عند الغلاف الجوي، فالفريق يخطط لدراسة مجموعة أكبر من سيناريوهات التوسع، مع التركيز على تأثير كثافة التوربينات وحجم مزارع الرياح وتوزيعها الجغرافي في المناخ الإقليمي.

كما يعتزم العلماء توسيع نطاق البحث ليشمل المحيط نفسه، ودراسة الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها مشروعات الرياح البحرية واسعة النطاق في البيئة البحرية والنظم البيئية والكائنات التي تعيش في هذه المناطق.

ويمكن أن تساعد هذه الدراسات في بناء صورة أكثر شمولًا لتأثير التوسع الكبير في طاقة الرياح البحرية، بحيث لا تقتصر تقييمات المشروعات على كمية الكهرباء النظيفة التي تنتجها أو الانبعاثات التي توفرها، وإنما تشمل أيضًا التفاعلات المعقدة مع الغلاف الجوي والمحيطات.

طاقة نظيفة.. وتأثيرات تحتاج إلى دراسة

تؤكد الدراسة أن التحول إلى الطاقة المتجددة لا يعني غياب جميع التأثيرات البيئية.

فطاقة الرياح البحرية تساهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، لكن التوسع واسع النطاق في أي بنية تحتية يمكن أن يؤدي إلى تغيرات في البيئة المحيطة بها.

ولهذا، فإن التخطيط المستقبلي لمزارع الرياح البحرية يحتاج إلى الموازنة بين فوائد خفض الانبعاثات وتوفير الطاقة النظيفة، وبين التأثيرات المحتملة على الطقس والموارد المائية والنظم البيئية البحرية والساحلية.

وتقدم الدراسة الجديدة خطوة في هذا الاتجاه، من خلال الكشف عن أن التوربينات البحرية، عندما تتجمع بأعداد ضخمة وعلى مساحات واسعة، قد لا تغير حركة الرياح فقط، بل يمكن أن تؤثر أيضًا في مكان سقوط الأمطار وكمياتها على المدى الطويل.

Exit mobile version