الكائنات البرية تغيّر التربة والأنهار بقوة تفوق التوقعات
تأثير خفي لكنه هائل.. الحيوانات البرية لاعب رئيسي في تشكيل الطبيعة
كشفت دراسة حديثة، أن الحيوانات البرية تؤثر في حركة التربة والرواسب بدرجة أكبر بكثير مما كان يعتقده العلماء سابقًا.
ويعيد هذا الاكتشاف تشكيل فهمنا لتطور المناظر الطبيعية، حيث يبرز الدور اليومي للحيوانات في تشكيل الأنهار والتربة والتضاريس.
أدلة من أنظمة بيئية متعددة
استندت الدراسة إلى تحليل 64 بحثًا علميًا شملت بيئات متنوعة، من الأنهار والبحيرات إلى الجحور ومناطق التغذية، حيث ظهرت أنماط متشابهة في اليابسة والمياه.
وسجلت الدكتورة زارينا خان من جامعة كوين ماري في لندن تغيرات متوسطة بلغت 136% في الأنظمة المائية العذبة.
كما أظهرت البيانات تغيرات بنسبة 66% في البيئات البرية، ما يؤكد أن التأثير لا يقتصر على حالات محدودة، بل يمتد عبر نطاق واسع من النظم البيئية.

تغييرات في بنية التربة
يرجع جزء كبير من هذا التأثير إلى التغيرات المتكررة في بنية التربة، خاصة مع زيادة المساحات الفارغة بين الحبيبات، وهي الخاصية المعروفة بـ”المسامية”.
وقد ساهمت الحيوانات في زيادة هذه المسامية في مختلف البيئات، ما أدى إلى تغييرات ملحوظة في خصائص التربة.
وفي الوقت نفسه، انخفضت نسبة الجزيئات الدقيقة بنحو 44%، ما أدى إلى بقاء مواد أكثر خشونة.
وتؤثر هذه التغيرات على كيفية تسرب المياه وحركة الرواسب وترسيبها.
المياه والتعرية وحركة الرواسب
عندما تُفكك الحيوانات التربة أو تعيد ترتيبها، تصبح حركة المياه أكثر سهولة، ما يغير من طريقة انتقال الرواسب عبر الأنهار وضفافها والجحور.
وفي البيئات المائية، ارتفع حجم الجزيئات بنسبة 201%، كما زادت عملية خلط الرواسب بنسبة 444%.
أما في اليابسة، فقد زادت معدلات التعرية بنسبة 299%، إلى جانب ارتفاع تسرب المياه ومحتواها بنسبة 17%.
وتفسر هذه النتائج كيف يمكن لنشاط بسيط، مثل حفر جحر أو بناء عش، أن يؤثر لاحقًا في مسارات الفيضانات أو تسرب المياه.

تأثير أقوى في المياه العذبة
أظهرت الأنظمة المائية العذبة التأثير الأقوى، حيث ساعدت حركة المياه على تضخيم تأثير الحيوانات، إذ تنتقل الحبيبات بسهولة أكبر بعد تفكيكها.
وفي المقابل، ظلت التأثيرات في اليابسة كبيرة، لكنها غالبًا ما تبقى محلية ولا تنتشر لمسافات طويلة.
ويمثل هذا فرقًا مهمًا في إدارة الموارد، إذ قد يؤدي اختفاء الحيوانات إلى إغفال عامل رئيسي في تخطيط إدارة الأنهار والفيضانات.

تأثير يتجاوز القنادس
رغم أن القنادس تُعد مثالًا مشهورًا، فإن الدراسة شملت نطاقًا أوسع بكثير، إذ غطت تسع فئات من الحيوانات، من الأسماك والقشريات إلى الطيور.
وشملت الأنشطة المؤثرة الحفر، والدوس، والمشي، والتغذية، وبناء الأعشاش، ما يثبت أن التأثير لا يعتمد على نوع واحد فقط.
تأثيرات لا تختفي بسهولة
لطالما افترض العلماء أن البيئات ذات الطاقة العالية، مثل المناطق شديدة الانحدار، تمحو تأثيرات الحيوانات بسرعة.
لكن الدراسة لم تجد دليلًا واضحًا على ذلك، بل أظهرت أن تأثير الحيوانات يستمر حتى في هذه البيئات.
وفي بعض الحالات، تغيرت طبيعة التأثير تبعًا للارتفاع، ما يعني أن البيئة تحدد نوع الأثر الذي تتركه الحيوانات.

فجوات في المعرفة
رغم أن الدراسة شملت 61 نوعًا من الحيوانات، فإن إحصاءً عالميًا عام 2025 أشار إلى وجود أكثر من 600 نوع تؤثر في تشكيل سطح الأرض.
ولا تزال بيانات العديد من هذه الأنواع غير مكتملة، ما يعني أن التأثير الحقيقي للحيوانات قد يكون أكبر بكثير مما هو معروف حاليًا.
أهمية الحفاظ على النظم البيئية
تؤثر الحيوانات في كيفية احتفاظ التربة بالمياه ونقل الرواسب، لذا فإن فقدانها قد يغير استجابة النظم البيئية للضغوط البيئية.
وتحظى الأنظمة المائية العذبة بأهمية خاصة، نظرًا لأن التأثيرات كانت أكثر وضوحًا فيها، رغم تعرضها بالفعل لضغوط متزايدة.

إعادة التفكير في إدارة الأراضي
تشير النتائج إلى أن الحيوانات ليست مجرد جزء من التنوع البيولوجي، بل عنصر أساسي في العمليات التي تشكل الأرض.
ومع استمرار هذه التأثيرات التراكمية، يصبح من الضروري إدماج دور الحياة البرية في خطط إدارة الأراضي والمياه.
فالحيوانات لا تعيد تشكيل الكوكب من خلال أحداث نادرة، بل عبر أنشطة يومية متكررة تشكل قوة طبيعية مستمرة.





