القمح الصحي يبدأ من التربة وينتهي في الفرن.. دراسة شاملة لتحسين التغذية
الخبز ليس سواءً.. كيف نرفع القيمة الغذائية للقمح من الحقل إلى المائدة؟
-
خبزك اليومي يمكن أن يكون أكثر تغذية.. إذا اختير القمح وخُبز بالطريقة الصحيحة
يُشكّل القمح جزءًا أساسيًا من نظامنا الغذائي، لا سيما في شكل الخبز. ولكن ليس كل أنواع القمح متشابهة، فطريقة زراعته ومعالجته وخَبزه تؤثر على العناصر الغذائية التي يحتويها.
حتى الآن، ركزت صناعة القمح في المقام الأول على زيادة المحاصيل، وخفض استخدام الأسمدة والمبيدات الحشرية، وضمان جودة الخبز.
لكن ما يُغفل عنه كثيرًا هو أن القمح يمكن أن يكون أيضًا مصدرًا غنيًا بالعناصر الغذائية. فوفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة “الفاو”، يُسهم القمح بأكثر من 20% من الإمدادات العالمية من الألياف والمعادن والعناصر النزرة.
غير أن الحصول على قيمة غذائية أكبر من القمح لا يعتمد فقط على زراعة صنف مختلف، بل يشمل السلسلة بأكملها من الحقل إلى الفرن.

فهم القيمة الغذائية للخبز: الأساسيات
يمكن أن يختلف الخبز بدرجة كبيرة من حيث القيمة الغذائية. فعلى سبيل المثال، تحتوي شريحة من خبز الحبوب الكاملة على كمية جيدة من الألياف، وفيتامينات “ب”، والحديد، والمغنيسيوم، والكربوهيدرات المعقدة. وتساعد هذه العناصر على تنظيم مستويات السكر في الدم، ودعم الهضم، وتوفير طاقة مستدامة.
أما الخبز الأبيض، المصنوع من الدقيق المكرر، فيفقد معظم الألياف والعناصر الدقيقة خلال المعالجة. ورغم أن الشركات تضيف بعض هذه العناصر مرة أخرى عبر “الإثراء”، إلا أنه لا يضاهي خبز الحبوب الكاملة من حيث الفائدة الغذائية.
ويُعد نوع الخبز وكميته أمرين مهمين. فالخبز غني بالكربوهيدرات، ورغم أن الكربوهيدرات ليست ضارة بحد ذاتها، فإن الإفراط في تناولها – خاصة في الخبز منخفض الألياف – قد يؤدي إلى ارتفاع سكر الدم وزيادة الشعور بالجوع.
للحصول على خبز أكثر تغذية، يُنصح باختيار الأرغفة التي تحتوي على 3 جرامات على الأقل من الألياف، وقليل من السكر المضاف.
كما تُعد الحبوب المنبتة، أو الخبز المخمر، أو الذي يحتوي على بذور، خيارات ممتازة لتحسين الهضم وامتصاص المغذيات.

خصائص أصناف القمح
تعاون علماء من جامعة هوهنهايم، في ألمانيا، والمركز الطبي الجامعي بجامعة ماينز مع أربع شركات لتربية القمح لدراسة كيفية تعزيز القيمة الغذائية للقمح عبر سلسلة القيمة الكاملة.
وخلال خمس سنوات من البحث، وثّق الفريق أكثر من 6000 صفة عبر 282 نوعًا من القمح و400 سلالة هجينة.
يقول الدكتور فريدريش لونجين، مدير قسم القمح في معهد تربية النباتات الحكومي ومنسق مشروع Betterwheat: “ما يميز هذا المشروع هو النظر الشامل إلى خصائص القمح على امتداد سلسلة القيمة – من الزراعة، مرورًا بالمعالجة، وصولًا إلى التغذية البشرية.”
إلى جانب السمات الزراعية، أخذ الباحثون في الاعتبار عشرات الخصائص المرتبطة بإنتاج المخابز، وكذلك المكونات والبروتينات المهمة لصحة الإنسان.
بعض أنواع القمح أغنى بالعناصر الغذائية
اختبر الباحثون أنواع القمح في بيئات متنوعة في أنحاء أوروبا لقياس تأثير ظروف التربية والمناخ على الصفات الغذائية.
يقول الدكتور يوهانس شاخت، كبير مربي القمح في شركة Limagrain GmbH: “سمح لنا هذا النموذج بفهم تأثير كلٍّ من الوراثة والبيئة على العناصر الغذائية”.
فحص الفريق نحو 800 عينة قمح لتحديد مستويات 13 معدنًا وعنصرًا نزرًا، منها الحديد والزنك، اللذان يؤثران في المناعة والتمثيل الغذائي وصحة الخلايا.
ويُعلق الدكتور لونجين: “وجدنا أن محتوى العناصر الغذائية يختلف بشكل كبير بين الأنواع – وقد يتفاوت بنسبة تصل إلى 50%.”
كما بيّنت التجارب أن تلك العناصر يمكن دمجها مع خصائص التخمير الجيدة، وأنها ترتبط إيجابيًا بمحتوى البروتين وجودة العجين.

تقنيات جديدة لقياس العناصر الغذائية
سعى الفريق إلى إيجاد طرق عملية وسريعة لقياس القيم الغذائية. إحدى هذه الطرق هي مطيافية الأشعة السينية الفلورية (XRF)، التي تستخدم أشعة سينية لتقديم قراءات دقيقة وسريعة لمحتوى العناصر.
يقول الدكتور لونجين: “مطيافية XRF تقدم حلاً فعالًا، لكنها تتطلب استثمارات لتصبح قابلة للتطبيق التجاري الواسع.”
ومع ذلك، فإن هذه الفوائد لن تتحقق ما لم يُستهلك المزيد من الحبوب الكاملة أو الدقيق الغني بالطبقات الخارجية للحبة، مثل النوع 1050 وما فوق.
وذلك لأن العناصر الغذائية تتركز في هذه الطبقات، والتي تُفقد في الدقيق الأبيض مثل الأنواع 405، و550، و812.
طريقة الخَبز تُحدث فرقًا
حتى وإن كان القمح غنيًا بالعناصر، فإن الجسم قد لا يمتصها بكفاءة ما لم يُخبز الخبز بطريقة صحيحة.
يرتبط جزء كبير من المغذيات بحمض الفيتيك، وهو مركب لا يُهضم بسهولة، وقد يُطرح من الجسم حاملًا معه عناصر مهمة.
ولهذا السبب، تعاون العلماء مع خبازين لتجربة أربع تقنيات شائعة في الخبز. وتبيّن أن الطريقة الأكثر فاعلية هي المزج بين عجين طويل التخمر وعملية تخمير تقليدية.
وأوضح الدكتور لونجين: “وجدنا أن حمض الفيتيك يتحلل تقريبًا بالكامل خلال هذه العملية، مما يجعل المغذيات متاحة للجسم.”
نحو خبز أكثر فائدة
من الزراعة إلى الخَبز، يمكن لجميع المعنيين بسلسلة إنتاج القمح أن يؤثروا إيجابيًا في القيمة الغذائية للخبز.
لكن البداية تبدأ من المستهلك.
يختم الدكتور لونجين بقوله: “ينبغي أن نبدأ بتناول المزيد من الحبوب الكاملة. بعد ذلك يأتي دور الخَبز السليم، وعندها فقط يكون لتربية القمح وتجارته جدوى حقيقية في تحسين جودة التغذية.”
فالقمح ليس مجرد مصدر للسعرات، بل مورد غذائي مهم إذا ما تم إنتاجه وخبزه واستهلاكه بعناية علمية مدروسة.





