“الفلسطينيون أبطال”.. ممرضة أمريكية تروي تجربة 3 أسابيع في غزة..
طبيب فلسطيني يودع أسرته على معبر رفح ويقرر استكمال واجبه في علاج المرضى بالقطاع
موقف مؤثر ولحظات صعبة، عندما ودع الطبيب الفلسطيني محمد أبو ناموس، احتضن ربما للمرة الأخيرة ابنته، وأسرته على أبواب معبر رفح لمغادرة غزة إلى مصر، حيث قرر البقاء في القطاع لرعاية آلاف الجرحى جراء القصف الإسرائيلي.
وأسرة أبو ناموس، التي تحمل الجنسية المولدوفية، هي من بين المئات من سكان غزة الذين يحملون جوازات سفر أجنبية يسمح لهم بالمغادرة إلى مصر عبر معبر رفح، وهو السبيل الوحيد للخروج من الجيب الفلسطيني المحاصر ولا يقع على حدود إسرائيل.
وقال أبو ناموس، وهو ينظر لزوجته وابنته قبل أن تغادرا: “لا يوجد سبيل آخر للخروج من هذا الوضع، لا أمان هنا، قطاع غزة بأكمله غير آمن، ولهذا السبب من الأفضل أن أخرجهم حتى أتمكن من التركيز على عملي في علاج المرضى”، وأضاف “قطعا سأخرجهم، لكني سأبقى في قطاع غزة ولن أغادره”.

أبو ناموس، جراح عظام، نقل أسرته من مخيم جباليا في شمال غزة مع بدء الغارات الإسرائيلية إلى منطقة الزهراء ثم إلى مخيم النصيرات في وسط غزة، لكن إيجاد مكان آمن للأسرة كان أمرا بعيد المنال.
مع انهيار مستشفيات غزة بسبب استمرار القصف الإسرائيلي والحصار الذي خلف نقصا حادا في الأدوية والمياه والغذاء والوقود، يواجه العاملون في المجال الطبي أصعب الخيارات كل دقيقة، ما يضعهم تحت ضغط نفسي كبير.
من جانبها، قالت دينا، ابنة أبو ناموس، إن مشاعر متباينة تعصف بها كلما تذكرت أنها قد تغادر القطاع، مضيفة: “سنذهب إلى هناك، حيث توجد الكهرباء والمياه والإنترنت وكل شيء، لكنني في الوقت نفسه حزينة لأن أبي سيبقى هنا”.
ووفقا لتقديرات مسؤولي الصحة في غزة، أودت الغارات الإسرائيلية حتى الآن بحياة ما يزيد على 10 آلاف فلسطيني، نحو 40 بالمئة منهم أطفال، وهو ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إلى التحذير من أن غزة تتحول إلى “مقبرة للأطفال”.

“كل يوم هو خيار بين من يعيش ومن يموت” هكذا يقول الأطباء والممرضون في مستشفيات غزة التي تقترب من الانهيار بدون كهرباء وإمدادات أساسية، حيث أنهم يتعين عليهم الآن تحديد المرضى الذين سيحصلون على أجهزة التنفس الصناعي، ومن الذي سيتم إنعاشه، أو من الذي سيحصل على أي علاج طبي على الإطلاق، بحسب الصحيفة.
ممرضة أمريكية في منظمة “أطباء بلا حدود“
وتقول إميلي كالاهان، وهي ممرضة أمريكية، مسؤولة في منظمة “أطباء بلا حدود”، إن زملاءها اختاروا بالبقاء في غزة رغم علمهم أنهم قد يقتلون في الغارات.
بعد ثلاثة أسابيع قضتها تحت القصف، غادرت كالاهان غزة الأسبوع الماضي، وعندما سألها مذيع شبكة “سي.أن.أن” إن كانت ستعود إلى غزة إذا أتيحت لها الفرصة، أجابت: “من كل قلبي، من كل قلبي تماما… قلبي في غزة، سأبقى في غزة، الفلسطينيون الذين عملت معهم كانوا من أروع الأشخاص الذين قابلتهم على الإطلاق.. أبطال مطلقون، لو كان بإمكاني الحصول على قدر بسيط من الشجاعة التي يتمتعون بها لكنت سأموت شخصا سعيدا”.

مع انهيار مستشفيات غزة بسبب استمرار القصف الإسرائيلي والحصار الذي خلف نقصا حادا في الأدوية والمياه والغذاء والوقود، يقف القطاع الطبي في غزة على شفا كارثة إنسانية، وتقول كالاهان إن آلاف الفلسطينيين يعيشون في ظروف غير صحية وغير آدمية بينما يواجهون الموت بسبب الهجمات الإسرائيلية المستمرة على غزة.
وأوضح الأطباء في غزة أنهم يتخذون قرارات سريعة وسط صرخات الأطفال الصغار الذين يخضعون لعمليات بتر أو عمليات جراحية في الدماغ دون تخدير أو مياه نظيفة لغسل جروحهم.
ويقول الأطباء في قطاع غزة إن الظروف داخل غزة المكتظة بالسكان هي الأسوأ على الإطلاق، حيث تنهار مبان سكنية ومدارس ومستشفيات بأكملها تحت القصف الإسرائيلي الذي أدى إلى خسائر فادحة في صفوف المدنيين.
American Nurse Emily Callahan is interviewed on @cnn @andersoncooper talking about her experience for 26 days in Gaza.
She lived through over 3 weeks of the bombardment by the IDF, and when asked if she would go back to Gaza to serve with/the Palestinians she responds "in a… pic.twitter.com/Km9n2sWHrX
— AbdelRahman Murphy (@AbdelRahmanM) November 7, 2023
اختار الأطباء والممرضون البقاء في غزة
وأخبرت كالاهان الشبكة أن أحد زملائها، وهو ممرض، قُتل في عطلة نهاية الأسبوع الأول في إحدى الغارات التي استهدفت سيارة إسعاف.
وعندما صدرت أوامر بمغادرة شمال غزة، قالت كالاهان إنها أرسلت على الفور رسالة نصية إلى أعضاء طاقم المستشفى لمعرفة ما إذا كانوا سيتوجهون إلى الجنوب، والإجابة الوحيدة التي حصلت عليها كانت: “هذا مجتمعنا، وهذه عائلتنا، وهؤلاء هم أصدقاؤنا، إذا كانوا سيقتلوننا هنا، فسنموت ونحن نحاول إنقاذ أكبر عدد ممكن من الناس”.
اختار الأطباء والممرضون في غزة البقاء في منطقة الصراع لتقديم الرعاية الطبية المطلوبة بشكل عاجل، رغم المخاطر، وقالت ” الأطباء والممرضات الذين عملت معهم في غزة هم من أشجع الأشخاص الذين قابلتهم على الإطلاق”، وأكدت أنها الآن تشعر بالقلق كل يوم بشأن سلامة زملائها.

هل أنتم على قيد الحياة؟
وقالت كالاهان للشبكة: “أستيقظ كل صباح وأرسل رسالة نصية وأسألهم: هل أنتم على قيد الحياة؟ وفي كل ليلة قبل أن أنام أرسل رسالة أخرى تقول: هل أنتم على قيد الحياة؟”
وقالت كالاهان: “أجد صعوبة في العثور على المتعة في أي من هذا لأنني آمنة حاليا، وهذا نتيجة لاضطراري إلى ترك الناس ورائي”.
وتحدثت كالاهان عن معاناة الأطفال تحديدا في غزة، قائلة: “كان هناك أطفال مصابون بحروق شديدة في وجوههم وأعناقهم وفي جميع أنحاء أطرافهم، ولأن المستشفيات مكتظة للغاية، يتم إخراجهم على الفور بعد ذلك”.
وأضافت: “يحضر الآباء أطفالهم إلينا ويقولون: هل يمكنكم المساعدة من فضلكم؟ وفي الواقع، ليس لدينا أي إمدادات”.
وتابعت كالاهان: “ويتم نقلهم إلى هذه المخيمات حتى دون إمكانية الحصول على المياه. ويوجد الآن 50 ألف شخص في مخيم بأربعة مراحيض، ويتم تزويدهم بالمياه لمدة ساعتين كل 12 ساعة”.
وشاركت كالاهان تفاصيل التحديات الهائلة التي تواجه توفير الرعاية أثناء النزاع، وقالت: “كنا نسمع القصف والغارات الجوية في الخارج أثناء إجراء عمليات جراحية طارئة، وفي بعض الأحيان، كان المستشفى يهتز”.

رفع مستوى الوعي حول الأزمة في غزة
بعد الإخلاء إلى مكان آمن، شاركت كالاهان تجربتها لرفع مستوى الوعي حول الأزمة في غزة، وأضافت “أريد أن يعرف الناس ما يحدث بالفعل على الأرض، فالعاملون الطبيون والمدنيون يفقدون حياتهم بسبب نقص الإمدادات الأساسية وعدم القدرة على المغادرة لتلقي العلاج”.
وأشارت كالاهان إلى المساعدة التي قدمها الموظفون الفلسطينيون الذين لم يغادروا أماكنهم، وقالت: “لولا مساعدة الموظفين المحليين لكنا قد متنا في غضون أسبوع”.

خطر المجاعة
وقالت إنها وفريقها اضطروا إلى التوسل للحصول على الطعام والماء، وأعربت عن اعتقادها بأن المواطنين في غزة معرضون لخطر المجاعة إذا لم يحصلوا على المساعدة، “عندما أقول إننا كنا سنموت جوعا، فأنا لا أبالغ”.
وتحدثت كالاهان عن شجاعة الفلسطينيين، قائلة “وفي لحظات اليأس المطلق للمواطنين، كانوا حازمين وهادئين وتحدثوا معهم وأخبروهم أنهم أيضا في نفس القارب، وليس لديهم إمدادات، كما أنه ليس لديهم طعام أو ماء، وكانوا أيضًا ينامون في الخارج على الأسمنت”.
نائب مدير مستشفى الأقصى في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، باسم النجار، يقول إن “طواقمنا منهكة جسديا ونفسيا”، مضيفا “يبقى بعض الأطباء أسبوعًا كاملاً في المستشفى، ويتم نقل بعض عائلاتهم إلى المستشفى مقتولين أو مصابين، ويعود بعض الأطباء إلى منازلهم ويتعرضون للقصف هناك، ثم يتم إرجاع الجثث إلى المستشفى”، وتابع أن ثلاثة من العاملين في المستشفى استشهدوا في منازلهم جراء القصف الإسرائيلي.
ويوضح الأطباء أن الأضرار الناجمة عن الغارات الجوية والنقص الحاد في الوقود أدت إلى إغلاق ثلثي مستشفيات غزة بالكامل، في حين أن المستشفيات التي لا تزال أبوابها مفتوحة تقدم الحد الأدنى من الرعاية، في أحسن الأحوال.
وأوضحت “نيويورك تايمز” في تقرير مطول من غزة ، أن قليلا من المصابين بجروح خطيرة يحصلون على سرير في المستشفى.
وقال الأطباء إن عددا أقل من ذلك يستخدم جهاز التنفس الصناعي أو التخدير عند إجراء العمليات الجراحية، بما في ذلك جراحات الدماغ.

ويقول الأطباء إن أدوية التخدير غير متوفرة منذ حوالي أسبوعين.
علاوة على كل هذه التحديات، أصبحت المستشفيات دور أيتام مؤقتة أيضًا، وفقًا للعاملين في المجال الطبي.
ووفقا للصحيفة، أدى نقص إمدادات المياه العذبة واليود إلى ترك الجروح قذرة، حيث تأكل الديدان لحوم المرضى المتفحمة والممزقة، وفقًا لمقابلات مع أطباء في أربعة مستشفيات في جميع أنحاء غزة.
وبدون المياه الكافية، لا يتمكن الأطباء والممرضون من توفير المرافق الصحية الكافية لمرضاهم، أو غسل الجروح أو توفير أغطية للأسرة في المستشفى.
وتتقاسم هذا المعاناة 19 مستشفى أخرى لا تزال تعمل بدرجات متفاوتة في غزة.
ويتزايد الضغط على تلك المستشفيات، حيث تقوم بتعويض 16 مستشفى أصبحت الآن خارج الخدمة، بحسب بيان لوزارة الصحة.





