الغاز الحيوي يقترب من منافسة الغاز الطبيعي.. فتح الطريق أمام وقود متجدد منخفض الانبعاثات
الميثان الحيوي.. وقود المستقبل الذي قد يغطي 96% من احتياجات الغاز ويخفض ملايين الأطنان من الانبعاثات
في ظل البحث العالمي عن بدائل مستدامة للوقود الأحفوري وخفض الانبعاثات الكربونية، يبرز الميثان الحيوي (Biomethane) كأحد أكثر الحلول الواعدة لتوفير مصدر طاقة متجدد يمكن استخدامه عبر البنية التحتية الحالية للغاز الطبيعي دون الحاجة إلى تغييرات جذرية في شبكات التوزيع أو الأجهزة المنزلية.
وكشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة ملبورن الأسترالية عن نتائج مهمة قد تسهم في تسريع استخدام الميثان الحيوي في التدفئة والطهي وقطاع النقل، من خلال تحديد مستويات آمنة للشوائب الموجودة في هذا الوقود المتجدد قبل ضخه في شبكات الغاز.

ما هو الميثان الحيوي؟
الميثان الحيوي هو غاز متجدد يمتلك التركيب الكيميائي نفسه للغاز الطبيعي، لكنه يختلف عنه في مصدر الإنتاج. فبدلاً من استخراجه من باطن الأرض، يتم إنتاجه من النفايات العضوية مثل المخلفات الزراعية، ومكبات القمامة، ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي.
وتبدأ عملية الإنتاج من خلال نشاط الكائنات الدقيقة التي تقوم بتحليل المواد العضوية في بيئة خالية من الأكسجين فيما يعرف بعملية “الهضم اللاهوائي”، وهي عملية تشبه إلى حد كبير ما يحدث داخل الجهاز الهضمي للكائنات الحية.
وينتج عن هذه العملية غاز حيوي (Biogas) يتكون أساسًا من الميثان وثاني أكسيد الكربون، إضافة إلى مجموعة من الشوائب التي يجب إزالتها للحصول على ميثان حيوي صالح للاستخدام.
إمكانات هائلة لإنتاج الطاقة من النفايات
تشير التقديرات إلى أن أستراليا تمتلك إمكانات كبيرة لإنتاج الميثان الحيوي بفضل قطاعها الزراعي الضخم وما ينتجه من كميات هائلة من المخلفات العضوية.
ووفقًا لتقرير صادر عن شبكة الطاقة الأسترالية، يمكن نظريًا تلبية نحو 96% من الطلب على الغاز في الساحل الشرقي للبلاد إذا جرى استغلال جميع مصادر الغاز الحيوي المتاحة بالتقنيات الحالية.
كما يمكن أن يسهم هذا التوجه في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 9 ملايين طن سنويًا، فضلًا عن توفير فرص عمل جديدة وتحفيز النشاط الاقتصادي في المناطق الريفية.

الشوائب.. التحدي الأكبر
ركزت الدراسة على أحد أهم التحديات التي تواجه انتشار الميثان الحيوي، وهو وجود شوائب كيميائية قد تؤثر في أداء الأجهزة المنزلية وشبكات الغاز.
وكانت مادة “السيلوكسانات” (Siloxanes) من أبرز المركبات التي خضعت للدراسة، وهي مواد كيميائية توجد في منتجات العناية الشخصية والمنظفات وبعض الصناعات الغذائية.
وعند احتراق هذه المركبات داخل الأجهزة العاملة بالغاز، تتحول إلى جسيمات من السيليكا الصلبة تشبه الزجاج، ما يؤدي إلى تراكمها داخل المعدات وتقليل كفاءتها أو التسبب في أعطال مع مرور الوقت.
معايير جديدة للاستخدام الآمن
أجرى الباحثون تجارب تحاكي مستويات مختلفة من السيلوكسانات داخل الغاز الحيوي، ثم استخدموا نماذج حاسوبية لتقدير تأثير هذه الشوائب على الأجهزة المنزلية خلال فترة تشغيل تمتد إلى 15 عامًا.
وأسفرت النتائج عن وضع حدود علمية دقيقة لتركيز هذه المواد، بما يحقق التوازن بين ضمان سلامة الأجهزة وخفض تكاليف تنقية الغاز الحيوي.
وساهمت الدراسة بالفعل في مراجعة المواصفات الأسترالية الخاصة بالغاز الطبيعي ومكافئاته خلال عام 2025، لتتضمن لأول مرة إرشادات واضحة تتعلق بتركيب الميثان الحيوي وجودته.
الاستفادة من البنية التحتية الحالية

إحدى أهم مزايا الميثان الحيوي أنه يمكن ضخه مباشرة في شبكات الغاز الطبيعي الحالية دون الحاجة إلى إنشاء بنية تحتية جديدة، ما يقلل تكاليف التحول إلى هذا الوقود المتجدد.
ويعني ذلك أن المنازل قد تستخدم مستقبلاً غازًا منتجًا من محطات معالجة مياه الصرف أو المخلفات الزراعية دون أن يشعر المستهلك بأي فرق في الأداء مقارنة بالغاز الطبيعي التقليدي.
عقبات اقتصادية ما زالت قائمة
ورغم التقدم العلمي والتنظيمي، لا يزال الميثان الحيوي يواجه تحديات اقتصادية، إذ تشير التقديرات إلى أن تكلفة إنتاجه ما زالت أعلى من تكلفة الغاز الطبيعي بما يصل إلى الضعف أو أكثر في بعض الحالات.
ويرى الباحثون أن تسريع انتشار هذا الوقود يتطلب سياسات داعمة تشمل الحوافز الضريبية والدعم الحكومي وتشجيع الاستثمار في مشروعات الطاقة الحيوية، على غرار ما يحدث في دول مثل كندا وألمانيا والسويد.

خطوة نحو الحياد الكربوني
يؤكد العلماء أن تطوير قطاع الميثان الحيوي يمثل أحد المسارات المهمة لتحقيق أهداف الحياد الكربوني، إذ يوفر مصدرًا للطاقة المتجددة قادرًا على الاستفادة من النفايات العضوية وتحويلها إلى مورد اقتصادي وبيئي في الوقت نفسه.
ومع تزايد الاهتمام العالمي بالطاقة النظيفة، قد يصبح الميثان الحيوي خلال السنوات المقبلة عنصرًا أساسيًا في مزيج الطاقة المستدامة، خاصة في الدول التي تمتلك موارد كبيرة من المخلفات الزراعية والعضوية.





