العلماء يستخدمون أصوات الأمواج لتتبع تحمّض المحيطات الناجم عن الانبعاثات الكربونية
ضجيج المحيط يكشف أسرار تحمّضه.. تقنية صوتية ثورية ترصد تهديدًا خفيًا للحياة البحرية
أصبح المحيط اليوم ساحة مكتظة بالأصوات؛ من دويّ مراوح السفن إلى أناشيد الحيتان ونقرات الدلافين وفرقعات القشريات.
وبين هذه الترددات، يختلط صوت الرياح والأمواج والأمطار وهي تثير سطح البحر.
وقد نجح باحثون مؤخرًا في استخدام هذا الضجيج الطبيعي نفسه لقياس درجة تحمّض مياه المحيطات، في إنجاز علمي جديد نُشر في دورية Journal of Geophysical Research: Oceans .
وتُعد هذه التقنية الصوتية تقدمًا مهمًا، إذ تتيح قياس هذا المؤشر الحيوي لصحة المحيطات عبر مسافات شاسعة، بدلًا من الاعتماد على القياسات الموضعية المحدودة.
يقول أندوني لافري، المتخصص في علم الصوتيات البحرية بجامعة ولاية أوريجون: «إنها فكرة مذهلة، وقد أثبتوا بالفعل أنها ممكنة”.
تتحمّض مياه البحر بسبب امتصاصها جزءًا من ثاني أكسيد الكربون الناتج عن الأنشطة البشرية، وهو ما يؤدي إلى تكوين أيونات الهيدروجين التي تخفض قيمة الأس الهيدروجيني (pH) .
ومنذ عام 1985، انخفض متوسط الأس الهيدروجيني لمياه البحار السطحية من 8.11 إلى 8.04، وهو تغير طفيف في الظاهر، لكنه بالغ التأثير على الكائنات البحرية وقدرة المحيط على امتصاص الكربون مستقبلًا.

طريقة جديدة لقياس الحموضة عبر أعماق أكبر
يعتمد النظام البحري على طبقات متباينة العمق، ما يجعل القياسات المحدودة في طبقة واحدة غير كافية.
ورغم أن إضافة حساسات pH إلى مجسات «آرجو» العائمة وفرت صورة أوسع حتى عمق 2000 متر، فإن الفريق البحثي بقيادة ديفيد باركلي من جامعة دالهوزي طوّر طريقة جديدة لقياس الحموضة عبر أعماق أكبر باستخدام خصائص الصوت الفيزيائية.
بدأت الفكرة عام 2009، حين أجرى باركلي تجربة ممولة من البحرية الأمريكية في بحر الفلبين، مستخدمًا جهاز استماع صوتي يُدعى Deep Sound يتكون الجهاز من ميكروفونين تحت الماء وأجهزة إلكترونية مغلّفة بكُرات زجاجية قوية، تم إنزالها حتى عمق 5000 متر لتسجيل الأصوات في الأعماق.
فوجئ الفريق بأن الأعماق ليست صامتة كما كان يُعتقد؛ فعندما تشتد الرياح على السطح، تصل أصوات الموج المتكسر إلى الأعماق، خاصة عند ترددات تتراوح بين 1 و10 كيلوهرتز.
15 عام وخمس رحلات بحرية
ويُعرف أن مركبَي حمض البوريك وكبريتات المغنيسيوم يخففان الصوت عند ترددَي 1 و10 كيلوهرتز على التوالي، ولكن زيادة حموضة البحر تقلل من كمية حمض البوريك، وبالتالي من قدرته على امتصاص الصوت.
ومن خلال مقارنة هذه الترددات، يمكن تقدير متوسط الحموضة عبر عمود الماء بأكمله.
استغرقت التجارب 15 عامًا، شملت خمس رحلات بحرية وتطويرات متكررة للجهاز حتى تمكّن من الصمود في أعمق نقطة على وجه الأرض: خندق ماريانا قرب جزيرة غوام، على عمق يزيد على 10 آلاف متر.
يقول إرنست أوزهانسكي من كلية الدراسات البحرية التابعة للبحرية الأمريكية: «كنت متشككًا في البداية، لكن النتائج أثبتت فاعلية الطريقة. لقد فتحنا بابًا جديدًا لمراقبة حموضة المحيطات على نطاق عالمي».
ومع ذلك، يبدي بعض العلماء تحفظًا. فليتشينغ جيانغ، أستاذ الكيمياء البحرية بجامعة ميريلاند، يرى أن الفريق لم يقارن نتائجه بقياسات معروفة، مما يجعل دقة الطريقة موضع نقاش.

كما يشير كين جونسون من معهد مونتيري باي للأبحاث البحرية إلى أن التقنية لا تزال أقل دقة من المجسات البيوجيوكيميائية الحديثة (BGC-Argo)، التي يتوقع استكمال نشر 500 منها قريبًا.
لكنه يضيف: “مع بعض التحسينات في معالجة الإشارات، ربما نصل إلى نتائج ممتازة”.
وتبرز أهمية التقنية الجديدة في ظل الغموض الذي يكتنف مستقبل برنامج BGC-Argo، بعد توقف شركة هانيويل عن إنتاج حساسات pH، قبل أن تتراجع عن قرارها بضغط من إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن. كما أن استمرار تمويل البرنامج بعد العام المقبل لم يُحسم بعد.
ويأمل باركلي في المرحلة القادمة أن يترك أحد هذه الأجهزة في قاع البحر لعدة أشهر متواصلة، لتوفير بيانات مستمرة ومنخفضة التكلفة، وربما استخدامها مستقبلًا في مراقبة مشاريع الهندسة الجيولوجية البحرية الرامية إلى امتصاص الكربون من الغلاف الجوي.
كما يُحتمل أن تُسهم الكابلات البصرية البحرية المستخدمة في الاتصالات في رصد هذه الترددات الحساسة للحموضة مستقبلاً، ما يجعل من «الاستماع إلى البحر» وسيلة علمية لمتابعة صحة كوكبنا.





