العلماء يحذرون: تعتيم الشمس لمواجهة الاحتباس الحراري قد يغير أنماط الطقس عالميًا
الهندسة الجيولوجية للغلاف الجوي للأرض.. تهدد الأنظمة البيئية والاقتصادات الزراعية وحتى استقرار الطقس الإقليمي
في مواجهة أزمة المناخ العالمية التي تتفاقم يومًا بعد يوم، يبحث العلماء عن حلول جذرية غير تقليدية، قد تصل إلى حد التدخل في مناخ الكوكب نفسه.
من بين هذه الأفكار المثيرة للجدل ما يُعرف باسم “تعتيم الشمس” أو الهندسة الجيولوجية الشمسية، أي محاولة تبريد الأرض عن طريق نثر جسيمات عاكسة للضوء في الغلاف الجوي العلوي لتقليل كمية الإشعاع الشمسي الواصلة إلى سطح الأرض.
ورغم أن الفكرة تبدو للوهلة الأولى منطقية في عالم يشهد موجات حرٍّ غير مسبوقة، فإن دراسة علمية جديدة حذّرت من أن هذه التقنية قد تُحدث اضطرابات مناخية هائلة على نطاق عالمي، تهدد الأنظمة البيئية والاقتصادات الزراعية وحتى استقرار الطقس الإقليمي، مما يجعلها رهانًا محفوفًا بالمخاطر.
الدرس من الطبيعة: بركان “بيناتوبو” وتجربة التبريد الكبرى
تستند الفكرة إلى تجربة طبيعية شهيرة وقعت عام 1991، حين ثار بركان “ماونت بيناتوبو” في الفلبين، مطلقًا نحو 20 مليون طن من ثاني أكسيد الكبريت إلى طبقة الستراتوسفير.
كوّنت تلك الجزيئات سحابة كبريتية ضخمة عكست جزءًا من أشعة الشمس، فانخفض متوسط درجة حرارة الأرض بنحو نصف درجة مئوية لمدة عامين تقريبًا.
لكن هذه الظاهرة “الملهمة” كشفت أيضًا عن الوجه الآخر للتبريد الاصطناعي: فقد أدى تراكم الجزيئات إلى اضطراب أنظمة الرياح الموسمية الهندية، ما تسبب في جفاف واسع النطاق في جنوب آسيا، كما ساهم في تآكل طبقة الأوزون نتيجة تسخين الستراتوسفير.
محاكاة الطبيعة ليست بهذه البساطة
الباحثة فاي ماكنيل، أستاذة الكيمياء الجوية بجامعة كولومبيا، أوضحت أن نطاق النتائج المحتملة لأي تجربة مماثلة واسع جدًا وغير مضمون، قائلة: “نحن لا نتحدث عن عملية بسيطة يمكن التحكم بها بسهولة، نطاق النتائج المحتملة أوسع بكثير مما يدركه كثيرون، وكل محاكاة حاسوبية مهما بلغت دقتها تظل مثالية أكثر من اللازم.”
فالنماذج المناخية، كما تشير الدراسة المنشورة في دورية Scientific Reports بتاريخ 21 أكتوبر 2025، تفترض سيناريوهات مثالية حيث يتم حقن “الجزيئات المناسبة” في “الوقت والمكان المناسبين”، لكن الواقع الجوي أكثر تعقيدًا بكثير.
إذا تركزت الجزيئات قرب خط الاستواء مثلًا، فقد يؤدي ذلك إلى خلل في أنماط دوران الغلاف الجوي، وتغيّر توزيع الحرارة بين القارات.
أما إذا تركزت حول القطبين، فقد تتعطل الرياح الموسمية المدارية التي يعتمد عليها مليارات البشر في آسيا وإفريقيا.

خطر الأمطار الحمضية وتداعيات بيئية بعيدة المدى
مع مرور الوقت، تهبط الجزيئات الكبريتية نحو سطح الأرض بفعل الجاذبية، حيث تتفاعل مع بخار الماء لتكوّن أمطارًا حمضية تُتلف التربة والمحاصيل وتغيّر كيمياء المحيطات.
وبذلك تتحول التقنية التي يُفترض أن “تنقذ الكوكب” من الاحترار إلى مصدر جديد للتلوث وتدهور الأراضي الزراعية، في وقت تعاني فيه الأرض أصلًا من أزمة غذاء متصاعدة بفعل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

بدائل مكلفة وغير عملية
سعى العلماء إلى اختبار بدائل أقل ضررًا من الكبريت، مثل كربونات الكالسيوم وأكسيد الألومنيوم وحتى الماس الصناعي والزركونيا المكعبة والتيتانيوم الروتيل.
إلا أن معظم هذه المواد، بحسب الباحثة ميرندا هاك، تواجه مشكلات كبيرة: “بعضها نادر وباهظ التكلفة، والبعض الآخر لا يمكن نثره بشكل متجانس في الغلاف الجوي لأنه يميل إلى التكتل، مما يجعله غير فعال.”
وبالتالي فإن الحلول البديلة إما اقتصاديًا مستحيلة أو علميًا غير مجدية.
سلاح ذو حدين: بين الطموح والمخاطرة
يحذر الخبراء من أن الاعتماد على “تعتيم الشمس” كخطة إنقاذ للكوكب قد يفتح بابًا لا يمكن إغلاقه؛ إذ لا يمكن التراجع بسهولة عن ضخ المواد في الغلاف الجوي، كما أن إيقاف العملية فجأة قد يؤدي إلى ارتداد حراري عنيف يعيد درجات الحرارة إلى الارتفاع بسرعة هائلة.
إضافة إلى ذلك، تُثير هذه التقنية أسئلة سياسية وأخلاقية خطيرة: من يملك القرار بالتحكم في مناخ الأرض؟ ومن يتحمل تبعات فشل التجربة إذا أثرت على الأمن الغذائي أو تسببت في جفاف أو فيضانات عابرة للحدود؟

مناخ مختل وأمطار حمضية
البحث الجديد، الذي نشر في دورية Scientific Reports في 21 أكتوبر 2025، يكشف أن سيناريوهات الهندسة الجيولوجية أكثر تعقيدًا مما كان يعتقد. فحتى النماذج الحاسوبية الأكثر تطورًا لا يمكنها محاكاة التفاعلات الكيميائية والفيزيائية بدقة في الغلاف الجوي.
توضح الدكتورة فاي ماكنيل، أستاذة الكيمياء الجوية بجامعة كولومبيا وأحد مؤلفي الدراسة: “حتى في النماذج الأكثر تطورًا، نحن نتعامل مع ظروف مثالية لا وجود لها في الواقع. في العالم الحقيقي، الجسيمات ليست مثالية، والرياح لا تتصرف كما نريد، والنتائج قد تكون بعيدة كل البعد عن التوقعات النظرية.”
ويحذر الباحثون من أن توزيع الجسيمات في الغلاف الجوي بشكل غير متوازن، مثل تراكمها حول خط الاستواء أو فوق المناطق القطبية، يمكن أن يعيد تشكيل أنماط دوران الهواء حول الكوكب ويقلب موازين توزيع الحرارة والرطوبة، ما يؤدي إلى اختلالات حادة في أنظمة الطقس من آسيا إلى إفريقيا وأمريكا الجنوبية.
بل إن الجسيمات، أثناء هبوطها نحو سطح الأرض، قد تتفاعل مع بخار الماء لتكوين أمطار حمضية تُلحق أضرارًا بالتربة والنباتات والمحاصيل الزراعية، وتؤثر سلبًا على جودة المياه والهواء.

بدائل فاشلة أو مستحيلة
لم يتوقف العلماء عند الكبريت وحده. فقد درس الفريق بدائل أخرى مثل الكالسيوم الكربوني وأكسيد الألومنيوم ومواد نادرة مثل الماس الصناعي والزركونيا المكعبة وثاني أكسيد التيتانيوم، لكن جميعها واجهت مشكلات كبيرة.
تقول الباحثة ميرندا هاك، من جامعة كولومبيا وقائدة الدراسة: “الكثير من المواد المقترحة غير متوفرة بكميات كافية، أو يصعب نثرها بالتساوي في الغلاف الجوي، أو تتكتل بسرعة مما يقلل من فعاليتها.”
بمعنى آخر، لا يوجد حتى الآن مادة مثالية قادرة على تحقيق التأثير المطلوب دون آثار جانبية خطيرة أو تكاليف اقتصادية وبيئية باهظة.

تعتيم الشمس.. حلم خطير
تؤكد الدراسة أن مسألة الهندسة الجيولوجية ليست مجرد تجربة علمية بريئة، بل تدخل في نظام الأرض المعقد الذي يعتمد على توازن دقيق بين الإشعاع الشمسي، والغازات، والمحيطات، والنظم البيئية.
وتشير النتائج إلى أن أي تدخل واسع النطاق لتقليل حرارة الكوكب من خلال عكس أشعة الشمس قد يفتح الباب أمام سلسلة من التفاعلات غير المتوقعة — من الأعاصير الاستوائية الشاذة إلى تغيّر مواسم الأمطار الزراعية، وربما حتى موجات جفاف أو فيضانات كارثية.
يقول العلماء إن الفكرة قد توفر راحة مؤقتة من الاحترار العالمي، لكنها لن تعالج جذور الأزمة، وعلى رأسها انبعاثات الكربون المتزايدة.
فكما خلصت الدراسة: “تعتيم الشمس ليس بديلًا عن خفض الانبعاثات، بل مقامرة بمستقبل المناخ البشري”.






