ثلث سكان العشوائيات في الجنوب العالمي يعيشون في مناطق فيضانات كارثية
فيضانات مدمرة تهدد 880 مليون نسمة في العشوائيات.. ولا حلول في الأفق
الفقر والتوسع العمراني يدفعان الملايين للسكن في أخطر مناطق الفيضانات
كشفت دراسة جديدة نُشرت في مجلة Nature Cities أن واحدًا من كل ثلاثة أشخاص في الأحياء العشوائية بالجنوب العالمي يعيش في مناطق معرضة لفيضانات “كارثية”، مما يعرض حياة ملايين البشر للخطر.
اعتمدت الدراسة على مزيج من تقنيات الذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الصناعية والمسوح الأسرية والبيانات الاقتصادية والاجتماعية، لرسم خريطة دقيقة للمخاطر التي تواجه سكان العشوائيات كما يعرّفهم برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية.
وتوصلت الدراسة إلى أن هذه التجمعات السكنية غالبًا ما تتمركز في مناطق شهدت مؤخرًا أو بشكل متكرر فيضانات شديدة، نتيجة لانعدام البدائل السكنية وضعف إمكانيات التنقل.
وأكد الباحثون أن هذه الظاهرة تُجسد تداخل التحديات الاجتماعية والاقتصادية مع الضغوط البيئية الناتجة عن التوسع العمراني غير المنظم.

قال الدكتور جودي بولا، الباحث في علوم المناخ والمياه بمركز بحوث موارد المياه في حوض الكونغو، تعليقًا على الدراسة: “كانت الفيضانات في السابق تحت سيطرة المجتمعات المحلية، لكن تغير المناخ زاد من شدتها، وأصبحت المواجهة أكثر صعوبة.”
وبحسب تعريف الأمم المتحدة، تُعتبر المساكن “عشوائية” إذا افتقرت إلى واحد أو أكثر من معايير السكن اللائق: المسكن المتين، مساحة كافية، مياه نظيفة، صرف صحي ملائم، أو أمان في الحيازة.
وقدّرت الدراسة أن نحو 17% من سكان الجنوب العالمي – أي أكثر من 880 مليون شخص – يعيشون في مثل هذه الظروف، وتتجاوز النسبة 50% في دول مثل سيراليون وليبيريا.
وحددت الدراسة مناطق مثل شمال الهند وبنغلاديش ونيبال ورواندا وسواحل ريو دي جانيرو كمراكز خطرة تتقاطع فيها الكثافة السكانية مع خطر الفيضانات.

وأشار الباحثون إلى أن إفريقيا جنوب الصحراء تضم النسبة الأكبر من سكان العشوائيات في مناطق فيضانات، بنسبة تصل إلى 80%.
ومع ذلك، فإن الفرص أمام هؤلاء السكان للانتقال إلى مناطق أكثر أمانًا شبه معدومة، بسبب القيود المالية، وانخفاض فرص العمل، وارتفاع أسعار الأراضي الآمنة.
وضربت الدراسة أمثلة بمدن مثل مومباي ودار السلام وجاكرتا، حيث تُعد الأراضي المعرضة للفيضانات أرخص نسبيًا، مما يجعلها الخيار الوحيد أمام الفقراء.
وقال بولا: “عندما يشتري الناس هذه الأراضي فهم يفعلون ذلك باعتبارها فرصة العمر، طلب إخلائهم هو كأنك تطلب منهم شراء حلم جديد، بلا مساعدات أو قروض.”
ورسمت الدراسة خريطة لتوزيع العشوائيات والفيضانات الكارثية السابقة في 129 دولة من دول الجنوب العالمي، ووجدت أن سكان العشوائيات يشكلون 35% من السكان، لكنهم يمثلون 41% من المتضررين بالفيضانات، ما يدل على تعرضهم لخطر أكبر بكثير من غيرهم.

وأوضحت الدراسة أن الأمثلة الحديثة من فيضانات روركيلا في الهند وكينشاسا في الكونغو الديمقراطية تُجسد هذه الأزمة.
ففي كينشاسا، تسبب فيضان وانهيارات أرضية بمصرع 165 شخصًا في 13 منطقة سكنية عشوائية، وسط توسع عمراني سريع يفتقر إلى بنية تحتية كافية.
وأشارت دراسات أخرى إلى أن العديد من هذه الأحياء مبنية على أطراف الأنهار أو البحيرات، دون قنوات تصريف مناسبة.
وخلصت الدراسة إلى أن تغير المناخ، مقترنًا بالتوسع الحضري، سيؤدي إلى تفاقم الأزمة، ودفع مزيد من الناس للسكن في مناطق عالية الخطورة.
ورغم خطورة الوضع، تشير تقارير إلى أن السياسات الموجهة لحماية سكان العشوائيات من الفيضانات نادرة، وتفتقر أغلب المدن إلى خطط حقيقية لحمايتهم، وسط ضعف في الحوكمة وتجاهل لحقوق الفقراء في التخطيط الحضري.

وتقول الدكتورة نوشين أنور، مديرة مختبر كراتشي الحضري، إن السلطات في باكستان استخدمت القانون لطرد سكان العشوائيات بدلًا من حمايتهم، مشيرة إلى عمليات الإخلاء التي تمت في كراتشي عام 2022.
وأضافت: “البيانات واضحة، سواء جاءت على شكل أرقام أو شهادات، لكنها لا تُستخدم بما يكفي لدعم التغيير الفعلي في السياسات على المستوى المحلي أو العالمي.”
وأوصت الدراسة بأن تعترف الحكومات بسكان العشوائيات كأصحاب مصلحة رئيسيين، وأن تشملهم في خطط مواجهة آثار المناخ، مع التركيز على بناء القدرات في مجالات مثل الصرف الصحي وإدارة النفايات.





