العدالة المناخية.. دراسة توصي بتوضيح الحقوق الخضراء في ظل القانون الدولي لحقوق الإنسان
أشارت اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية إلى مصطلح العدالة المناخية عام 1992
كتبت أسماء بدر
أصبحت قضية العدالة المناخية من أهم القضايا، بل وفي مقدمة القضايا التي تطرح بشدة على صعيد الأجندات الدولية لا سيما تلك التي تتعلق بقضايا تغير المناخ، ويسعى منهج العدالة المناخية إلى التوفيق بين اعتبارين أحدهما: ضرورة التخفيف والحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وثانيًا الحاجة إلى تغيير الأنظمة الموروثة لاستخراج المواد ونقلها وتوزيعها، وتوليد الطاقة وإنتاج السلع، وتقديم الخدمات وطرق الاستهلاك والتخلص منها، بالإضافة إلى التمويل.
ويرى هشام محمد بشير، أستاذ مساعد العلوم السياسية بكلية السياسة والاقتصاد جامعة بني سويف، أن العدالة المناخية هي مزيج بين حقوق الإنسان وتغير المناخ، حيث تهدف في المقام الأول إلى حماية حقوق الإنسان التي قد تتأثر من جراء التغيرات المناخية؛ لذا فإن العدالة المناخية تعد أفضل وسيلة لتحقيق توزيع عادل في الأعباء والتكاليف بين الدول المتقدمة والصناعية والدول الفقيرة.
وفي دراسة أجراها أستاذ العلوم السياسية، ونُشرت في مجلة كلية السياسة والاقتصاد، بالمجلد السادس، حول موقف القانون الدولي من قضية العدالة المناخية، ويتفرع من هذا التساؤل عدة تساؤلات فرعية، مثل ماهية العدالة المناخية والعلاقة بينها وبين تغير المناخ، وما هو موقف الاتفاقيات الدولية من قضية العدالة المناخية، فضلًا عن موقف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية من العدالة المناخية.
تغير المناخ وحقوق الإنسان
وبحسب الدراسة، فإن تغير المناخ قضية بيئية اجتماعية اقتصادية سياسية أمنية وإنسانية، لها تداعيات عميقة على رفاة البشر وعلى التمتع الفعلي بحقوق الإنسان، وعواقب وخيمة على العدالة الاجتماعية، فعلى المستوى الفردي سيشعر بآثار تغير المناخ الأفراد الذين تكون تدابير حماية حقوقهم غير قوية بسبب بعض العوامل مثل السن أو الإعاقة أو الجنس، ووضع الشعب الأصلي ووضع المهاجر والأقلية والفقراء.
أما على المستوى العالمي، ستكون أقل البلدان نموًا والدول الجزرية الصغيرة صاحبة الإسهام الأقل في الانبعاثات العالمية لغازات الدفيئة، الأكثر تضررًا من تغير المناخ، في حين ستتطور العديد من الآثار الأخرى ببطئ أكبر لتصبح قضايا واسعة وشاملة.
و في إطار ظاهرة التغير المناخي، يمكن القول بإن قضية العدالة المناخية تثير ثلاثة قضايا، على النحو التالي:
1 – قضية العدالة بين الدول: إذا نظرنا إلى قضية التغير المناخي نجد أن هناك عدم عدالة بين الدول الكبرى المتسببة في الاحتباس الحراري، وبين الدول الفقيرة التي تعاني من التغيرات المناخية بصورة قد تفوق ما تعانيه الدول المتسببة في هذه الظاهرة، ومن ثم فلا يوجد عدالة توزيعية بين الدول الكبرى والدول الفقيرة، ولا عدالة تعويضية؛ فعلى الرغم من أن الدول الكبرى المتسببة في حدوث الظاهرة، ومع ذلك فإن الدول الفقيرة هي التي تتحمل العبء الأكبر.
2 – قضية العدالة بين الأجيال: مما لا شك فيه أن تغير المناخ يعد انتهاك للعدالة بين الأجيال.
3 – قضية العدالة الاجتماعية: يشكل تغير المناخ تحديًا صعبًا للعدالة الاجتماعية، فالأشخاص ليسوا متساويين في التأثر بتغير المناخ، خاصة الفئات الأكثر ضعفًا في الدول النامية مثل النساء والأطفال والفقراء وذوي الاحتاجيات الخاصة وغيرهم؛ لأنها الأقل جاهزية ماليًا واقتصاديًا لمواجهة آثار تغير المناخ.
ويخلص الباحث إلى أن تغير المناخ في حد ذاته قضية غير عادلة لثلاثة أسباب.
أولًا: ليس كل شخص مسئول بنفس القدر عن تغير المناخ، والبلدان ذات الناتج المحلي الإجمالي الأكبر والأفراد ذوي المستوى الأعلى هم الأكثر مساهمة في انبعاثات غازات الدفيئة.
ثانيًا: ليس كل البشر عرضة للخطر على قدم المساواة، أولئك الذين كانوا أقل مسئولية هم من يتحممون العبء الأكبر من الآثار السلبية. أخيرًا: ليس كل شخص على قدر المساواة لتمكينه من المشاركة في عملية صنع القرار التي ستؤثر على كيفية توزيع الموارد المحدودة للتكيف.
وتوصلت الدراسة إلى بعض النتائج والتوصيات التي يمكن إجمالها على النحو التالي:
– أصبحت قضية العدالة المناخية من أهم القضايا التي تطرح بشدة على صعيد الأجندات الدولية، خاصة تلك التي تتعلق بقضايا تغير المناخ.
– يعد مصطلح العدالة المناخية مصطلح حديث؛ حيث ظهر في الآونة الأخيرة ضمن أولويات العمل المناخي والتنموي، ولكن على الرغم من ذلك ينبغي أن نشير إلى أن تحديد المصطلح على نحو واضح لم يتم إلا في الاتفاقيات الدولية منذ عام 1992، وتحديدًا من خلال اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.
– العدالة المناخية مزيجًا بين حقوق الإنسان وتغير المناخ، حيث تهدف في المقام الأول إلى حماية حقوق الإنسان التي قد تتأثر من جراء التغيرات المناخية.
– لا يوجد اتفاق دولي حتى الآن ينص على كيفية ترجمة مبدأ توزيع المنافع والأعباء المرتبطة بتغير المناخ بشكل عادل ومنصف، وتطرح العدالة المناخية بعض المقاربات والرؤى بشأن كيفية الاستجابة لتغير المناخ سواء عن طريق خفض الانبعاث ما يُعرف بالتخفيف، أو عن طريق التكيف معه بطريقة منصفة مما يتطلب معرفة كيف تتحقق العدالة المناخية.
الحقوق الخضراء في القانون الدولي
وفي نهاية الدراسة، أوصى هشام محمد بشير، أستاذ مساعد العلوم السياسية، بكلية السياسة والاقتصاد جامعة بني سويف، عدة توصيات لتحقيق العدالة المناخية، وهي:
– ضرورة تعديل اتفاقيات تغير المناخ لتنص صراحة على مبدأ العدالة المناخية، وتجعله مبدأ ملزم لا سيما للدول الصناعية الكبرى.
– من الضروري أن تتحمل الدول المتقدمة عبء أكبر من الفقيرة في التصدي لتغير المناخ، وهو ما يُعرف بمبدأ المسئولية المشتركة لكن المتباينة.
– عمل المزيد من الأبحاث والدراسات التي تتناول قضية العدالة المناخية؛ من أجل إلقاء مزيد من الضوء على هذه القضية ووضع التصورات والاقتراحات من أجل تنفيذ مبدأ العدالة المناخية على نحو يحقق أهدافه.
– توضيح الحقوق المتعلقة أو ذات الصلة بالعدالة البيئية في ظل القانون الدولي لحقوق الإنسان، على أن يطلق على مثل هذه الحقوق مصطلح الحقوق الخضراء.





