الذكاء الاصطناعي يستهلك أكثر من الكربون: تقرير أممي يكشف التكلفة الخفية
صدمة بيئية: استهلاك المياه والأراضي في الذكاء الاصطناعي يفوق التوقعات
يبدو استخدام الذكاء الاصطناعي بسيطًا وسريعًا من منظور المستخدم، حيث تصل الإجابات في ثوانٍ وتُنتج الصور بسرعة مذهلة. لكن خلف هذه السهولة الظاهرة، تقف بنية تحتية ضخمة تستهلك كميات هائلة من الموارد الطبيعية.
فكل طلب يُرسل إلى مراكز بيانات ضخمة تعمل على مدار الساعة، تستهلك الكهرباء وتعتمد كذلك على المياه والأراضي.
ووفقًا لتقرير حديث صادر عن الأمم المتحدة، فإن التكلفة البيئية الحقيقية للذكاء الاصطناعي تتجاوز بكثير مجرد انبعاثات الكربون.
وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2030، قد تستهلك مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي نحو 945 تيراواط/ساعة سنويًا، وهو ما يقترب من ثلاثة أضعاف استهلاك بعض الدول ذات الكثافة السكانية العالية. وفي عام 2025، بلغ استهلاك مراكز البيانات عالميًا نحو 448 تيراواط/ساعة، ما يجعلها في مرتبة توازي أكبر مستهلكي الكهرباء عالميًا.

وقادت الدراسة الدكتورة ميريام أكزل من معهد المياه والبيئة والصحة بجامعة الأمم المتحدة، مؤكدة أن معظم التقييمات السابقة ركزت فقط على انبعاثات الكربون الناتجة عن تدريب النماذج، متجاهلة التأثيرات الأخرى.
ويكشف التقرير أن كل وحدة كهرباء مستهلكة تحمل معها “بصمة مزدوجة” من استهلاك المياه والأراضي، وهو ما يجعل الصورة أكثر تعقيدًا.
ثلاثة أعباء بيئية بدلًا من واحد
يشير التقرير إلى أن تقليل الانبعاثات الكربونية قد يؤدي أحيانًا إلى زيادة استهلاك المياه والأراضي. فعلى سبيل المثال، يمكن للطاقة الحيوية أن تخفض الانبعاثات بنحو 70%، لكنها في المقابل قد تزيد استهلاك المياه أكثر من 30 مرة، والأراضي بنحو 100 مرة.
وهذا يعني أن بعض الحلول التي تبدو صديقة للبيئة من زاوية الكربون قد تُحدث أضرارًا خفية في موارد أخرى، مثل استنزاف المياه أو التوسع في استخدام الأراضي.

الاستخدام اليومي هو الأكثر استهلاكًا
رغم التركيز الإعلامي على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، يوضح التقرير أن الاستخدام اليومي أو ما يُعرف بـ”الاستدلال” يستهلك ما بين 80% و90% من إجمالي الطاقة.
وتختلف تكلفة العمليات بشكل كبير؛ إذ قد يستهلك رد نصي واحد طاقة تفوق 200 مرة عملية بسيطة، بينما قد يستهلك إنشاء صورة واحدة طاقة تعادل 1450 مرة تلك العملية. أما إنتاج فيديو معقد، فقد يستهلك طاقة تكفي لتشغيل مصباح صغير لمدة 42 ساعة.
ومع معالجة مليارات الطلبات يوميًا، تتضخم هذه الأرقام لتشكل عبئًا بيئيًا كبيرًا يصعب تجاهله.
مفارقة الكفاءة: عندما تؤدي إلى زيادة الاستهلاك
يطرح التقرير مفهوم “أثر الارتداد”، حيث تؤدي زيادة كفاءة التكنولوجيا إلى زيادة استخدامها بدلًا من تقليل استهلاكها. فكلما أصبح الذكاء الاصطناعي أسرع وأرخص، زاد الاعتماد عليه، ما يرفع إجمالي استهلاك الموارد.

تكلفة محلية وفوائد عالمية
لا تتوزع أعباء الذكاء الاصطناعي بشكل عادل، إذ تتركز مراكز البيانات في عدد محدود من الدول. ففي أيرلندا، استهلكت مراكز البيانات نحو 21% من إجمالي الكهرباء في 2023، بينما تواجه دول أخرى ضغوطًا على موارد المياه بسبب هذه المنشآت.
كما يُتوقع أن ينتج عن معدات الذكاء الاصطناعي نحو 2.5 مليون طن من النفايات الإلكترونية سنويًا بحلول 2030، غالبًا ما يتم تصديرها إلى دول نامية تفتقر إلى نظم إدارة آمنة.

نحو شفافية أكبر
دفع هذا التقرير الأمم المتحدة إلى مطالبة شركات الذكاء الاصطناعي بالكشف عن بصمتها البيئية الكاملة، بما يشمل الكربون والمياه والأراضي، إلى جانب التحول إلى الطاقة المتجددة بحلول 2030.
ويرى التقرير أن إتاحة هذه البيانات ستمكن الحكومات والمستهلكين من اتخاذ قرارات أكثر وعيًا، كما ستدفع الشركات نحو تبني ممارسات أكثر استدامة.
ويختتم التقرير برسالة إيجابية، مفادها أن التقدم التكنولوجي يمكن أن يتماشى مع حماية البيئة، شريطة فهم التكاليف الحقيقية واتخاذ قرارات مسؤولة بناءً عليها.





