الذرة في خطر.. كيف سيؤثر الشتاء النووي على الزراعة عالميًا؟ ستة سيناريوهات لحروب نووية
علماء يحذرون: المجاعات الكبرى تبدأ بعد انفجار القنابل النووية
لن تقتل الحرب النووية البشر فحسب، بل قد تقضي على الإمدادات الغذائية للكوكب، تخيّل عالمًا يحجب فيه الدخان الكثيف أشعة الشمس، فتنهار درجات الحرارة، وتفشل المحاصيل، وتُفرغ أرفف المتاجر من الطعام.
تلك هي الحقيقة المخيفة لما يُعرف بـ”الشتاء النووي”، وهي ليست خيالًا علميًا، بل خطر حقيقي إذا تصاعد الصراع العالمي.
في دراسة جديدة، استكشف علماء من جامعة “ جامعة ولاية بنسلفانيا “ تأثير الشتاء النووي على إنتاج الذرة عالميًا، وهي أكثر الحبوب زراعة في العالم.
وقدم الفريق مقترحًا عمليًا للاستعداد لأسوأ السيناريوهات: تخزين “عدة المرونة الزراعية” المليئة ببذور مقاومة للبرد يمكنها ضمان استمرار الزراعة حتى في أحلك الأوقات.

المجاعة بعد النيران
نمذج الباحثون ستة سيناريوهات لحروب نووية، تراوحت بين النزاعات الإقليمية والصراعات العالمية الشاملة. حاكت النماذج تأثير السخام المتصاعد إلى الغلاف الجوي من حرائق نووية، والذي تراوح بين خمسة إلى 165 مليون طن.
في أفضل السيناريوهات، تراجعت غلة الذرة العالمية بنسبة 7%.، وفي أسوأها، بلغ التراجع 80%.

وقال الدكتور يونينج شي، الأستاذ المشارك في قسم علوم النبات بجامعة ولاية بنسلفانيا: “انخفاض بنسبة 80% في الإنتاج الزراعي العالمي سيكون له عواقب كارثية. حتى تراجع بنسبة 7% سيؤثر بشدة على النظام الغذائي العالمي والاقتصاد.”
واختيرت الذرة لأنها محصول حساس جدًا للمناخ، وتمثل نموذجًا يمكن أن ينطبق على معظم المحاصيل الأخرى.

نمذجة انهيار الغذاء النووي
استخدم الفريق نموذج “سايكلز” البيئي الزراعي، الذي طوره علماء في كلية العلوم الزراعية. وهو نموذج محاكاة معقد يتتبع حركة الكربون والنيتروجين بين التربة والنباتات والغلاف الجوي.
وبالاستعانة بالحوسبة عالية الأداء، تنبأ النموذج بكيفية نمو المحاصيل تحت ظروف مختلفة، حتى في ظل تأثيرات الإشعاع النووي.
وقال شي: “قمنا بمحاكاة إنتاج الذرة في 38,572 موقعًا، ضمن ستة سيناريوهات نووية ذات شدة متصاعدة، تراوحت فيها كميات السخام من 5 إلى 165 مليون طن. هذه الدراسة تعزز فهمنا للمرونة الزراعية العالمية في مواجهة الاضطرابات المناخية الكارثية.”

الأشعة فوق البنفسجية تزيد الأمر سوءًا
ليست السحب السوداء وحدها مصدر القلق. فالحرب النووية قد تُدمّر طبقة الأوزون، مما يزيد من تسرب الأشعة فوق البنفسجية (UV-B) إلى سطح الأرض.
وهذه الأشعة تُلحق الضرر بالحمض النووي، وتُعيق التمثيل الضوئي، وتُجهد النباتات بشكل إضافي. ويُعتقد أن هذه هي أول دراسة تقدّر تأثير الأشعة فوق البنفسجية على الزراعة في سيناريو ما بعد الحرب النووية.
ويبلغ ذروة الضرر بعد 6 إلى 8 سنوات من القصف، في ذروة مرحلة التعافي البيئي.
وأوضح شي: “الانفجارات النووية تُنتج أكاسيد النيتروجين في الستراتوسفير، ومع امتصاص السخام للحرارة، يتفاقم تدمير طبقة الأوزون، مما يسمح بمرور كميات أكبر من الأشعة فوق البنفسجية، ويُسبب تلف الأنسجة النباتية ويُقيد الإنتاج الغذائي العالمي.”
وبإضافة تأثير الأشعة فوق البنفسجية إلى الضغوط المناخية، يمكن أن تنخفض غلة الذرة بنسبة تصل إلى 87%.

زراعة الغذاء في الظلام
رغم الصورة القاتمة، يعتقد الباحثون بوجود بصيص أمل إذا تصرفنا الآن. فالتحول إلى أصناف من الذرة سريعة النمو ومقاومة للبرد قد يُزيد الإنتاج بنسبة تصل إلى 10% حتى في ظل الشتاء النووي، مقارنة بعدم اتخاذ أي إجراء. لكن التحدي يكمن في توفر البذور.
من هنا جاءت فكرة “عدة المرونة الزراعية”. وقال البروفيسور أرمن كيمانيان، أستاذ نظم الإنتاج والنمذجة: “هذه العُدد ستساعد في استمرار إنتاج الغذاء خلال سنوات عدم الاستقرار التي تلي أي حرب نووية. ويمكن توسيع مفهومها ليشمل كوارث أخرى، فحين تضرب كوارث بهذا الحجم، تكون المرونة هي الأساس.”
تحتوي هذه العُدد على بذور مصممة لمختلف المناطق والمناخات، بهدف تمكين المجتمعات المحلية من الزراعة حتى في حال انهيار الشبكات الغذائية العالمية.
ورغم إدراك شي لصعوبة تنفيذ هذه الخطة، إلا أنه أكد: “إذا أردنا النجاة، علينا أن نستعد، حتى لأسوأ السيناريوهات.”
دروس لكوارث الغذاء المستقبلية
الرسالة الأهم لا تتعلق بالسلاح، بل بمدى هشاشة نظامنا الغذائي.
وقال كيمانيان: “علينا أن نتذكر أن كوارث كهذه لا تنجم فقط عن الحروب النووية، بل أيضًا بسبب أحداث مثل الانفجارات البركانية العنيفة.
قد يظن البعض أن دراسات كهذه ترف فكري، لكنها تذكرنا بمدى هشاشة المحيط الحيوي، والذي يشمل جميع الكائنات الحية وتفاعلاتها مع البيئة.”
فالغذاء لا ينمو في الفراغ، بل يعتمد على مناخ مستقر، وهواء نقي، ونظم بيئية سليمة، وإذا اختل هذا التوازن، فإن النتائج تمتد إلى كل طبق طعام على الكوكب.
ورغم أن هذه الدراسة لا تتنبأ بالمستقبل، فإنها تتيح لنا الاستعداد لمستقبل نأمل ألّا يأتي أبدًا.






🌹🌹