أزمة صامتة.. الحقول الزراعية تتحول إلى مقابر للحشرات
دراسة صادمة: الزراعة تمحو ملايين السنين من تاريخ الحشرات الوراثي
لعدة عقود، أدّت أنماط الزراعة الحديثة إلى إضعاف التنوع البيولوجي للحشرات، غالبًا بطرق أقل وضوحًا من تدمير الغابات.
فالجزّ المتكرر، واستخدام المبيدات الحشرية، وفقدان المواطن الطبيعية، جميعها عوامل تُشكّل بيئة معادية لعدد لا يُحصى من أنواع الحشرات.
ومؤخرًا، ألقى فريق بحثي من جامعة يوليوس ماكسيميليان في فورتسبورج (JMU) ضوءًا جديدًا على مدى خطورة الضرر الحقيقي.
انخفاض أعداد الحشرات في الأراضي الزراعية
في ولاية بافاريا الألمانية، سعى فريق بقيادة البروفيسور يورجمولر إلى تجاوز الفرضيات.
درس الباحثون 400 عائلة من الحشرات، من الغابات إلى الأراضي الزراعية، لكنهم لم يكتفوا برصد ما شاهدوه.
بل استخدموا تقنية “الترميز الميتاباركودي للحمض النووي”، وهي وسيلة تقوم بمسح المادة الوراثية الموجودة في العينات البيئية.
وبدمجها مع أدوات إحصائية متقدمة، تمكن الفريق من الكشف ليس فقط عن أنواع الحشرات، بل أيضًا عن الأنماط الخفية في تراجعها.
وقد كشفت النتائج، التي نُشرت في مجلة “وقائع الجمعية الملكية – ب”، عن تباين صارخ بين الموائل الزراعية والمواطن شبه الطبيعية، ما يُغيّر نظرتنا لواقع فقدان الحشرات، ويُبرز مدى خطورته المتزايدة.

الزراعة وتنوع الحشرات
استخدم الباحثون مصائد “ماليزي” لاصطياد الحشرات من بيئات متنوعة.
والمثير للدهشة أن عينات الأراضي الزراعية قدّمت أوضح البيانات. فهذه المناظر المفتوحة والمبسطة تُسهّل عملية التقاط أنواع الحشرات وتحديدها، ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الميزة، كانت النتائج قاتمة.
فبعد ضبط مستوى اكتمال كل عينة في التقاط التنوع الحشري الموجود، سجّل الباحثون انخفاضًا بنسبة 44% في إجمالي تنوع الأنواع في الأراضي الزراعية.
هذا التراجع لا يُعد ظاهرة موسمية عابرة، بل يُمثل انهيارًا هيكليًا يمتد عبر حدود الأنواع.
أصبحت الأراضي الزراعية أقل ملاءمةً للحشرات، وأكثر عدائيةً لبقائها واستمرارها.
انهيار غير مرئي في عالم الحشرات
لم يكن مجرد إحصاء الأنواع كافيًا لفهم عمق الأزمة، لذا، ابتكر الفريق طريقة جديدة لتوحيد مدى اكتمال جمع عينات الحشرات في كل موطن، ما أتاح إجراء مقارنات دقيقة بين بيئات شديدة التباين.
كما عمدوا إلى تصفية أخطاء التسلسل الوراثي، والتركيز على الاتجاهات الحقيقية في وجود الأنواع، وصقلوا العدسة على التنوع البيولوجي للحشرات.
وقد أخذت هذه المنهجية في الاعتبار ليس فقط عدد الأنواع المختلفة (التنوع التصنيفي)، بل أيضًا مدى الترابط بينها من حيث النسب الوراثي (التنوع التطوري).
وما كشفته النتائج لم يكن مجرد تناقص في أعداد الحشرات، بل انخفاض حاد في تنوع السلالات الحشرية ذات الأصول التطورية العميقة.

الزراعة تمحو تاريخ الحشرات
عندما تختفي الحشرات، لا تفقد الأنظمة البيئية الملقّحات أو مصادر الغذاء فقط، بل تفقد أيضًا تاريخها الجيني العريق.
فقد أظهر تحليل فريق جامعة فورتسبورج انخفاضًا بنسبة تقارب 30% في التنوع التطوري لحشرات الأراضي الزراعية.
هذا يُعني أن فروعًا كاملة من “شجرة عائلة” الحشرات آخذة في الاندثار – سلالات نشأت عبر ملايين السنين، تختفي الآن خلال عقود معدودة.
ويُهدد هذا الفقدان مرونة النظم البيئية، ويُضيّق الحيّز الجيني الذي كان من الممكن أن يُشكّل درعًا طبيعيًا في مواجهة التغيرات البيئية المستقبلية.
وتؤكد الدكتورة ماريك كورتمان، الباحثة الرئيسية في الدراسة، أن استمرار هذا التراجع في تنوع الحشرات قد يُفضي إلى نتائج كارثية على صحة واستقرار النظم البيئية.
أزمة التنوع البيولوجي في الزراعة
لا تزال الغابات والموائل شبه الطبيعية تحتفظ بقدرتها على دعم حياة الحشرات المتنوعة، حيث توفر الظل، والنباتات، وشبكات غذائية معقدة.
أما الأراضي الزراعية، فقد تحوّلت إلى بؤر لفقر التنوع البيولوجي. فبدلًا من أن تعج بالحياة، أصبحت تعج بالغياب.
الأدهى أن الأنواع المهيمنة من الحشرات – التي يُفترض أن تكون أكثر مقاومة – هي من تشهد تراجعًا سريعًا في تنوعها التصنيفي.
وفي الوقت ذاته، تواجه الأنواع النادرة خطر الانقراض العميق، حيث تُفقد سلالاتها التطورية بأكملها.
وبالتالي، فإن الأراضي الزراعية لا تُشكّل خطرًا وجوديًا على الحشرات فحسب، بل تُساهم في محو ماضيها الوراثي، وحاضرها البيئي، ومستقبلها التطوري بشكل ممنهج.
الإجراءات اللازمة لحماية الحشرات
قدّمت هذه الدراسة أدوات تحليلية جديدة لفهم تراجع الحشرات وآليات انقراضها.
ومن خلال الدمج بين التحليل الجيني، والدقة الإحصائية، والنظر في السياق التطوري، أصبح بوسع الباحثين الآن رسم خريطة أوضح لفقدان التنوع البيولوجي وتفتّته.
لكن الصورة التي رسموها قاتمة، وتُحتم اتخاذ إجراءات عاجلة. فمعرفة المزيد لا قيمة لها إن لم تدفعنا إلى تغيير سلوكنا.
ويدعو الباحثون إلى اتخاذ تدابير بيئية حاسمة، خصوصًا في الأراضي الزراعية، حيث تقترب الحشرات، الشائعة والنادرة على حد سواء، من شفا الانقراض.
لقد بات التحذير واضحًا، لا لبس فيه. والسؤال الذي يطرحه العلماء اليوم: هل سنُغيّر مسارنا قبل أن يعمّ الصمت؟





