من طه حسين إلى خرائط نابليون.. حيث يُكتب تاريخ الأرض بالعلم.. الجمعية الجغرافية المصرية ذاكرة أمة
30 ألف مجلد و12.500 خريطة.. كنوز الجمعية الجغرافية المصرية تكشف أسرار الزمان
-
بوصلــة العــلم المصري.. داخل أروقة الجمعية الجغرافية حكايات لا تنتهي
بين آلاف الخرائط والمخطوطات والأطالس، تتجلى كنوزٌ مجهولة تضم أكثر من 30 ألف مجلد نادر، و600 أطلس، و12 ألفًا و500 خريطة، شكلت ذاكرة الجغرافيا في مصر والعالم العربي، وأسهمت في تطور الدراسات العلمية والبحثية الجغرافية والاستكشافية.
في قلب القاهرة الفاطمية، وعلى ضفاف نيلها العريق، تقف الجمعية الجغرافية المصرية شامخة كصرحٍ علمي، يحتضن بين جدرانه عبق المعرفة وخرائط التاريخ.
تأسست الجمعية عام 1875 بمبادرة من الخديوي إسماعيل، لتكون أول جمعية جغرافية خارج أوروبا والأمريكتين، وتاسع أقدم جمعية من نوعها في العالم.

في ليلة التاسع عشر من مايو عام 1875، اجتمع نخبة من العلماء والرحالة والمستشرقين في قصر عابدين، ليشهدوا ميلاد الجمعية الجغرافية الخديوية، في لحظة تجلت فيها طموحات النهضة المصرية التي كانت تسعى لوضع العلم في قلب المشروع الوطني.

عهد الخديوي حينها إلى العالم الألماني يورج أوجست شفاينفورت بإعداد النظام الأساسي للجمعية، ليترأسها لاحقًا.
منذ تأسيسها، لم تقتصر الجمعية على كونها مخزنًا للخرائط أو مركزًا للبحوث، بل أصبحت منارة للعلماء والباحثين والمستكشفين، تسجل الرحلات، وتوثق الظواهر، وتضع مصر في صدارة المشهد العلمي الجغرافي.
على مر السنين، احتفظت الجمعية بآلاف الوثائق التي أسهمت في ترسيم الحدود، وفهم الجغرافيا السياسية، وتوثيق نهر النيل، ودراسة تغير المناخ.
يقول الدكتور محمد زكي حامد السديمي، رئيس الجمعية الجغرافية المصرية:
“هذه الأوراق القديمة ليست مجرد حبر على ورق، بل أدوات إثبات وصكوك جغرافيا سياسية، منها ما يعود إلى حملة نابليون، ومنها ما يُظهر حدود مصر كما رُسمت في القرون الماضية”.
أما الدكتور إسماعيل يوسف إسماعيل، أمين عام الجمعية، فيؤكد أن الجمعية كنز من الأسرار الجغرافية والمعرفية، تحتوي على خرائط مرسومة يدويًا لأعماق إفريقيا، ومذكرات نادرة للرحالة الأوروبيين والعرب، وصور لواحات لم تصلها أقدام بشر قبل قرون.
زائر الجمعية الجغرافية المصرية لا يخرج كما دخل، بل يعود محمّلًا برائحة الورق القديم، مفتونًا بخطوط الطول والعرض، مؤمنًا بأن للجغرافيا قلبًا نابضًا اسمه “الجمعية الجغرافية المصرية”.

المتحف الإثنوجرافي.. حيث تسكن الأرواح في صمت الزمان
إلى جانب الخرائط والمخطوطات، يحتضن مبنى الجمعية المتحف الإثنوجرافي الذي تأسس عام 1924، ويُعد من أبرز المتاحف الاجتماعية في مصر.
يعرض المتحف تطور الحياة اليومية للمصريين، من خلال نماذج مصغرة للحرف والمهن، وأدوات الزراعة والصناعة، والملابس، والعادات، والتقاليد.
قاعة القاهرة بالمتحف تمثل بانوراما اجتماعية للقرنين التاسع عشر والعشرين، تضم وجوه المصريين من الفلاحين، الحرفيين، الحلاقين، والبدو، في مشهدٍ صامتٍ ينبض بالحياة.

أدوات ركوب البدو، خيامهم المنسوجة من شعر الماعز، أدوات الفلاحة، وصور الواحات، تشكل مجتمعة مشهدًا سرديًا لتاريخ الإنسان المصري في مواجهته للطبيعة.
المتحف ليس مجرد معرض للقطع النادرة، بل شهادة على روح هذا الوطن وتاريخه الاجتماعي، يوثق صراع البقاء، والإبداع الشعبي، والحياة اليومية التي شكّلت ملامح الشخصية المصرية.
الجمعية الجغرافية المصرية لا تزال بعد مرور أكثر من 150 عامًا، منارة للعلم، ومستودعًا لذاكرة الوطن، ومركزًا بحثيًا واستشاريًا يساهم في توثيق الحقائق الجغرافية والبيئية، ويدعم القرار الوطني من خلال ما تمتلكه من أرشيف لا يُقدّر بثمن.





