أخبارصحة الكوكب

الجسيمات الدقيقة الملوثة للهواء قد تترك آثارًا طويلة الأمد على الذاكرة

تلوث الهواء لا يضر الرئتين فقط.. بل قد يسرّع تدهور الذاكرة مع التقدم في العمر

يعاني معظم الناس بين الحين والآخر من هفوات بسيطة في الذاكرة، مثل نسيان سبب الدخول إلى غرفة معينة، أو التوقف للحظات بحثًا عن كلمة مألوفة أثناء الحديث، أو استغراق وقت أطول لتذكر اسم شيء يُستخدم يوميًا.

 

وغالبًا ما تُعزى هذه المواقف إلى التوتر أو قلة النوم أو التقدم في العمر. لكن دراسة جديدة تشير إلى احتمال وجود عامل آخر أقل وضوحًا، وهو تلوث الهواء الذي نتعرض له يوميًا.

 

تلوث الهواء وتراجع الذاكرة

أجرى باحثون من مركز جامعة كاليفورنيا ديفيس الصحي (UC Davis Health) بالتعاون مع مؤسسة كايزر بيرماننتي (Kaiser Permanente) دراسة شملت أكثر من 700 بالغ من الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية في منطقة خليج سان فرانسيسكو.

وقد نُشرت الدراسة في مجلة Alzheimer’s & Dementia: Behavior & Socioeconomics of Aging.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين تعرضوا لمستويات مرتفعة من تلوث الهواء على مدى سنوات طويلة سجلوا نتائج أقل في أحد اختبارات الذاكرة مقارنة بالأشخاص الأقل تعرضًا للتلوث.

 

ووفقًا للباحثين، فإن حجم التراجع في الأداء المعرفي كان أكبر مما يُتوقع عادة نتيجة عشر سنوات من الشيخوخة الطبيعية، ما يشير إلى تأثير محتمل وطويل الأمد لتلوث الهواء على صحة الدماغ.

تلوث الهواء قد يزيد الدهون ويقلل الكتلة العضلية، خاصة لدى كبار السن
: تلوث الهواء قد يغيّر نشاط الدماغ خلال 60 دقيقة فقط

ما هي الجسيمات الدقيقة PM2.5؟

ركزت الدراسة على نوع من الملوثات يُعرف باسم PM2.5، وهي جسيمات دقيقة للغاية يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر.

 

وللمقارنة، فإن شعرة الإنسان الواحدة يزيد عرضها بنحو 30 مرة على حجم هذه الجسيمات.

 

وتنتج هذه الجسيمات من مصادر متعددة، أبرزها عوادم السيارات، ودخان حرائق الغابات، ومحطات توليد الطاقة، والأنشطة الصناعية.

 

وبسبب صغر حجمها الشديد، تستطيع الجسيمات الدقيقة تجاوز آليات الترشيح الطبيعية في الجهاز التنفسي، لتصل إلى الرئتين ثم إلى مجرى الدم، ومنها قد تنتقل إلى الدماغ.

 

وقد أثبتت دراسات سابقة تأثير هذه الجسيمات في زيادة مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية، بينما تضيف الدراسة الحالية أدلة جديدة على ارتباطها بصحة الدماغ والذاكرة.

تلوث الهواء قد يزيد الدهون ويقلل الكتلة العضلية، خاصة لدى كبار السن
تلوث الهواء قد يزيد الدهون ويقلل الكتلة العضلية، خاصة لدى كبار السن

تأثير خاص على الذاكرة الدلالية

يمتلك الإنسان أنواعًا مختلفة من الذاكرة، من بينها الذاكرة المرتبطة بالتجارب الشخصية والأحداث اليومية، والذاكرة الدلالية التي تختزن المعارف العامة والمفردات والمعلومات المكتسبة عبر الحياة.

 

وتشير نتائج الدراسة إلى أن التعرض طويل الأمد للجسيمات الدقيقة يؤثر بصورة خاصة في الذاكرة الدلالية.

 

وتُعد هذه الذاكرة عنصرًا أساسيًا في التواصل وفهم اللغة والتفاعل مع الآخرين، كما تساعد الإنسان على أداء المهام اليومية بسهولة واستقلالية.

 

وقالت الباحثة الرئيسية المشاركة كاثرين كونلون، الأستاذة المساعدة في قسم علوم الصحة العامة بجامعة كاليفورنيا ديفيس، إن النتائج تشير إلى أن تلوث الهواء لا يؤثر فقط في الصحة الجسدية، بل قد يسهم أيضًا في تغيير الطريقة التي يتقدم بها الدماغ في العمر.

آثار التلوث البيئي على التربة والصحة

مدة التعرض عامل حاسم

أظهرت الدراسة أن التأثيرات السلبية تزداد مع طول فترة التعرض للتلوث، فالأشخاص الذين تعرضوا لمستويات مرتفعة من الجسيمات الدقيقة على مدى 17 عامًا سجلوا نتائج أسوأ من أولئك الذين قُيمت مستويات تعرضهم خلال فترات أقصر تراوحت بين 5 و10 سنوات.

 

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تعكس التأثير التراكمي للتعرض المستمر للتلوث، حيث لا يرتبط الضرر بيوم واحد من الهواء الرديء، بل بسنوات من الاستنشاق المتواصل لمستويات مرتفعة من الملوثات.

 

فئات أكثر عرضة للخطر

ركزت الدراسة على الأمريكيين من أصول أفريقية لسبب علمي مهم، إذ تشير الدراسات إلى أنهم أكثر عرضة للإصابة بمرض ألزهايمر والخرف مقارنة بالبيض في الولايات المتحدة.

 

ويحاول الباحثون منذ سنوات فهم أسباب هذا التفاوت، ويُعتقد أن العوامل البيئية، بما في ذلك تلوث الهواء، قد تلعب دورًا في ذلك.

 

كما أن العديد من المجتمعات ذات الأصول الأفريقية واللاتينية والآسيوية تعيش بالقرب من الطرق السريعة والموانئ والمناطق الصناعية، وهي مواقع ترتفع فيها مستويات التلوث عادة.

 

علاقة محتملة بالخرف

توضح الدراسة، أن الأشخاص الأكثر تعرضًا للتلوث هم في كثير من الأحيان الفئات نفسها التي تواجه خطرًا أعلى للإصابة بالخرف.

 

وترى الباحثة راشيل ويتمر، المشاركة في إعداد الدراسة والمديرة المشاركة لمركز أبحاث مرض ألزهايمر بجامعة كاليفورنيا ديفيس، أن فهم العوامل البيئية المؤثرة في التدهور المعرفي يُعد خطوة أساسية للحد من التفاوتات الصحية المرتبطة بالخرف.

 

وأضافت أن تلوث الهواء يمثل عامل خطر يمكن الحد منه، سواء عبر السياسات العامة أو من خلال الإجراءات الفردية للحد من التعرض للملوثات.

 

هل يمكن تقليل المخاطر؟

على عكس العوامل الوراثية أو التقدم في العمر، يُعد تلوث الهواء عاملًا قابلًا للتغيير، ويمكن للحكومات والجهات التنظيمية المساهمة في خفض مستويات التلوث من خلال تشديد معايير الانبعاثات الصناعية، وتطوير وسائل النقل النظيفة، وتحسين التخطيط العمراني.

 

كما يمكن للأفراد تقليل تعرضهم للجسيمات الدقيقة عبر متابعة مؤشرات جودة الهواء، وإغلاق النوافذ خلال فترات التلوث المرتفع أو الحرائق، واستخدام أجهزة تنقية الهواء المزودة بمرشحات عالية الكفاءة (HEPA).

رسالة الدراسة

تؤكد النتائج أن تأثير تلوث الهواء لا يقتصر على الرئتين أو القلب فقط، بل قد يمتد إلى الدماغ ووظائفه المعرفية.

ويرى الباحثون أن جودة الهواء الذي نتنفسه يوميًا قد تكون عاملًا مهمًا في الحفاظ على الذاكرة وصحة الدماغ مع التقدم في العمر، ما يجعل مكافحة التلوث جزءًا أساسيًا من جهود الوقاية من التدهور المعرفي والخرف في المستقبل.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading