أهم الموضوعاتأخبارصحة الكوكب

ارتفاع الحرارة يغير مستقبل الملاريا بأفريقيا.. تراجع في الغرب وارتفاع في الشرق والجنوب

تغير المناخ لا يزيد الملاريا فقط.. بل ينقلها إلى مناطق أكثر برودة في أفريقيا

كشفت دراسة علمية جديدة أن تغير المناخ لا يؤدي ببساطة إلى زيادة انتشار الملاريا أو تراجعها في أفريقيا، بل يعيد رسم خريطة انتشار المرض عبر القارة، حيث تنخفض مخاطره في بعض المناطق شديدة الحرارة، بينما ترتفع في مناطق أخرى كانت أقل تعرضًا للإصابة تاريخيًا.

وتوصلت الدراسة، التي نُشرت في دورية Nature، إلى أن تغير المناخ تسبب حتى الآن في زيادة طفيفة بإجمالي حالات الملاريا في أفريقيا جنوب الصحراء، إلا أن التأثير يختلف بصورة كبيرة بين الأقاليم، ما يفرض تحديات جديدة أمام أنظمة الصحة العامة.

الملاريا تنتقل إلى مناطق جديدة

اعتمد الباحثون على أكبر تقييم حتى الآن لتأثير تغير المناخ في انتشار الملاريا بين الأطفال في أفريقيا جنوب الصحراء، وهي المنطقة التي تسجل معظم الإصابات والوفيات عالميًا.

وقالت تاما كارلتون، الأستاذة المساعدة في جامعة كاليفورنيا – بيركلي وأحد المشاركين في الدراسة، إن تغير المناخ “لا يجعل الملاريا أسوأ أو أفضل بشكل مطلق، بل ينقلها من منطقة إلى أخرى”، موضحة أن تأثيره يعتمد على درجات الحرارة الحالية في كل منطقة.

وأضافت أن المناطق التي تعاني اليوم أعلى معدلات الإصابة قد تشهد انخفاضًا في الملاريا مستقبلًا، بينما تظهر بؤر جديدة في مناطق أخرى أصبحت أكثر ملاءمة لتكاثر البعوض الناقل للمرض.

 ملاحظات حول انتشار الملاريا من عام 1900 إلى عام 2016.
ملاحظات حول انتشار الملاريا من عام 1900 إلى عام 2016.

تراجع متوقع في غرب أفريقيا

تشير الدراسة إلى أن المناطق الأكثر حرارة، التي تمثل حاليًا البؤر الرئيسية للملاريا، بدأت بالفعل تشهد انخفاضًا طفيفًا في انتشار المرض، مع توقع استمرار هذا الاتجاه مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات تصبح غير مناسبة لبقاء بعوض الأنوفيلس الناقل للملاريا.

ويتوقع الباحثون انخفاض حالات الملاريا بنحو 5% في دول غرب أفريقيا، من بينها نيجيريا وبوركينا فاسو ومالي.

كما تشير النماذج المناخية إلى احتمال اختفاء الملاريا تقريبًا من بعض الدول شديدة الحرارة في منطقة الساحل، مثل النيجر وغامبيا وغينيا بيساو والصومال، إذا أصبحت الظروف المناخية غير مناسبة لتكاثر البعوض.

إلا أن الباحثين يحذرون من أن تراجع الملاريا في هذه المناطق لا يعني تحسنًا صحيًا شاملًا، إذ إن موجات الحرارة الشديدة تحمل في المقابل مخاطر صحية كبيرة على السكان.

ارتفاع المخاطر في الشرق والجنوب

في المقابل، كشفت الدراسة أن المناطق الأكثر برودة نسبيًا، خاصة في شرق أفريقيا والمرتفعات الإثيوبية وجنوب القارة، أصبحت أكثر ملاءمة لانتشار بعوض الملاريا نتيجة ارتفاع درجات الحرارة.

وسجلت هذه المناطق بالفعل زيادة تقارب 5% في معدلات الإصابة، خاصة في مرتفعات إثيوبيا وكينيا وبوروندي، إلى جانب زيادات ملحوظة في أنغولا وزامبيا وشمال شرق جنوب أفريقيا.

ويتوقع الباحثون أن تتسارع هذه الزيادة خلال العقود المقبلة، لتصل إلى نحو 20% بحلول عام 2100 في مناطق من وادي الصدع الأفريقي والسواحل الجنوبية للقارة.

 التقديرات التجريبية للعلاقات بين الانتشار والمناخ وتوقعات تأثيرات تغير المناخ
التقديرات التجريبية للعلاقات بين الانتشار والمناخ وتوقعات تأثيرات تغير المناخ

الحد من الاحترار يقلل الإصابات

تشير الدراسة إلى أن نجاح العالم في حصر الاحترار العالمي عند درجتين مئويتين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية يمكن أن يمنع نحو خمس حالات إضافية من الملاريا لكل ألف طفل في جنوب أفريقيا، مع تحقيق فوائد أكبر في مرتفعات شرق أفريقيا.

ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن خفض انبعاثات الغازات الدفيئة وحده لن يكون كافيًا، بل يجب أن يترافق مع استراتيجيات قوية للتكيف مع المخاطر الصحية الجديدة.

التغيرات التاريخية في انتشار الملاريا التي تعزى إلى تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري
التغيرات التاريخية في انتشار الملاريا التي تعزى إلى تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري

الحاجة إلى استعداد مبكر

قال الباحث كريستوفر تريسوس من جامعة كيب تاون إن الحكومات وأنظمة الرعاية الصحية والمجتمعات المحلية مطالبة بالاستعداد منذ الآن لمواجهة التغيرات المتوقعة في خريطة الملاريا.

وأوضح أن المناطق التي ستشهد زيادة في خطر الإصابة، خاصة في شرق وجنوب أفريقيا، تمتلك خبرة محدودة نسبيًا في مكافحة المرض مقارنة بالدول التي عانت منه لعقود طويلة، ما يستدعي تعزيز برامج المراقبة الصحية ومكافحة البعوض وتوفير خدمات العلاج.

كما شدد الباحثون على أهمية التنمية الاقتصادية الشاملة، وزيادة التمويل الدولي المخصص للمراقبة الوبائية وتحسين الرعاية الصحية، إلى جانب تطبيق برامج فعالة للقضاء على الملاريا.

مكافحة الملاريا أكثر تأثيرًا من تغير المناخ

ورغم المخاوف المستقبلية، توصلت الدراسة إلى نتيجة إيجابية، إذ أظهرت أن جهود مكافحة الملاريا خلال العقود الماضية نجحت في الحد من تأثير تغير المناخ على انتشار المرض بنحو 200 مرة حتى الآن.

وقال كولين كارلسون، الأستاذ المساعد في علم الأوبئة بجامعة ييل، إن القضاء على الملاريا خلال جيل واحد لا يزال هدفًا ممكنًا، ويمثل أحد أفضل السبل لحماية المجتمعات الأكثر عرضة لتأثيرات تغير المناخ.

وأكد الباحثون أن الدراسة توفر أول خريطة دقيقة تحدد المناطق التي ينبغي أن تتركز فيها استثمارات التكيف ومكافحة الملاريا مستقبلًا، بما يساعد صناع القرار على توجيه الموارد الصحية بصورة أكثر كفاءة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة