التلوث البلاستيكي يفتح جبهة جديدة ضد المناخ.. الميكروبلاستيك يعرقل تخزين الكربون
الميكروبلاستيك لا يقتل الكائنات البحرية فقط.. بل قد يضعف «رئة» المحيطات الكربونية
لم يعد التلوث بالميكروبلاستيك يمثل تهديدًا للكائنات البحرية والتنوع البيولوجي فقط، إذ تشير دراسة جديدة إلى احتمال وجود تأثير أكثر خفاءً يتعلق بالمناخ نفسه، يتمثل في إضعاف قدرة المحيطات على امتصاص وتخزين ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.
وتوصل الباحثون إلى أن تأثير جزيئات البلاستيك الدقيقة في العوالق النباتية البحرية قد يقلل من كمية الكربون التي تستطيع هذه الكائنات امتصاصها عبر عملية البناء الضوئي.
وبحسب تقديرات الدراسة، ربما أدى التلوث بالميكروبلاستيك خلال عام 2020 إلى فقدان محتمل لتخزين نحو 75 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون في النظم البيئية البحرية، بقيمة تقديرية للخدمة البيئية المفقودة تبلغ نحو 5.5 مليون دولار.
ولا تمثل هذه الكمية سوى جزء صغير للغاية من الانبعاثات العالمية السنوية، التي تبلغ عشرات مليارات الأطنان، لكن الباحثين يرون أن أهمية النتيجة تكمن في الكشف عن مسار غير مقدر بصورة كافية يربط بين التلوث البلاستيكي وتغير المناخ.

المحيطات.. خط دفاع طبيعي ضد تغير المناخ
تلعب المحيطات دورًا أساسيًا في تنظيم مناخ الأرض، إذ تمتص جزءًا كبيرًا من ثاني أكسيد الكربون الناتج عن الأنشطة البشرية.
ويذوب جزء من هذا الغاز مباشرة في مياه البحر، بينما يدخل جزء آخر في دورة الكربون البحرية من خلال الكائنات الدقيقة، وعلى رأسها العوالق النباتية (Phytoplankton).
وتشبه هذه الكائنات المجهرية النباتات البرية في قدرتها على إجراء عملية البناء الضوئي، إذ تستخدم ضوء الشمس لتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى مادة عضوية.
ولا توفر العوالق النباتية الغذاء لعدد هائل من الكائنات البحرية فحسب، بل تؤدي أيضًا دورًا مهمًا في نقل الكربون من سطح المحيط إلى أعماقه.

كيف يخزن المحيط الكربون؟
عندما تموت العوالق النباتية أو تتغذى عليها الكائنات البحرية، ينتقل جزء من الكربون الذي تحتويه إلى أعماق المحيط في صورة جزيئات عضوية.
ومع مرور الوقت، يمكن أن تستقر بعض هذه المواد في الرواسب البحرية، حيث تُدفن وتبقى مخزنة لفترات طويلة جدًا.
ويُعد هذا المسار أحد الآليات الطبيعية التي تساعد الأرض على سحب الكربون من الغلاف الجوي والاحتفاظ به خارج الدورة الجوية لفترات طويلة.
لكن الميكروبلاستيك يمكن أن يتدخل في هذه العملية منذ مراحلها الأولى، من خلال التأثير في نمو العوالق النباتية وقدرتها على القيام بالبناء الضوئي.

كيف يؤثر الميكروبلاستيك في العوالق النباتية؟
أظهرت دراسات سابقة، أن جزيئات البلاستيك الدقيقة يمكن أن تؤثر سلبًا في مجموعة من أنواع العوالق النباتية، وإن اختلفت شدة التأثير وآلياته بحسب نوع الكائن والظروف البيئية.
وقد تحجب هذه الجزيئات جزءًا من الضوء الذي تحتاج إليه الخلايا، أو تسبب أضرارًا في أغشيتها، أو تحمل معها مواد كيميائية يمكن أن تتداخل مع عملياتها الحيوية.
وعندما يتراجع نمو العوالق النباتية أو كفاءة عملية البناء الضوئي، فإن قدرتها على امتصاص ثاني أكسيد الكربون وتحويله إلى مادة عضوية يمكن أن تتراجع بدورها.
وبالتالي، قد لا يقتصر أثر الميكروبلاستيك على الإضرار المباشر بالكائنات البحرية، وإنما يمتد إلى الوظائف البيئية التي تؤديها هذه الكائنات في دورة الكربون.

أكثر من 65 ألف ملاحظة علمية
لمحاولة تقدير حجم هذه المشكلة، طور فريق الباحثين مجموعة جديدة من الأدوات المستخدمة في تقييم دورة حياة المنتجات والأنشطة البيئية.
واعتمدت الدراسة على أكثر من 65 ألف ملاحظة مرتبطة بالعوالق النباتية البحرية، إلى جانب بيانات تجريبية حول تأثير الميكروبلاستيك في هذه الكائنات في مناطق مختلفة من العالم.
وسعى الباحثون إلى تقدير كمية الكربون التي قد لا يتم تخزينها نتيجة التأثيرات المرتبطة بالتلوث بالميكروبلاستيك، وأظهرت النتائج اختلافات كبيرة بين المناطق الجغرافية.
وكانت المناطق الاستوائية الأكثر عرضة للتأثير، تلتها المناطق القاحلة، ويرتبط ذلك بارتفاع الإنتاجية البيولوجية في بعض هذه المناطق وبقدرتها الكبيرة على تخزين الكربون.
75 ألف طن من الكربون لم تُخزن
قدّر الباحثون أن تأثير الميكروبلاستيك في النظم البيئية البحرية ربما أدى خلال عام 2020 إلى فقدان تخزين نحو 75 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون.
وقدرت الدراسة القيمة الاقتصادية للخدمة البيئية المرتبطة بهذا الكربون غير المخزن بنحو 5.5 مليون دولار.
ورغم أن الرقم يبدو صغيرًا مقارنة بالانبعاثات العالمية السنوية، فإن الباحثين يؤكدون أن أهمية النتيجة لا تكمن في حجم الكمية وحدها.
فالتقدير يكشف عن احتمال وجود تأثير بيئي إضافي للتلوث البلاستيكي لم يكن يحظى بالاهتمام الكافي عند تقييم العلاقة بين البلاستيك وتغير المناخ.

البلاستيك يضرب المناخ من جهتين
لا يتوقف تأثير البلاستيك في المناخ عند وصوله إلى المحيطات، فصناعة البلاستيك تعتمد بدرجة كبيرة على الوقود الأحفوري، ما يعني أن إنتاج المواد البلاستيكية واستخدامها والتخلص منها يرتبط بانبعاثات غازات الدفيئة.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن يؤدي وصول الميكروبلاستيك إلى البيئة البحرية إلى إضعاف بعض الكائنات التي تشارك في امتصاص الكربون.
وبذلك يمكن أن يكون للتلوث البلاستيكي تأثير مزدوج على المناخ: الأول من خلال الانبعاثات المرتبطة بدورة إنتاج البلاستيك، والثاني من خلال احتمال إضعاف بعض آليات الطبيعة التي تساعد على سحب الكربون من الغلاف الجوي.
الميكروبلاستيك في الهواء أيضًا
لا يقتصر انتشار الجزيئات البلاستيكية الدقيقة على المحيطات.
فقد كشفت أبحاث حديثة عن وجود ميكروبلاستيك ونانو بلاستيك في الغلاف الجوي، بما في ذلك هواء المدن الكبرى، مع مؤشرات إلى أن تركيزاتها قد تكون أعلى بكثير مما كان يعتقد سابقًا.
وهذا يعني أن التلوث البلاستيكي أصبح مشكلة متعددة البيئات، إذ توجد جزيئات البلاستيك الدقيقة في المياه والتربة والهواء، وتنتقل بين الأنظمة البيئية المختلفة.

هل يسرّع الميكروبلاستيك الاحتباس الحراري؟
لا تعني نتائج الدراسة أن الميكروبلاستيك أصبح عاملًا رئيسيًا وراء ارتفاع درجات الحرارة العالمية، ولا تثبت أن الكمية المقدرة من الكربون غير المخزن تؤدي مباشرة إلى تسارع قابل للقياس في الاحترار العالمي.
فالكمية المقدرة، وفق الدراسة، صغيرة جدًا مقارنة بإجمالي الانبعاثات البشرية، لكن أهمية البحث تكمن في إظهار حلقة محتملة بين أزمة التلوث البلاستيكي وأزمة تغير المناخ.
فكلما ارتفعت مستويات الميكروبلاستيك في المحيطات، يمكن أن تتغير شدة تأثيره في العوالق النباتية ودورة الكربون، خاصة مع استمرار تغير درجات حرارة المحيطات والظروف الكيميائية والبيولوجية فيها.
ما زالت هناك أسئلة بلا إجابة
يشير الباحثون إلى أن تقديراتهم لا تخلو من أوجه عدم اليقين، فتركيزات الميكروبلاستيك في المحيطات ما زالت تتغير، كما أن تأثير هذه الجزيئات في العوالق النباتية يختلف من نوع إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى.
كذلك، فإن دورة الكربون البحرية شديدة التعقيد، وتتدخل فيها مجموعة كبيرة من الكائنات والعمليات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية.
ولهذا، فإن تحديد الأثر النهائي للميكروبلاستيك في قدرة المحيطات على تخزين الكربون يحتاج إلى مزيد من الدراسات الميدانية والتجارب طويلة الأجل.
ومع ذلك، تفتح النتائج بابًا مهمًا أمام تقييم أزمة البلاستيك باعتبارها جزءًا من أزمة بيئية مترابطة تشمل تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي وتدهور النظم البحرية.
فالجزيئات التي لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة قد لا تكون مجرد مشكلة تلوث بحري، بل عاملًا إضافيًا يمكن أن يؤثر في إحدى أهم الآليات الطبيعية التي تساعد الأرض على تنظيم مناخها.





