التوتر أثناء الحمل قد يغيّر نمو دماغ الجنين.. دراسة تكشف دورًا خفيًا للمشيمة في نقل إشارات المناعة
التوتر والعدوى يؤثران في مسارات جينية مشتركة بدماغ الجنين.. والنتائج لا تزال أولية
دراسة جديدة تكشف أن الإجهاد النفسي أثناء الحمل قد يغيّر نشاط الجينات المناعية في المشيمة ويضعف بعض دفاعات الجسم ضد الفيروسات، مع انعكاسات محتملة على مسارات نمو دماغ الجنين.. لكن النتائج لا تثبت حدوث اضطرابات مستقبلية لدى الأطفال.
لا تقتصر وظيفة المشيمة على نقل الغذاء والأكسجين إلى الجنين، بل تؤدي دورًا أكثر تعقيدًا بوصفها حلقة اتصال بيولوجية بين الأم والجنين، تنقل الإشارات الهرمونية والمناعية التي قد تؤثر في نمو الدماغ.
وتشير دراسة جديدة إلى أن التوتر أثناء الحمل يمكن أن يغيّر هذه الاتصالات، بما قد ينعكس على نشاط الجينات المرتبطة بتطور الدماغ.
وأظهرت التجارب أن التوتر غيّر نشاط مجموعات من الجينات في المشيمة والدماغ الجنيني، كما أضعف بعض الاستجابات المناعية المضادة للفيروسات لدى الأمهات.
والمثير للاهتمام أن التوتر ومحاكاة العدوى الفيروسية أثّرا في بعض الشبكات الجينية نفسها داخل الدماغ النامي، لكن في اتجاهين متعاكسين.
وأُجريت الدراسة بقيادة براندن فيروسكي، وبإشراف الباحثة تامار غور، من المركز الطبي التابع لجامعة ولاية أوهايو الأمريكية، واعتمدت أساسًا على تجارب على الفئران، إلى جانب دراسة استكشافية محدودة شملت 20 عينة من مشيمات بشرية.
ونُشرت النتائج في مجلة Molecular Psychiatry، وهي تفتح مسارًا جديدًا لفهم العلاقة بين الضغوط النفسية أثناء الحمل والعمليات البيولوجية التي تنظم نمو الجنين، دون أن تعني أن التوتر يؤدي حتمًا إلى اضطرابات عصبية أو سلوكية لدى الطفل.

كيف اختبر الباحثون تأثير التوتر أثناء الحمل؟
استخدم الباحثون نموذجًا تجريبيًا لإحداث ضغط نفسي لدى إناث الفئران في منتصف الحمل تقريبًا.
ووُضعت مجموعة منها لمدة ساعتين يوميًا داخل أنابيب بلاستيكية صغيرة جيدة التهوية، على مدار سبعة أيام، بينما خضعت مجموعة مقارنة للوزن اليومي فقط.
وفي اليوم الأخير، تلقت بعض الفئران من كل مجموعة مادة تحاكي الاستجابة المناعية للعدوى الفيروسية، بينما تلقت الفئران الأخرى محلولًا ملحيًا.
وأظهرت النتائج أن الأمهات اللاتي تعرضن للتوتر اكتسبن وزنًا أقل خلال أسبوع التجربة، في حين ظلت أوزان الأجنة والمشائم متقاربة عمومًا بين المجموعات.
لكن الباحثين رصدوا استثناءً لدى الأجنة الذكور؛ إذ كانت المشائم التي تدعم نموها أصغر عندما اجتمع التوتر مع التحفيز المناعي الشبيه بالعدوى.
وتشير هذه النتيجة إلى أن تأثير الضغط النفسي قد يختلف باختلاف الظروف البيولوجية المصاحبة له، إلا أن التجربة لا تكفي لتعميم هذا الأثر على جميع حالات الحمل لدى البشر.
المشيمة ليست مجرد عضو لنقل الغذاء
لفهم ما يحدث داخل المشيمة، حلل الفريق نشاط الجينات في 27,372 خلية مشيمية مأخوذة من ست مجموعات من صغار الفئران، ثلاث منها لأمهات تعرضن للتوتر وثلاث لأمهات لم تتعرضن له.
ووجد الباحثون أن عددًا من الخلايا المناعية داخل المشيمة أظهر انخفاضًا في نشاط جينات الإنترفيرون، وهي جينات تؤدي دورًا مهمًا في تنسيق دفاعات الخلايا ضد الفيروسات. وظهر انخفاض مشابه في بعض الخلايا المبطنة للأوعية الدموية.
لكن الاستجابة لم تكن موحدة؛ إذ أظهرت الخلايا المتعادلة، وهي نوع من خلايا الدم البيضاء، ارتفاعًا في نشاط الجينات المرتبطة بالالتهاب.
كما رصد الفريق انخفاضًا في نشاط بعض الجينات المسؤولة عن العمليات الأساسية لإنتاج الطاقة داخل الخلايا، بينما لم يلاحظ تغيرًا كبيرًا في النسب العامة لأنواع الخلايا المكونة للمشيمة.
ويعني ذلك أن التغير الأبرز لم يكن بالضرورة في تركيب المشيمة أو أنواع خلاياها، بل في الطريقة التي تعمل بها هذه الخلايا والبرامج الجينية التي تنظم وظائفها.

التوتر خفّض إحدى إشارات الدفاع ضد الفيروسات بنسبة 81%
من أبرز النتائج أن الفئران التي تعرضت للتوتر أظهرت استجابة أضعف لبعض الإشارات المناعية عند تحفيز استجابة شبيهة بالعدوى.
فبعد ثلاث ساعات من إعطاء المادة المحفزة للمناعة، سجل الباحثون انخفاضًا بنحو 81% في مستوى الإنترفيرون بيتا في دم الأمهات المجهدة، مقارنة بأمهات لم تتعرض للتوتر وتلقت المادة نفسها.
والإنترفيرون بيتا إشارة مناعية تساعد الجسم على تنشيط دفاعاته المضادة للفيروسات. كما أظهرت عينات المشيمة بعد ست ساعات اتجاهًا مشابهًا لانخفاض الاستجابة المناعية.
وعلى مستوى النشاط الجيني، غيّرت محاكاة العدوى نشاط 2,767 جينًا في مشائم الأمهات غير المجهدة، مقابل 1,211 جينًا لدى الأمهات اللاتي تعرضن للتوتر؛ أي أقل من نصف العدد المسجل في المجموعة الأولى.
ومع ذلك، ينبغي التعامل مع نسبة الانخفاض بحذر، لأن مجموعات الاختبار كانت صغيرة، إذ شملت بعض مقارنات الدم خمس أو ست أمهات فقط.
كما أن أحد الاختبارات الإحصائية دعم وجود الفرق، بينما لم يستبعد اختبار آخر احتمال أن تكون النتيجة قد ظهرت بالمصادفة.
ولم تُظهر الأجنة في الساعات الأولى تغيرات مناعية واسعة مماثلة لما رُصد لدى الأمهات؛ إذ اقتصرت التغيرات الملحوظة على ارتفاع إشارتين التهابيتين في دم الأجنة، دون تغير في السائل المحيط بها.
كيف استجاب دماغ الجنين للتوتر؟
انتقل الباحثون بعد ذلك إلى تحليل أدمغة 26 جنينًا، ينتمي كل منها إلى مجموعة مستقلة من الفئران، لفحص مجموعات الجينات التي يرتفع نشاطها أو ينخفض معًا.
ووجدوا أن مجموعة من الجينات المرتبطة بنسخ الحمض النووي وإصلاحه انخفض نشاطها بعد التوتر، لكنه ارتفع بعد التحفيز المناعي الشبيه بالعدوى.
وفي المقابل، أظهرت مجموعتان أخريان من الجينات نمطًا معاكسًا، إذ تغير نشاطهما في اتجاهين مختلفين تبعًا للتعرض للتوتر أو التحفيز المناعي.
وارتبطت المجموعتان بعمليات تصنيع البروتينات، كما شاركت إحداهما في وظائف تتعلق بالاتصالات بين الخلايا العصبية.
وظهرت الأنماط العامة نفسها لدى الأجنة الذكور والإناث.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تعني أن الضغوط النفسية والاستجابة المناعية للعدوى تؤثران في بعض المسارات المشتركة لنمو الدماغ، لكن بطرق مختلفة.
ومن التفسيرات المحتملة أن التوتر قد يدفع بعض الخلايا العصبية النامية إلى بدء النضج في وقت مبكر، بدلًا من الاستمرار في الانقسام والتكاثر.
أما التحفيز المناعي الشبيه بالعدوى، فقد يرتبط بزيادة الضغوط على الخلايا النامية واحتياجاتها إلى إصلاح الحمض النووي.
لكن هذه تفسيرات مبنية على أنماط نشاط الجينات، وليست تغيرات في توقيت نضج الخلايا أو تكوين الاتصالات العصبية جرى رصدها مباشرة في التجربة.

هل يفسر ذلك العلاقة بين التوتر واضطرابات النمو العصبي؟
ترتبط بعض الدراسات السابقة بين التعرض الشديد للتوتر أو العدوى خلال الحمل وبين زيادة احتمالات بعض النتائج الصحية والنمائية لدى الأبناء.
ويبحث العلماء فيما إذا كانت التغيرات البيولوجية التي تحدث في المشيمة والدماغ قد تساعد على تفسير بعض هذه الارتباطات.
وتشير الدراسة الجديدة إلى احتمال وجود مسارات نمو مشتركة تتأثر بالتوتر وبالتنشيط المناعي، وهو ما قد يساعد مستقبلًا في تفسير سبب ارتباط ظروف مختلفة ببعض النتائج المتشابهة في الدراسات الحيوانية.
لكنها لا تثبت أن التوتر أثناء الحمل يسبب التوحد أو الفصام، ولا أنها تتنبأ بمصير دماغ الطفل أو سلوكه مستقبلًا.
فالقياسات الخاصة بالأجنة أُجريت قبل الولادة، ولم يتابع الباحثون الحيوانات بعد ذلك لمعرفة ما إذا كانت التغيرات الجينية ستؤدي إلى اختلافات طويلة الأمد.
كما أن وجود ارتباط بين قوة الاستجابة المناعية في المشيمة وأنماط نشاط الجينات في دماغ الجنين لا يثبت أن المشيمة هي التي تسببت مباشرة في هذه التغيرات.
ماذا كشفت العينات البشرية؟
لم تقتصر الدراسة على الفئران بالكامل؛ إذ فحص الفريق 20 عينة من مشائم بشرية جُمعت ضمن دراسة بدأت بمتابعة المشاركات خلال الثلث الأول من الحمل.
وأجابت المشاركات عن عشرة أسئلة لتقييم مستويات التوتر خلال كل ثلث من الحمل، كما خضعن لاستبيان منفصل لتقييم أعراض الاكتئاب. وجُمعت عينات المشيمة خلال 12 ساعة من الولادة.
ووجد الباحثون أن أربع مجموعات من الجينات أظهرت أنماط نشاط مرتبطة بمستويات التوتر خلال الحمل، دون ارتباط مماثل بدرجات أعراض الاكتئاب.
وشملت هذه المجموعات جينات مرتبطة ببروتينات تلتف حولها جزيئات الحمض النووي، وهي بروتينات تساعد في تنظيم الجينات التي تستطيع الخلايا استخدامها، إلى جانب جينات مرتبطة بالمادة الداعمة التي تربط الخلايا ببعضها داخل الأنسجة.
وتشابهت بعض هذه الأنماط مع تغيرات رُصدت في مشائم الفئران التي تعرضت للتوتر، ما يوفر إشارة أولية إلى احتمال وجود آليات بيولوجية مشتركة بين النوعين.
لكن العينة البشرية صغيرة واستكشافية، ولا تكفي وحدها لتأكيد علاقة سببية أو استخلاص توصيات طبية محددة لجميع الحوامل.
هل يمكن حماية نمو الجنين من آثار التوتر؟
يخطط فريق البحث لدراسة ما إذا كان تعديل بعض العمليات المناعية أو عمليات إنتاج الطاقة داخل المشيمة قادرًا على حماية مسارات نمو الدماغ.
كما يسعى الباحثون إلى تحليل عينات بشرية أكبر، وفهم كيف يؤثر توقيت التوتر وشدته ومدته في النتائج البيولوجية.
وقد تساعد هذه الأبحاث مستقبلًا في تحديد مسارات محددة يمكن استهدافها علاجيًا، بدلًا من التعامل مع التوتر بوصفه عاملًا عامًا يصعب قياس تأثيره بدقة.
وفي الوقت الحالي، لا تقدم الدراسة أساسًا للقول إن كل توتر خلال الحمل يضر بالجنين، ولا تبرر تحميل الحوامل مسؤولية أي اضطرابات نمائية قد تظهر لاحقًا. فهي تدرس آليات محتملة في تجارب حيوانية، مع مؤشرات أولية محدودة من عينات بشرية.
الخلاصة
تكشف الدراسة أن المشيمة قد تكون أكثر من مجرد وسيط لتغذية الجنين؛ فهي جزء نشط من شبكة الإشارات المناعية والبيولوجية التي تتصل بنمو الدماغ.
وفهم كيفية تأثر هذه الشبكة بالضغوط النفسية قد يفتح آفاقًا بحثية جديدة، لكن إثبات الآثار طويلة الأمد لدى الأطفال يتطلب دراسات بشرية أوسع ومتابعة تمتد إلى ما بعد الولادة.





