أهم الموضوعاتأخبارصحة الكوكب

ما سر السعادة؟ باحثون يكشفون الدروس التي غيرت علاقتهم بالأسرة والعمل والمال

السعادة ليست في المال وحده.. ماذا تعلم العلماء بعد عقود من البحث؟

منح العلاقات الإنسانية وقتًا أكبر، والامتنان للأصدقاء، والاستمتاع بالتفاصيل الصغيرة.. باحثون في علم السعادة يكشفون كيف تحولت نتائج أبحاثهم إلى قرارات يومية، ولماذا لا تصنع الأموال وحدها حياة أكثر رضا

الدراسة منشورة في مجلة Journal of Happiness Studies.

لم تكن السعادة بالنسبة إلى مجموعة من أبرز الباحثين في علم النفس والاقتصاد مجرد موضوع للدراسة أو أرقام تُجمع في التجارب، بل تحولت مع مرور السنوات إلى دليل عملي غيّر طريقة عيشهم، وعلاقاتهم بالآخرين، ونظرتهم إلى العمل والمال ومعنى الحياة.

فبعد عقود من البحث في العوامل التي تجعل الإنسان أكثر سعادة، بدأ عدد من هؤلاء العلماء يمنحون أسرهم وأصدقاءهم وقتًا أكبر، ويبادرون إلى التعبير عن الامتنان، ويبحثون عن المتعة في التفاصيل اليومية البسيطة، بدلًا من تأجيل الحياة انتظارًا لتحقيق إنجاز أكبر.

وفي يناير 2026، اجتمع 13 باحثًا وخبيرًا في جلسة نقاش افتراضية استمرت ثلاث ساعات، لاستعادة تجاربهم الشخصية ومناقشة ما تعلموه خلال مسيرتهم العلمية.

ووفقًا للمقال المنشور على موقع «Earth.com»، جمعت المشاركين خبرة بحثية ومهنية تراكمية تتجاوز 600 عام.

وتناولت ورقة بحثية أعدتها لارا أكنين، أستاذة علم النفس الاجتماعي بجامعة سايمون فريزر، بالتعاون مع الباحثة سادي ستينلوند والاقتصادي كيلسي أوكونور، هذه التجارب الشخصية وما تكشفه عن العلاقة بين المعرفة العلمية والحياة اليومية.

لكن الدراسة لم تكن تجربة سريرية أو اختبارًا يقيس عادات المشاركين وصحتهم، بل جمعت شهاداتهم وتأملاتهم بشأن تأثير أبحاث السعادة في اختياراتهم الشخصية.

1 العلاقات الإنسانية تتقدم على كثير من الأشياء

برزت العلاقات الإنسانية بوصفها أحد أكثر الموضوعات تكرارًا في تجارب الباحثين؛ إذ تحدث المشاركون عن تخصيص وقت أكبر للأزواج والأبناء والأحفاد والأصدقاء، والاهتمام بالتفاعلات اليومية التي قد تبدو عادية، لكنها تمنح الحياة شعورًا بالانتماء والدعم.

وقالت لارا أكنين إن السعادة تتكون من مجموعة عوامل متداخلة، لكنها ترى أن العلاقات مع الآخرين قد تكون العامل الأهم عند البحث عن سر السعادة.

وأكدت أن وجود شخص واحد يمكن الاعتماد عليه عند الحاجة قد يُحدث فارقًا كبيرًا في شعور الإنسان بالرفاه، بينما يؤدي الانتماء إلى دوائر اجتماعية ومجتمعات متعددة إلى تعزيز هذا الشعور.

ومن بين الأمثلة التي وردت في النقاش، تخصيص أحد الباحثين يوم الخميس للعائلة، في محاولة لتحويل الاهتمام بالعلاقات من نية مؤجلة إلى موعد ثابت في الحياة اليومية.

وتتفق هذه التجارب مع الاتجاه العام في أبحاث الرفاه النفسي، التي تبرز أهمية الروابط الاجتماعية والدعم المتبادل، لا باعتبارهما مجرد مصدر للمتعة، بل عنصرين يساعدان الإنسان على مواجهة الضغوط والتعامل مع الأوقات الصعبة.

الأسرة

2 العطاء لا ينتقص من سعادة صاحبه

لم يقتصر تأثير أبحاث السعادة على علاقات العلماء بأسرهم وأصدقائهم، بل امتد إلى الطريقة التي يقدمون بها الدعم للآخرين.

وأشار المشاركون إلى أن مساعدة الآخرين على الشعور بالسعادة قد تعزز سعادتهم هم أيضًا، في علاقة لا تقوم بالضرورة على المقايضة أو انتظار مقابل مباشر.

وتوضح أكنين أن الكرم لا يعمل وفق معادلة يكون فيها مكسب شخص خسارة لشخص آخر؛ فالسلوك الإيجابي قد ينتقل من فرد إلى آخر، عندما يرد المستفيد المعروف أو ينقل اللطف إلى شخص ثالث.

وتقدم هذه الفكرة زاوية مهمة في فهم الرفاه النفسي: فالسعادة ليست دائمًا تجربة فردية منفصلة عن المجتمع، بل يمكن أن تتأثر بطريقة تعامل الناس بعضهم مع بعض، وبمدى استعدادهم للمشاركة والتعاون.

ولا يعني ذلك أن العطاء يضمن السعادة في جميع الظروف، لكنه يشير إلى أن بناء علاقات قائمة على الدعم والكرم قد يعود بالنفع على الطرفين.

3 الامتنان يبدأ برسالة صغيرة

اكتشفت عالمة النفس سونيا ليوبوميرسكي، التي بدأت مسيرتها متشككة في بعض أفكار السعادة، أنها تستطيع ترجمة ما تعلمته إلى عادات يومية بسيطة.

فبدأت إرسال رسائل إلى أصدقائها للتعبير عن الامتنان، وأصبحت أكثر استعدادًا للمبادرة الاجتماعية والخروج من دائرة التردد.

كما منحت نفسها وقتًا أكبر للاستمتاع بتفاصيل كانت قد تمر عليها دون انتباه، مثل رائحة الزهور في حديقة ورود قريبة.

وتكشف هذه التجربة أن تحسين جودة الحياة لا يتطلب دائمًا تغييرات جذرية أو قرارات مكلفة؛ فقد تبدأ الممارسة برسالة تقدير صادقة، أو محادثة مع صديق، أو لحظة انتباه لتفصيل جميل في البيئة المحيطة.

لكن هذه الممارسات ليست وصفة موحدة تناسب الجميع، كما أنها لا تحل وحدها محل الدعم المتخصص عندما يواجه الإنسان مشكلات نفسية شديدة أو مستمرة.

4 الوقت الذي نمنحه للآخرين قد يكون أهم من ساعات العمل الإضافية

بالنسبة إلى الطبيب النفسي روبرت والدينجر، مدير دراسة هارفارد لتطور البالغين، دفعت نتائج البحث في العلاقات والصحة والشيخوخة إلى إعادة النظر في توزيع وقته.

فبدلًا من تخصيص معظم ساعات العمل لمهامه المهنية، بدأ يمنح الأشخاص المقربين منه حصة أكبر من يومه.

وتكتسب هذه التجربة أهميتها من التوتر الذي يواجهه كثيرون بين الالتزامات المهنية والرغبة في الحفاظ على علاقاتهم الشخصية.

فقد يتحول العمل، حتى عندما يكون ذا قيمة ومعنى، إلى نشاط يستهلك الوقت المتاح للتواصل مع الأسرة والأصدقاء.

وتشير تجارب الباحثين إلى أن المعرفة بأهمية العلاقات لا تكفي وحدها؛ فالأثر يظهر عندما تتحول هذه المعرفة إلى قرارات ملموسة، مثل وضع حدود لساعات العمل، أو تخصيص وقت ثابت للعائلة، أو المبادرة بالاتصال بمن نحب.

العلاقات الإنسانية

5 السعادة ليست نسخة واحدة تناسب الجميع

لم يتفق الباحثون على أن السعادة تعني الشعور بالبهجة طوال الوقت، أو اتباع مجموعة ثابتة من العادات.

فبعض المشاركين وصفوا أنفسهم بأنهم يميلون بطبيعتهم إلى التفاؤل، بينما ركز آخرون على ممارسات تساعدهم في التعامل مع الأوقات الصعبة، أو تنظيم حياتهم وفق قدراتهم وقيمهم وظروفهم.

وتحدث أحد المشاركين عن تعامله مع التدخلات النفسية بصورة منهجية، من خلال متابعة عاداته وقياس التغيرات التي تطرأ عليه.

وتشير هذه الشهادات إلى أن الهدف ليس مطاردة شعور دائم بالسعادة، بل بناء حياة تتوافق مع ظروف الإنسان وما يراه مهمًا، وتمنحه قدرًا من الاستقرار والمعنى والقدرة على التكيف.

فما يساعد شخصًا على الشعور بالرضا قد لا يؤدي إلى النتيجة نفسها لدى شخص آخر، وهو ما يجعل فهم الاحتياجات الفردية جزءًا أساسيًا من أي محاولة لتحسين الرفاه.

 

6 المال مهم.. لكن أثره ليس متساويًا في كل الظروف

ناقش المشاركون العلاقة بين الدخل والسعادة، وأكدوا أهمية الحد من الفقر وتوفير دخل أساسي يسمح للناس بتلبية احتياجاتهم المعيشية.

وفي المقابل، أشاروا إلى أن أثر الزيادة الإضافية في المال على السعادة قد يصبح أقل بعد تجاوز مستوى معين من تلبية الاحتياجات الأساسية، وهي مسألة لا يزال الباحثون يناقشون تفاصيلها وحدودها.

وتكمن أهمية هذا التمييز في ضرورة عدم الخلط بين حالتين مختلفتين: شخص يفتقر إلى المال اللازم للغذاء والسكن والرعاية الصحية، وشخص آخر يتمتع بقدر من الأمان المادي لكنه يسعى إلى مزيد من الدخل دون أن تتحسن جودة حياته بالقدر نفسه.

كما شدد المشاركون على أهمية توجيه الاهتمام إلى الأشخاص الذين يعانون مستويات منخفضة من الرفاه.
وطرحوا مثالًا توضيحيًا مفاده أن مساعدة شخص ينتقل من مستوى منخفض جدًا من السعادة إلى مستوى أفضل قد تكون أهم اجتماعيًا من تحسين مستوى شخص يعيش أصلًا في ظروف مريحة.

ولا يعني ذلك أن المال غير مهم، بل إن أثره يتوقف على الاحتياجات والظروف، وأن السياسات التي تعالج الفقر وتضمن الوصول إلى الخدمات الأساسية يمكن أن تكون جزءًا مهمًا من تحسين حياة الناس.

7 المعنى في العمل.. دافع يتجاوز الراتب

أظهرت تجارب عدد من رواد علم السعادة ارتباطًا قويًا بعملهم البحثي، إذ واصل بعضهم العمل بعد تجاوز سن التقاعد المعتاد، واستمر آخرون في البحث حتى بعد توقفهم عن تلقي راتب.

وذكر النقاش مثالًا لباحث استمر في العمل دون راتب لمدة 30 عامًا، وكان يذهب إلى مكتبه بالدراجة حتى خلال الطقس شديد البرودة.

كما أشار المقال إلى أن بعض الرواد استمروا في إنجاز أعمال علمية حتى أواخر حياتهم، ونُشرت أبحاث لبعضهم بعد الوفاة.

ويرى مؤلفو الورقة أن الشعور بالمعنى الذي وجدوه في أبحاثهم ربما ساعدهم على مواصلة العمل، إلى جانب اهتمام بعضهم بالنشاط البدني والعادات الصحية والتعامل مع الضغوط.

لكن احتمال أن تكون دراسة السعادة قد أسهمت في إطالة أعمارهم يظل افتراضيًا؛ إذ لا تثبت الشهادات الشخصية وحدها وجود علاقة سببية بين العمل في هذا المجال وطول العمر.

وتفتح هذه التجارب سؤالًا أوسع حول الفرق بين العمل بوصفه مصدرًا للدخل، والعمل الذي يمنح صاحبه شعورًا بالهدف والمساهمة في شيء يتجاوز مصالحه الشخصية.

الشباب والصحة النفسية.. هل تحولت الحياة إلى سباق؟

انتقل النقاش أيضًا إلى المخاوف من تراجع الرفاه النفسي وارتفاع مشكلات الصحة النفسية بين الشباب في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية.

وأرجع بعض المشاركين جانبًا من المشكلة إلى ثقافات تعليمية ومهنية تركز على المنافسة والإنجاز الفردي، بما قد يحول التعلم والعمل إلى سباق دائم للمقارنة والترتيب.

وحذر أحدهم من أن ترتيب الخريجين وفق درجاتهم قد يجعل التعلم منافسة بين الزملاء بدلًا من أن يكون عملية مشتركة لاكتساب المعرفة.

لكن هذه الآراء تظل تفسيرات طرحها المشاركون، ولا تكفي وحدها لتفسير التغيرات في الصحة النفسية لدى الشباب؛ فهذه الظواهر تتداخل فيها عوامل اجتماعية واقتصادية وأسرية وتعليمية متعددة.

وشدد الباحثون على أن تحسين الرفاه لا ينبغي أن يقتصر على مطالبة الأفراد بتغيير سلوكهم، بل يجب أن يشمل أيضًا تحسين الظروف التي يعيشون ويعملون ويتعلمون فيها.

الشباب والصحة النفسية

من علم النفس إلى السياسات الحكومية

يرى الباحثون أن نتائج أبحاث السعادة يمكن أن تساعد الحكومات على تقييم السياسات العامة، بدلًا من الاعتماد على المؤشرات الاقتصادية وحدها عند الحكم على جودة الحياة.

وأشار المقال إلى أن وزارة الخزانة البريطانية تأخذ بالفعل آثار بعض السياسات على الرضا عن الحياة في الاعتبار عند تقييم القيمة التي تحققها السياسات العامة مقابل تكلفتها.

كما أسس ريتشارد لايارد مبادرة «Action for Happiness» عام 2010، التي تسعى إلى تشجيع الناس على نشر السعادة والحد من المعاناة، فيما وضع عالم النفس مارتن سليجمان هدفًا يتمثل في أن يعيش ما لا يقل عن 51% من سكان العالم في حالة ازدهار ورفاه بحلول عام 2051.

وتتجاوز هذه الرؤية فكرة أن السعادة مسؤولية فردية بالكامل؛ فهي تطرح دورًا للسياسات التي تحد من الفقر، وتدعم الرعاية الصحية، وتتيح فرص المشاركة الاجتماعية، وتقلل العقبات التي تمنع الناس من الحصول على المساعدة.

كما ناقش المشاركون مشكلة الوصمة المرتبطة ببعض برامج الدعم، خصوصًا عندما يُطلب من الأفراد إثبات انخفاض دخلهم للحصول على الخدمات.

ورأوا أن البرامج الشاملة، مثل إتاحة الرعاية الصحية للجميع، قد تساعد على تقليل الحواجز الاجتماعية التي تمنع بعض المستحقين من طلب المساعدة.

السعادة ليست رفاهية منفصلة عن أزمات العالم

أقرت لارا أكنين بأن الاهتمام بالسعادة قد يبدو أمرًا ثانويًا في عالم يواجه الحروب والأزمات والفقر والتحديات المناخية والاجتماعية.

لكنها ترى أن شعور الناس بأنهم بخير يمكن أن يعزز قدرتهم على مساعدة الآخرين والمشاركة في شؤون مجتمعاتهم، ورعاية الأشخاص الذين يحبونهم.

وهنا تبرز خلاصة أوسع من النصائح الفردية: فالسعادة ليست مجرد شعور شخصي، بل ترتبط أيضًا بوجود بيئة اجتماعية تسمح للناس ببناء العلاقات، والحصول على الاحتياجات الأساسية، والشعور بأن لحياتهم معنى.

ومع ذلك، لا تقدم تجارب الباحثين وصفة سحرية تضمن السعادة، ولا تثبت أن اتباع عادات محددة سيؤدي إلى النتائج نفسها لدى الجميع.

إنها تقدم، بدلًا من ذلك، دروسًا عملية مستمدة من عقود من البحث، تؤكد أن العلاقات والامتنان والعطاء والمعنى في العمل تستحق مكانًا حقيقيًا في الحياة اليومية.

الخلاصة: بعد عقود من دراسة السعادة، لم تكن أبرز التغييرات التي وصفها العلماء شراء أشياء أكثر أو تحقيق إنجازات أكبر، بل إعادة ترتيب الأولويات: وقت أطول مع الأحبة، ومبادرات صغيرة للتعبير عن الامتنان، ومساعدة الآخرين، والانتباه إلى تفاصيل الحياة، والعمل الذي يمنح الإنسان شعورًا بالمعنى.

وقد لا تجعل هذه الممارسات الجميع سعداء بالطريقة نفسها، لكنها تذكرنا بأن جودة الحياة تتشكل من العلاقات والظروف والاختيارات اليومية، لا من المال أو النجاح المهني وحدهما.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى