أهم الموضوعاتأخبارصحة الكوكب

تعليم الأطفال التعبير عن مشاعرهم مبكرًا قد يعزز سعادتهم وعلاقاتهم مستقبلًا

تعليم الأطفال إدارة مشاعرهم مبكرًا يرتبط بوحدة أقل واكتئاب أقل في مرحلة الشباب

تشير دراسة طويلة الأمد إلى أن تعليم الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة كيفية فهم مشاعرهم والتعامل مع الخلافات قد يترك آثارًا إيجابية تستمر حتى مرحلة البلوغ، إذ أظهر الشباب الذين شاركوا في برنامج تعليمي يجمع بين تنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية وأنشطة القراءة واللغة مستويات أقل من الشعور بالوحدة وأعراض الاكتئاب والمشكلات السلوكية، إلى جانب رضا أكبر عن حياتهم.

 

وتابع الباحثون المشاركين لنحو عقدين، في محاولة لفهم ما إذا كانت المهارات التي يكتسبها الأطفال في سنواتهم الأولى يمكن أن تؤثر في صحتهم النفسية وعلاقاتهم الاجتماعية عندما يصبحون بالغين.

 

وتكتسب النتائج أهمية خاصة لأن البرنامج استهدف أطفالًا من أسر منخفضة الدخل، وهي فئة قد تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية تؤثر في فرص النمو والتعلم.

 

تعليم الأطفال فهم مشاعرهم

شملت الدراسة 356 طفلًا، بلغ متوسط أعمارهم نحو أربع سنوات ونصف السنة، وكانوا ملتحقين ببرنامج «هيد ستارت» (Head Start)، وهو برنامج حكومي أمريكي للتعليم المبكر يستهدف الأطفال من الأسر منخفضة الدخل.

 

وقادت عالمة النفس كارين بيرمان، من جامعة ولاية بنسلفانيا، فريق البحث الذي صمم برنامجًا إضافيًا يحمل اسم «ريدي» (REDI)، بهدف تنمية المهارات الاجتماعية وحل المشكلات واللغة لدى الأطفال.

 

ووزع الباحثون الفصول الدراسية عشوائيًا، وشملت التجربة 44 فصلًا في ثلاث مقاطعات بولاية بنسلفانيا؛ إذ أضافت بعض الفصول أنشطة برنامج REDI، بينما واصلت الفصول الأخرى دروسها المعتادة ضمن «هيد ستارت».

 

وقالت بيرمان إن الفريق أراد معرفة ما إذا كان تزويد الأطفال بالمهارات الاجتماعية واللغوية والقدرة على حل المشكلات يمكن أن يضعهم على مسار يساعدهم على النجاح طوال حياتهم.

 

واعتمد البرنامج أسبوعيًا على دروس مدتها 20 دقيقة، استخدم خلالها المعلمون القصص والعرائس ولعب الأدوار لمساعدة الأطفال على فهم المشاعر ومشاركة الآخرين والتعامل مع الخلافات.

ومن بين الأنشطة أسلوب أطلق عليه «التصرف كالسلحفاة»، ويقوم على تعليم الطفل التوقف أولًا، وأخذ نفس عميق، ثم شرح المشكلة والتعبير عن شعوره تجاهها.

 

ولم يقتصر التدريب على الدروس المنظمة، بل ساعد المعلمون الأطفال على تطبيق الخطوات نفسها عندما تقع خلافات فعلية بينهم، مستعينين بملصقات وتذكيرات يومية. كما قرأوا لهم قصصًا تتناول الموضوعات ذاتها، فيما زار مدربون الفصول أسبوعيًا لدعم المعلمين في تطبيق البرنامج.

 

آثار نفسية واجتماعية ظهرت في مرحلة الشباب

بعد مرور سنوات، تمكن الباحثون من الوصول إلى 263 مشاركًا من أفراد العينة الأصلية، تراوحت أعمارهم بين 21 و22 عامًا.

 

وخلال مقابلات هاتفية، أجاب المشاركون عن أسئلة تتعلق بصحتهم وعلاقاتهم وسلوكهم ومدى رضاهم عن حياتهم.

 

وأظهرت النتائج أن المجموعة التي شاركت في برنامج REDI سجلت نتائج أفضل في سبعة من أصل 11 مجالًا فحصها الباحثون. فقد أبلغ أفرادها عن شعور أقل بالوحدة، وأعراض أقل للاكتئاب، ومشكلات سلوكية أقل، مثل الشجار أو السرقة.

 

كما أظهروا مستويات أعلى من التعاطف، أي القدرة على فهم مشاعر الآخرين والاهتمام بها، وشعروا بأنهم يحصلون على دعم أكبر من المحيطين بهم، وأبدوا رضا أعلى عن حياتهم.

 

لكن الباحثين أوضحوا أن الفروق بين المجموعتين كانت محدودة إلى متوسطة، ولم تظهر اختلافات واضحة في المجالات الأربعة الأخرى، ومنها فرط النشاط والشعور بالانتماء.

 

وتشير هذه النتائج إلى ارتباط المشاركة في البرنامج بتحسن بعض جوانب الصحة النفسية والاجتماعية على المدى الطويل، لكنها لا تعني أن جميع المشكلات النفسية يمكن منعها من خلال التدخل التعليمي المبكر وحده.

 

يومان إضافيان من الحياة الصحية شهريًا

حاول الباحثون أيضًا قياس الأثر العملي لهذه الاختلافات في الحياة اليومية، من خلال سؤال المشاركين عن عدد الأيام خلال الشهر السابق التي منعتهم فيها مشكلات الصحة الجسدية أو النفسية من ممارسة أنشطتهم المعتادة، مثل العمل أو العناية بأنفسهم.

 

وأظهرت الإجابات أن المشاركين في برنامج REDI تمتعوا بمتوسط بلغ نحو 27.4 يومًا صحيًا من أصل 30 يومًا، مقارنة بنحو 25.6 يومًا لدى المجموعة الأخرى؛ أي بفارق يقارب يومين شهريًا لم تعق فيهما المشكلات الصحية أنشطتهم اليومية.

 

وأشار دامون جونز، المشارك في الدراسة والأستاذ البحثي بمركز إدنا بينيت بيرس لأبحاث الوقاية في جامعة ولاية بنسلفانيا، إلى أن هذا الفارق الشهري قد يتراكم ليعادل أكثر من 20 يومًا صحيًا إضافيًا على مدار العام.

وقال جونز إن برنامج REDI أحدث تحسنًا ملموسًا في حياة المشاركين.

 

مكاسب اجتماعية استمرت بعد تراجع أثر تعلم القراءة

تعليم الأطفال القراءة

 

بحلول نهاية مرحلة ما قبل المدرسة، حقق الأطفال المشاركون في برنامج REDI تقدمًا أكبر من أقرانهم في الفصول التقليدية، سواء في مهارات القراءة المبكرة أو المهارات الاجتماعية.

 

فقد اكتسبوا مفردات وحروفًا أكثر، وأصبحوا أفضل في فهم المشاعر، وأقل ميلًا إلى السلوك العدواني.

 

غير أن التقدم في القراءة واللغة تراجع خلال السنوات الأولى من التعليم الابتدائي، بينما استمرت المكاسب الاجتماعية والعاطفية.

 

وأظهرت متابعة سابقة للمشاركين أنفسهم، عندما كانوا في المرحلة الثانوية، أنهم سجلوا مشكلات سلوكية أقل وضيقًا عاطفيًا أقل من أقرانهم الذين لم يتلقوا البرنامج.

 

وقدمت هذه المتابعة تفسيرًا محتملًا لاستمرار الفوائد بعد انتقال الأطفال إلى فصول ومعلمين وزملاء جدد، إذ بدا أن العلاقات الاجتماعية تؤدي دورًا مهمًا في ذلك.

 

فقد ارتبط تحسن فهم المشاعر لدى أطفال REDI في مرحلة ما قبل المدرسة ببناء علاقات أقوى مع زملائهم ومعلميهم خلال المرحلة الابتدائية. وارتبطت هذه العلاقات بدورها بانخفاض المشكلات العاطفية والسلوكية في المرحلة الثانوية.

 

ويرى الباحثون أن تعلم كيفية فهم المشاعر وإدارتها في سن مبكرة قد يساعد الأطفال على بناء علاقات إيجابية تستمر في دعمهم مع تقدمهم في العمر.

 

الظروف الصعبة ظلت تؤثر في النتائج

لم يقتصر تحليل الباحثين على أثر البرنامج التعليمي، بل تناول أيضًا الظروف الصعبة التي واجهها الأطفال قبل دخول مرحلة ما قبل المدرسة.

 

وجمع أولياء الأمور معلومات عن تسعة أنواع من المشقة، شملت التعرض المتكرر للضرب، والانتقال من منزل إلى آخر ثلاث مرات أو أكثر.

 

وأظهرت البيانات أن ما يقرب من نصف الأطفال كان لديهم أحد الوالدين تظهر عليه مؤشرات للاكتئاب، كما أن نحو نصفهم كان لديهم أحد الوالدين سبق اعتقاله.

 

وسجل الأطفال الذين تعرضوا لأكبر قدر من المشقة نتائج أسوأ في سبعة مقاييس عند بلوغهم، سواء شاركوا في فصول REDI أم لم يشاركوا فيها.

 

ومع ذلك، لم تبدُ الظروف الصعبة في الطفولة عائقًا يمنع الاستفادة من البرنامج؛ بل كانت فوائد REDI المرتبطة بالتعاطف والقدرة على التفاعل الاجتماعي أكبر لدى الأطفال الذين واجهوا مستويات أعلى من المشقة في سنواتهم الأولى.

 

وأكدت جانيت ويلش، المشاركة في الدراسة والأستاذة البحثية بمركز أبحاث الوقاية في جامعة ولاية بنسلفانيا، أهمية دعم الأطفال وحمايتهم من الأذى، بالتوازي مع مساعدتهم على اكتساب المهارات التي تمكنهم من التعامل مع تجارب الحياة.

 

وقالت ويلش إن حماية الأطفال من الأذى، مع تنمية قدرتهم على التعامل مع ما يواجهونه، تتطلب استثمارًا ماليًا، لكنها تمثل استثمارًا مهمًا في المستقبل المشترك للمجتمع.

 

حدود الدراسة وما يحتاج إلى مزيد من البحث

رغم أهمية النتائج، أشار الباحثون إلى عدد من القيود التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تفسيرها.

 

فقد اعتمدت النتائج المتعلقة بمرحلة البلوغ بالكامل على وصف المشاركين لحياتهم وتجاربهم الشخصية، وهو ما يعني أن الذاكرة أو الرغبة في تقديم صورة إيجابية عن الذات ربما أثرت في بعض الإجابات.

 

كذلك، لم يتمكن الباحثون من الوصول إلى جميع الأطفال الذين شاركوا في بداية الدراسة. وكان الأفراد الذين استمروا في المتابعة أكثر احتمالًا لأن يكونوا من النساء، أو ممن التحقوا بفصول «هيد ستارت» التقليدية. ورغم استخدام تعديلات إحصائية للتعامل مع هذه الاختلافات، فإنها قد لا تكون كافية لإزالة أثرها بالكامل.

 

ويحتاج الباحثون أيضًا إلى اختبار النتائج في مجتمعات أخرى لمعرفة ما إذا كانت الفوائد نفسها تظهر لدى أطفال يعيشون في ظروف وبيئات مختلفة.

 

ومن القيود الأخرى أن معلومات المشقة التي تعرض لها الأطفال جُمعت عن الفترة السابقة لدخول مرحلة ما قبل المدرسة فقط، وبالتالي لم يشمل هذا الجزء من التحليل التجارب الصعبة التي ربما واجهوها في مراحل لاحقة من الطفولة.

 

كما أن برنامج REDI جمع عدة مكونات تعليمية واجتماعية، ولا يزال من الضروري تحديد العناصر التي أسهمت أكثر في النتائج، وتقدير تكلفتها، وفهم مدى فاعليتها عند تطبيقها في بيئات تعليمية مختلفة.

 

ونُشرت الدراسة في دورية «أمريكان سايكولوجيست» (American Psychologist)، لتضيف إلى الأبحاث التي تدرس كيف يمكن للتعليم الاجتماعي والعاطفي في السنوات الأولى أن يرتبط بالصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية في مراحل لاحقة من الحياة.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة