أخبارالطاقةابتكارات ومبادرات

زيادة التهوية ليست الحل دائمًا.. دراسة تكشف طرق احتواء حرائق البطاريات في المناجم

حرائق بطاريات الليثيوم تهدد المناجم.. محاكاة رقمية تختبر إجراءات الإنقاذ قبل وقوع الكارثة

باحثون بجامعة ولاية بنسلفانيا يدمجون المحاكاة الفيزيائية والتعلم العميق للتنبؤ بانتشار الحرارة والدخان وأول أكسيد الكربون داخل المناجم، تمهيدًا لتطوير أنظمة تهوية واستجابة طارئة آلية.

مع اتجاه قطاع التعدين إلى استخدام المعدات العاملة بالبطاريات الكهربائية لتحسين الكفاءة وتقليل الانبعاثات، تبرز تحديات جديدة تتعلق بسلامة التشغيل، في مقدمتها احتمال اشتعال بطاريات الليثيوم أيون وانتشار الحرارة والغازات السامة داخل الأنفاق والمناجم محدودة التهوية.

وفي هذا السياق، طور باحثون بجامعة ولاية بنسلفانيا الأمريكية نماذج افتراضية للمناجم تجمع بين المحاكاة الحاسوبية والتعلم العميق، بهدف التنبؤ بكيفية انتشار الحرارة والدخان وأول أكسيد الكربون عند اندلاع حريق في البطاريات، وتقييم إجراءات التهوية التي يمكن أن تحد من مخاطره قبل تطبيقها في مواقع العمل الفعلية.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Process Safety and Environmental Protection، وتركز على بناء أساس علمي لأنظمة مراقبة وتحكم ذكية يمكن أن تدعم الاستجابة للطوارئ في المناجم التي تستخدم معدات تعمل ببطاريات الليثيوم أيون.

منجم افتراضي لاختبار سيناريوهات الحرائق

أنشأ الفريق البحثي نماذج رقمية لبيئات المناجم تحت الأرض باستخدام تقنية ديناميكيات الموائع الحسابية، التي تحاكي حركة الغازات والحرارة والمواد داخل المنشآت والأنفاق.

واستخدم الباحثون نماذج تمثل مناجم الغرف والأعمدة، وهي من الأنظمة الشائعة في التعدين، حيث تُستخرج الرواسب المعدنية ضمن شبكة من المساحات مع الإبقاء على أعمدة من المواد غير المستخرجة لدعم الصخور الموجودة فوقها.

وبعد إنشاء البيئات الافتراضية، درب الباحثون نماذج للتعلم العميق على تحليل تطور درجات الحرارة والدخان وتركيز أول أكسيد الكربون في ظل ظروف تهوية مختلفة.

وتتيح هذه المحاكاة اختبار سيناريوهات متعددة دون تعريض عمال المناجم للخطر، كما تساعد على تحديد المناطق التي قد تتراكم فيها الغازات الخطرة، وتقييم تأثير التغييرات في سرعة المراوح واتجاه تدفق الهواء.

وتقود البحث خديجة عمر سعيد، طالبة الدكتوراه في قسم هندسة المعادن والطاقة بجامعة ولاية بنسلفانيا، بالتعاون مع الباحثين أشِش رانجان كومار وسخار باتاتشاريا.

حرائق البطاريات في المناجم

الانفلات الحراري.. خطر يتفاقم داخل المناجم

تُستخدم بطاريات الليثيوم أيون على نطاق واسع بفضل كثافة الطاقة المرتفعة وكفاءتها، لكنها قد تتعرض لما يُعرف باسم «الانفلات الحراري»، وهي حالة ترتفع فيها درجة حرارة الخلية بصورة غير قابلة للسيطرة، فتبدأ تفاعلات متسارعة قد تؤدي إلى حريق أو انبعاث غازات خطرة.

وقد يحدث ذلك نتيجة تلف مادي في البطارية، أو ارتفاع درجة الحرارة المحيطة، أو الشحن الزائد المتكرر، أو عيوب التصنيع.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تكون الخلايا متراصة داخل حزم البطاريات؛ إذ يمكن أن تنتقل التفاعلات الحرارية من خلية إلى أخرى، فتتحول المشكلة الأولية إلى سلسلة متتابعة من الأعطال والاشتعال.

وفي المناجم تحت الأرض، تزيد المساحات المغلقة ومحدودية التهوية من مخاطر تراكم الحرارة والدخان والغازات السامة، ما قد يعرقل الإخلاء ويهدد سلامة العاملين ويؤدي إلى توقف العمليات.

وتوضح الدراسة أن التعامل مع الانفلات الحراري لا يقتصر على اكتشاف الحريق بعد اندلاعه، بل يتطلب فهم العلامات التي تسبق تطور الحالة، والتنبؤ بتداعياتها، والاستعداد للحد من انتشارها.

اختبار التهوية دون تعريض العمال للخطر

استخدم الفريق أداة المحاكاة المعروفة باسم «محاكي ديناميكيات الحرائق» (Fire Dynamics Simulator) لإنتاج سيناريوهات لانفلات حراري داخل منجم افتراضي، ورصد التغيرات في الحرارة والدخان وأول أكسيد الكربون عند نقاط مراقبة متعددة على مدى زمني مختلف.

ثم اختبر الباحثون تأثير إجراءات تهوية متنوعة، من بينها تغيير سرعة المراوح، على حركة الهواء وانتشار الملوثات.

وأظهرت المحاكاة أن تعديل تدفق الهواء يمكن أن يقلل تركيز الدخان والغازات السامة ويساعد على إزالة الحرارة، بما يحسن الظروف المتاحة لإخلاء العمال بأمان.

لكن النتائج كشفت أيضًا أن زيادة تدفق الهواء إلى مستويات مرتفعة جدًا لا تحقق بالضرورة تحسنًا مماثلًا في السلامة؛ إذ يمكن أن تتداخل حركة الهواء الناتجة عن الحريق مع التدفق الذي تفرضه أنظمة التهوية، فتتراجع الفائدة الإضافية من زيادة الهواء.

وتؤكد هذه النتيجة أن إجراءات الطوارئ لا يمكن أن تعتمد على قاعدة عامة تقضي بزيادة التهوية إلى أقصى حد، بل ينبغي أن تستند إلى ظروف الحريق وتوزيع الأنفاق وشبكة التهوية ومواقع العاملين.

حرائق البطاريات في المناجم

التعلم العميق يسرّع التنبؤ بالمخاطر

رغم قدرة المحاكاة الفيزيائية التفصيلية على تمثيل حركة الحرارة والغازات، فإنها تتطلب قدرًا كبيرًا من القدرة الحاسوبية، ما قد يحد من استخدامها في التطبيقات التي تحتاج إلى استجابة فورية.

ولمعالجة هذه المشكلة، طور الباحثون نماذج بديلة قائمة على التعلم العميق تتعلم الأنماط المعقدة التي تنتجها المحاكاة، ثم تستخدمها لإجراء تنبؤات أسرع.

وقارن الفريق بين ثلاثة نماذج للتعلم العميق، تختلف في طريقة معالجة البيانات، بهدف تحديد نقاط القوة والقصور لكل منها في التنبؤ بتطور ظروف الحريق.

واختُبرت النماذج باستخدام بيانات وسيناريوهات معروفة، ثم قورنت توقعاتها بالقيم التي لم تُستخدم في تدريبها. ويساعد هذا الأسلوب على تقييم قدرتها على التعامل مع حالات جديدة ضمن نطاق البيانات والظروف التي صُممت من أجلها.

وأظهرت النتائج أن أداء النماذج يختلف وفقًا لعوامل مثل موقع القياس وطريقة تغيير تدفق الهواء، ما يجعل الجمع بين النماذج المختلفة مفيدًا لفهم تطور الحريق من زوايا متعددة.

نحو أنظمة استجابة آلية داخل المناجم

إلى جانب التنبؤ بانتشار المخاطر، حدد الباحثون فرصًا لاستخدام البيانات في تحسين توزيع أجهزة الاستشعار داخل المناجم، وإعادة بناء المعلومات المفقودة، وتحديد إجراءات الحد من المخاطر وتوقيت تنفيذها.

ويطمح الفريق إلى توظيف هذه النتائج في تطوير خوارزميات تحكم قادرة على تشغيل المراوح أو أنظمة الرش تلقائيًا عند رصد مؤشرات خطرة، بما يساعد على تقليل آثار الحريق وتعزيز قدرة المنجم على مواصلة العمل بأمان.

لكن هذه الخطوة لا تزال تتطلب تطوير أنظمة التحكم واختبارها عمليًا؛ فالدراسة الحالية تقدم إطارًا للتنبؤ بالمخاطر وتحليل سيناريوهات التهوية، ولا تعني أن نظامًا آليًا متكاملًا لإخماد حرائق البطاريات أصبح جاهزًا للاستخدام التجاري.

موازنة فوائد التعدين الكهربائي ومخاطره

يأتي البحث في وقت تتجه فيه شركات التعدين إلى كهربة المعدات للحد من استهلاك الوقود وتقليل الحرارة والضوضاء وعوادم الديزل والجسيمات الدقيقة داخل المناجم.

وقد تسهم المعدات الكهربائية في خفض احتياجات التهوية المرتبطة بعوادم محركات الاحتراق الداخلي، فضلًا عن تحسين ظروف العمل في بعض العمليات.

غير أن الاعتماد على البطاريات يفرض في المقابل ضرورة تطوير وسائل أكثر دقة لرصد الأعطال الحرارية والتعامل معها، خصوصًا في البيئات المغلقة التي يصعب فيها احتواء الحريق أو الوصول السريع إلى موقعه.

وتشير الدراسة إلى أن دمج النمذجة الفيزيائية بالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في بناء أنظمة تعدين أكثر ذكاءً، شرط الانتقال من التنبؤ النظري إلى اختبار إجراءات التحكم والاستجابة في ظروف التشغيل الحقيقية.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى