البشر يطلقون 2.26 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا عبر التنفس

الصين والهند في المقدمة.. أين تتركز انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن تنفس البشر؟

يطلق البشر غاز ثاني أكسيد الكربون مع كل نفس يخرج من الرئتين، سواء أثناء المشي إلى العمل أو مشاهدة التلفزيون أو حتى النوم.

ومع تنفس مليارات الأشخاص يوميًا، تتراكم هذه الكميات لتشكل جزءًا من حركة الكربون عبر النظام البيئي للأرض.

وقدرت دراسة علمية حديثة أن البشر أطلقوا نحو 2.26 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون خلال عام 2015، بزيادة بلغت 74% مقارنة بعام 1985، ويرجع ذلك أساسًا إلى ارتفاع عدد سكان العالم.

لكن الباحثين يؤكدون أن التنفس البشري ليس محركًا لتغير المناخ، إذ يختلف الكربون المنبعث مع الزفير عن الانبعاثات الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري، ومع ذلك، فإن احتساب هذه الكميات قد يساعد العلماء على تحسين فهمهم لدورة الكربون العالمية، وتطوير النماذج المستخدمة لتتبع حركته بين الغلاف الجوي والكائنات الحية.

وقاد الدراسة خافيير جونزاليس، أستاذ بجامعة باث البريطانية، ونُشرت نتائجها في مجلة «The Lancet Planetary Health».

التنفس البشري

من أين يأتي الكربون الذي نخرجه مع التنفس؟

التنفس البشري

يأتي الكربون الموجود في ثاني أكسيد الكربون الذي يخرجه الإنسان من الغذاء الذي يتناوله. فالنباتات تمتص ثاني أكسيد الكربون من الهواء أثناء نموها، ثم ينتقل الكربون إلى الإنسان والحيوانات عبر الغذاء، ويعود جزء منه إلى الغلاف الجوي من خلال التنفس.

وتُعرف هذه الحركة للكربون بين الغلاف الجوي والنباتات والحيوانات باسم «دورة الكربون السريعة»، وهي تختلف عن الانبعاثات الناتجة عن حرق الفحم والنفط والغاز الطبيعي، التي تطلق كربونًا ظل مخزنًا تحت سطح الأرض لملايين السنين.

وأوضح جونزاليس أن أهمية الدراسة تتمثل في تقدير الكميات العالمية لثاني أكسيد الكربون الناتج عن تحويل الغذاء إلى طاقة داخل أجسام البشر، وليس في اعتبار التنفس مصدرًا رئيسيًا للاحتباس الحراري.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند تفسير الأرقام التي توصل إليها الباحثون؛ فثاني أكسيد الكربون الناتج عن التنفس يأتي في معظمه من كربون امتصته النباتات مؤخرًا من الغلاف الجوي، بينما تؤدي الانبعاثات الناتجة عن الوقود الأحفوري إلى إضافة كربون مخزن جيولوجيًا إلى الدورة النشطة للكربون.

لماذا يحتاج العلماء إلى احتساب التنفس البشري؟

لا تتضمن العديد من النماذج الحاسوبية المستخدمة لتتبع حركة الكربون على مستوى الكوكب تقديرات تفصيلية للتنفس البشري، رغم أن الكميات الناتجة عنه كبيرة بما يكفي، وفقًا للباحثين، لتستحق إدراجها في الحسابات العلمية.

وخلال عام 2015، بلغت كمية ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن تنفس البشر ما يعادل نحو 5% من الكميات المنبعثة نتيجة حرق الوقود الأحفوري وتغيرات استخدام الأراضي.

ويشير الباحثون إلى أن العلماء يحتسبون بالفعل مصادر أخرى للكربون تصل انبعاثاتها السنوية إلى نحو 300 مليون طن متري، ما يدعم أهمية دراسة مساهمة التنفس البشري في تحسين تقديرات دورة الكربون.

كما يلفت الباحثون إلى أن النمو السكاني قد يغير حجم تدفق الكربون عبر هذه الدورة قصيرة الأجل، لكن التداعيات المناخية لهذا التغير لا تزال غير محسومة، ولا تعني زيادة الكميات الناتجة عن التنفس بالضرورة زيادة مماثلة في الاحترار العالمي.

التنفس البشري

كيف قاس الباحثون انبعاثات التنفس؟

اعتمدت تقديرات سابقة على كمية الكربون التي يستهلكها الإنسان من خلال الغذاء، بينما استندت دراسات أخرى إلى اختبارات معملية أُجريت على مجموعات صغيرة من الأشخاص، بلغ عدد المشاركين في بعضها أقل من 30 شابًا بالغًا.

أما الدراسة الجديدة، فاعتمدت على قياسات أُخذت من أشخاص أثناء ممارستهم حياتهم المعتادة، باستخدام تقنية تُعرف باسم «الماء مزدوج الوسم»، وهي طريقة علمية تستخدم نظائر مستقرة ونادرة نسبيًا من الهيدروجين والأكسجين لتقدير معدل استهلاك الطاقة وإنتاج ثاني أكسيد الكربون.

وتبدأ هذه الطريقة بتناول الشخص كمية من الماء تحتوي على نظائر أثقل من الأشكال الشائعة للهيدروجين والأكسجين.

ويطرح الجسم هذه النظائر بمعدلات مختلفة على مدار نحو أسبوعين، ومن خلال قياس الفرق بين معدلات خروجها يمكن للباحثين تقدير إنتاج الجسم لثاني أكسيد الكربون.

واستخدم الفريق البحثي 9006 قياسات جُمعت من 6756 شخصًا، ضمن قاعدة بيانات تستضيفها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وضمت العينة 4479 أنثى و2277 ذكرًا، وتراوحت أعمار المشاركين بين حديثي الولادة و101 عام.

واستبعد الباحثون الرياضيين من التحليل، لأن التدريبات المكثفة قد ترفع إنتاجهم من ثاني أكسيد الكربون إلى مستويات تتجاوز المعدلات المعتادة.

التنفس البشري

من قياسات الأفراد إلى تقدير الانبعاثات العالمية

لم تقِس الدراسة مباشرة أنفاس جميع سكان العالم، وإنما استخدم الباحثون القياسات الفردية لتطوير معادلة تقديرية، ثم طبقوها على بيانات السكان وأوزان الجسم في مختلف البلدان.

وربطت المعادلة بين كمية ثاني أكسيد الكربون الناتجة سنويًا ووزن الجسم والجنس، وأظهرت أن الشخص الذي يبلغ وزنه ضعف وزن شخص آخر ينتج نحو 50% إضافية من ثاني أكسيد الكربون، وليس ضعف الكمية.

وبحسب التقديرات، ارتفع إجمالي ثاني أكسيد الكربون الناتج عن التنفس البشري عالميًا من نحو 1.30 مليار طن عام 1985 إلى 2.26 مليار طن عام 2015.

في المقابل، كانت الزيادة في متوسط الإنتاج السنوي للفرد أقل بكثير؛ إذ ارتفع من نحو 321 كيلوجرامًا للبالغ سنويًا عام 1985 إلى 346 كيلوجرامًا عام 2015، بزيادة تقارب 8%. ويعادل المتوسط الأخير أكثر قليلًا من 900 جرام يوميًا.

النمو السكاني العامل الأكبر وراء الزيادة

لم تقتصر التغيرات خلال العقود الثلاثة محل الدراسة على زيادة عدد السكان، بل ارتفع متوسط أوزان البالغين أيضًا.

وزاد متوسط وزن البالغين من الجنسين بنحو 13%، إذ ارتفع متوسط وزن الرجال من نحو 67 كيلوجرامًا إلى 76 كيلوجرامًا.

لكن تغير أوزان الجسم لم يفسر سوى جزء من الزيادة الإجمالية. وحتى بعد تعديل الحسابات وفقًا لهذه التغيرات، ظل إجمالي ثاني أكسيد الكربون الناتج عن التنفس مرتفعًا بنحو 48%.

وأرجع الباحثون أكثر من 60% من الزيادة الإجمالية إلى النمو السكاني، ما يشير إلى أن زيادة عدد الأشخاص كانت العامل الرئيسي وراء ارتفاع الكميات العالمية.

وإذا ظل متوسط إنتاج الفرد من ثاني أكسيد الكربون عند مستوى عام 2015، فقد يصل الإجمالي السنوي إلى نحو 2.9 مليار طن متري بحلول عام 2084، وهو توقيت قريب من الفترة التي يُتوقع أن يبلغ فيها عدد سكان العالم ذروته وفقًا لبعض الإسقاطات السكانية.

التنفس البشري

آسيا تتصدر انبعاثات التنفس البشري

سجلت آسيا أكبر حصة من ثاني أكسيد الكربون الناتج عن التنفس البشري، بما يعكس ضخامة عدد سكانها، وبلغ إجمالي الكميات المنسوبة إلى الصين والهند معًا نحو 744 مليون طن متري عام 2015.

أما الدول الثماني التالية مجتمعة، وهي بنجلاديش والبرازيل وإندونيسيا واليابان ونيجيريا وباكستان وروسيا والولايات المتحدة، فقد بلغ إجمالي الكميات المنسوبة إليها نحو 458 مليون طن متري.

وعند ترتيب الدول وفقًا لمتوسط إنتاج الفرد، كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي ظهرت ضمن قائمة أكبر عشر دول من حيث الإجمالي، ما يوضح اختلاف الصورة عند مقارنة الانبعاثات الإجمالية بالانبعاثات الفردية.

كما تجاوزت أفريقيا أوروبا لتصبح ثاني أكبر القارات مساهمة في إجمالي ثاني أكسيد الكربون الناتج عن التنفس خلال فترة الدراسة، وكان النمو السكاني العامل الأساسي وراء هذا التحول، وليس زيادة أوزان السكان أو اختلاف أنماطهم الغذائية.

وجاء إجمالي إنتاج الرجال والنساء من ثاني أكسيد الكربون متقاربًا، بفارق يقل عن 5%، ويرتبط ذلك جزئيًا بارتفاع متوسط العمر المتوقع للنساء.

وبلغ متوسط إنتاج الرجل البالغ نحو 358 كيلوجرامًا من ثاني أكسيد الكربون عام 2015، مقابل 334 كيلوجرامًا للمرأة، ويرجع الفرق أساسًا إلى ارتفاع متوسط أوزان الرجال.

كيف يؤثر الغذاء والنشاط البدني في النتائج؟

اختبر الباحثون أيضًا تأثير أنماط غذائية مختلفة في تقديرات عام 2015، ووجدوا أن خفض نسبة الكربوهيدرات إلى 10% من إجمالي الطاقة الغذائية، مقارنة بنسبة 60%، يؤدي إلى انخفاض الكمية المحسوبة من ثاني أكسيد الكربون بنحو 12%، وتمثل هذه النسبة مستوى منخفضًا من الكربوهيدرات قريبًا من بعض الأنظمة الغذائية الكيتونية.

وفي المقابل، أدى رفع الكربوهيدرات إلى 72% من الطاقة الغذائية، وهي نسبة قد تظهر في بعض الأنماط الغذائية التقليدية، إلى زيادة التقدير بنحو 5%.

واختار الباحثون هذه السيناريوهات المتباينة لتوضيح الحدود المحتملة لتأثير النظام الغذائي في إجمالي ثاني أكسيد الكربون الناتج عن التنفس، وليس لتقديم توصيات غذائية.

كما أظهرت الحسابات أن ممارسة جميع الأشخاص المشي بوتيرة معتدلة لمدة 150 دقيقة أسبوعيًا، وفقًا لإرشادات منظمة الصحة العالمية، قد ترفع الإجمالي المحسوب بنحو 6%، نتيجة زيادة استهلاك الطاقة أثناء النشاط البدني.

وفي المقابل، فإن عودة أوزان الجسم إلى مستويات عام 1985 كانت ستخفض الإجمالي المقدر بنحو 10%.

ويؤكد الباحثون، أن هذه النتائج تهدف إلى فهم دورة الكربون بصورة أدق، ولا تقدم مبررًا لتغيير الأنظمة الغذائية أو تقليل ممارسة الرياضة؛ فزيادة ثاني أكسيد الكربون الناتج عن النشاط البدني لا تعني أن التمرين يفاقم تغير المناخ بالطريقة نفسها التي تفعلها انبعاثات الوقود الأحفوري.

حدود الدراسة والأسئلة التي لم تُحسم

رغم اتساع قاعدة البيانات، فإنها لا تمثل جميع مناطق العالم والفئات السكانية بالدرجة نفسها، وهو ما منع الباحثين من التحقق مما إذا كانت العلاقة بين وزن الجسم وإنتاج ثاني أكسيد الكربون تختلف بين المجموعات العرقية.

كذلك، اعتمدت المعادلة على الوزن الإجمالي للجسم من دون التمييز بين الدهون والأنسجة الأخرى، بسبب عدم توافر بيانات عالمية كافية تسمح بإجراء هذا الفصل على نطاق واسع.

ولم تتضمن حسابات الغذاء والنشاط البدني جميع التأثيرات التي قد تظهر على المدى الطويل. فزيادة ممارسة الرياضة، على سبيل المثال، قد تؤدي تدريجيًا إلى انخفاض أوزان الجسم ومعدلات السمنة، وهو ما قد يغير النتائج النهائية.

وتبرز أيضًا مسألة أخرى تتعلق بالحيوانات التي قد تتأثر موائلها مع توسع التجمعات البشرية. فالحيوانات نفسها تطلق ثاني أكسيد الكربون أثناء التنفس، وقد تختلف معدلات إنتاجها للغاز، ولذلك لا تعني زيادة عدد البشر بالضرورة زيادة مساوية في إجمالي التنفس لجميع الكائنات الحية.

تحسين تقديرات دورة الكربون العالمية

يعمل الباحثون على جمع المزيد من قياسات تقنية الماء مزدوج الوسم من الفئات والمناطق التي لا تحظى بتمثيل كافٍ في قاعدة البيانات الحالية.

كما يدعون إلى إدراج تقديرات التنفس البشري في نماذج الكربون المستخدمة لدراسة المدن والكوكب بأكمله، بهدف تحسين دقة الحسابات المتعلقة بحركة الكربون في البيئة.

ويرى فريق الدراسة أن إدراج هذه البيانات قد يساعد العلماء على تطوير توقعات أكثر دقة بشأن فاعلية استراتيجيات خفض الكربون، مع ضرورة التمييز بين الكربون الذي يعود إلى الغلاف الجوي ضمن الدورة الطبيعية قصيرة الأجل، والكربون الإضافي الناتج عن حرق الوقود الأحفوري.

ونُشرت الدراسة في مجلة «The Lancet Planetary Health»، لتضيف تقديرًا جديدًا إلى الأبحاث التي تسعى إلى فهم دورة الكربون العالمية والعوامل التي تؤثر في حركتها.

↑
Exit mobile version