تصدير النفايات القابلة لإعادة التدوير يخفي مشكلة عالمية

إعادة تدوير النفايات عبر الحدود.. لماذا لا تعني زيادة الصادرات تدوير كميات أكبر عالميًا؟

لا يعني تصدير النفايات القابلة لإعادة التدوير بالضرورة زيادة الكميات التي يعاد تدويرها عالميًا، إذ قد تحل المخلفات المستوردة محل النفايات المحلية التي كان من الممكن جمعها ومعالجتها في الدول المستوردة، وفقًا لنموذج اقتصادي جديد يثير تساؤلات حول الفوائد الحقيقية لتجارة النفايات عبر الحدود.

تبدأ عملية إعادة التدوير عادة بخطوات بسيطة داخل المنازل، مثل شطف العبوات، وتسطيح الصناديق الكرتونية، وفصل مواد التغليف عن المخلفات الأخرى، بهدف إبعاد المواد القابلة للاستفادة منها عن مكبات القمامة.

لكن بعد مغادرة شاحنة جمع النفايات، تصبح المراحل التالية أقل وضوحًا للمستهلكين؛ فقد تنتقل زجاجة بلاستيكية أو كمية من الورق إلى دولة أخرى، حيث تستخدمها المصانع لإنتاج مواد جديدة.

وبينما تبدو هذه الرحلة تحقيقًا للهدف الأساسي من إعادة التدوير، تشير دراسة اقتصادية إلى أن نقل النفايات إلى الخارج قد لا يؤدي إلى زيادة إجمالي الكميات المعاد تدويرها، بل يمكن أن يغير مصدر المواد التي تستخدمها المصانع، من دون تحقيق زيادة فعلية في حجم التدوير على المستوى العالمي.

ونُشرت الدراسة في مجلة «Journal of Applied Economics» العلمية.

وتتمثل المشكلة في احتمال أن تحل المواد القابلة لإعادة التدوير المستوردة محل المخلفات التي كان من الممكن أن تجمعها الدولة المستوردة من المنازل والشركات المحلية.

لماذا تنتقل النفايات القابلة لإعادة التدوير إلى الخارج؟

تستورد الدول النفايات القابلة لإعادة التدوير لتلبية احتياجات مصانعها من المواد الخام. فما تمثل مخلفًا غير مرغوب فيه في دولة ما قد يصبح موردًا اقتصاديًا مهمًا في دولة أخرى.

فالدول التي تستورد كميات كبيرة من المنتجات المصنعة، لكنها تنتج كميات أقل منها، قد تجد نفسها أمام فائض من النفايات يفوق احتياجات مصانعها المحلية.

وفي المقابل، قد تمتلك دول أخرى قاعدة صناعية نشطة تحتاج إلى مواد قابلة لإعادة التدوير بكميات أكبر مما تستطيع توفيره من مخلفاتها المحلية.

ودرس الاقتصاديان أوجيني جولترو ولويس سارمينتو، المرتبطان بالمعهد الأوروبي للاقتصاد والبيئة التابع لمركز أبحاث المناخ والاقتصاد «RFF-CMCC» في ميلانو، كيفية تأثير هذا التفاوت بين احتياجات المصانع وكميات النفايات المتاحة في حركة تجارة المواد القابلة لإعادة التدوير بين الدول.

وجمع الباحثان بيانات التجارة الدولية مع نموذج اقتصادي يحاكي آليات تعامل الدول مع النفايات، وأظهرت السجلات أن الاختلافات بين احتياجات المصانع من المواد الخام وكميات المخلفات التي تنتجها الدول تساعد في تفسير اتجاهات التجارة الدولية للنفايات القابلة لإعادة التدوير.

إعادة التدوير

كيف تحل النفايات المستوردة محل المخلفات المحلية؟

قبل إعادة تدوير أي زجاجة أو عبوة، لا بد من جمعها أولًا. وقد تكون هذه المرحلة مكلفة على نحو ملحوظ، خصوصًا عندما تأتي المخلفات من مناطق نائية أو من أسر لا تلتزم بفرز النفايات.

وتشير الدراسة إلى مثال من فرنسا، حيث تجاوزت تكلفة جمع نفايات التغليف بصورة منفصلة، في عام 2014، ضعف تكلفة إعادة تدويرها لكل طن، ويعني ذلك أن جمع المواد وفرزها كان يمثل عبئًا ماليًا أكبر من معالجتها لإعادة الاستخدام.

وبالنسبة إلى الدول التي تحتاج مصانعها إلى كميات كبيرة من المواد القابلة لإعادة التدوير، قد يكون شراء المخلفات التي جُمعت بالفعل في الخارج أقل تكلفة من توسيع منظومة الجمع والفرز محليًا.

وفي هذه الحالة، توفر الواردات المواد التي تحتاج إليها المصانع، بينما قد تبقى بعض النفايات المحلية خارج منظومة إعادة التدوير، لعدم وجود حافز اقتصادي كافٍ لجمعها.

ووفقًا للنموذج الاقتصادي الذي تناوله الباحثان، قد يؤدي هذا الوضع إلى انخفاض كمية النفايات التي تتخلص منها الدولة المصدرة في صورة مخلفات غير معاد تدويرها، مقابل زيادة كمية النفايات المحلية التي تتخلص منها الدولة المستوردة.

لكن المحصلة النهائية قد تكون بقاء إجمالي الكميات المعاد تدويرها في الدولتين دون تغيير.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: يمكن أن تتحسن مؤشرات إعادة التدوير في دولة ما بفضل استيراد النفايات، من دون أن تتحقق زيادة مماثلة في إجمالي التدوير على المستوى العالمي.

الصين تقدم مؤشرًا على هذه المفارقة

وجد الباحثان في التجربة الصينية مؤشرًا محتملًا على حدوث هذا النوع من الإحلال بين النفايات المحلية والمستوردة.

فبعد أن فرضت الصين قيودًا صارمة على واردات النفايات في عام 2018، ارتفعت معدلات إعادة تدوير النفايات البلاستيكية المحلية بصورة كبيرة، بينما تراجعت إعادة تدوير البلاستيك المستورد إلى مستويات شبه معدومة.

ويتوافق هذا التحول مع الفرضية التي تفترض قدرة المصانع على التحول بين استخدام المخلفات المحلية والمستوردة لتلبية احتياجاتها من المواد القابلة لإعادة التدوير.

ومع ذلك، لا تكشف البيانات الصينية وحدها عن حجم النفايات المحلية التي لم يكن يجري جمعها أو تدويرها بسبب الاعتماد على الواردات.

ووصف الباحثان هذه النتائج بأنها أدلة استرشادية تدعم الفرضية، موضحين أن قياس التأثير الفعلي يتطلب بيانات أكثر تفصيلًا.

وبالتالي، يفسر النموذج الاقتصادي الآلية التي يمكن أن تحدث من خلالها هذه المفارقة، بينما تتوافق التجربة الصينية معها، لكن أيًا منهما لا يثبت أن كل شحنة من النفايات المصدرة تؤدي بالضرورة إلى ترك كمية مساوية من المخلفات دون جمع أو تدوير في الدولة المستوردة.

تجارة عالمية تنقل مئات الملايين من الأطنان

تدخل المواد التي يفرزها الأفراد داخل منازلهم في سوق دولية واسعة تتجاوز الحدود الوطنية.

ووفقًا لسجلات التجارة التي اعتمدت عليها الدراسة، تراوحت كميات النفايات القابلة لإعادة التدوير التي عبرت الحدود الدولية سنويًا منذ عام 2010 بين نحو 190 مليونًا و220 مليون طن.

وتشكل نفايات الحديد والصلب الحصة الأكبر من هذه التجارة من حيث الوزن، تليها نفايات الورق والبلاستيك والألومنيوم والزجاج، ويأتي جزء كبير من هذه المواد من الدول الغنية.

لكن العلاقة بين احتياجات المصانع وتدفقات النفايات لم تظهر بالدرجة نفسها في جميع المواد.

فقد بدت الصلة أوضح في تجارة الألومنيوم والورق والحديد والصلب، مقارنة بالزجاج. أما البلاستيك، فجاءت نتائجه أقل وضوحًا، واختلفت باختلاف الأساليب المستخدمة في التحليل.

ويرجح الباحثان أن تكون التكاليف عاملًا أكثر تأثيرًا في تجارة البلاستيك، مقارنة بالفجوة بين كمية النفايات التي تنتجها الدولة واحتياجات مصانعها من المواد القابلة لإعادة التدوير.

ويشير هذا الاختلاف إلى أن تجارة المخلفات لا تخضع لآلية واحدة، بل تتأثر بطبيعة كل مادة وتكاليف جمعها ومعالجتها والطلب الصناعي عليها.

إعادة التدوير

أرقام إعادة التدوير لا تكشف أين تجري المعالجة

لا توضح المؤشرات الوطنية لإعادة التدوير بالضرورة المكان الذي تجري فيه عمليات المعالجة الفعلية.

فيمكن لدول الاتحاد الأوروبي احتساب نفايات التغليف المصدرة ضمن أهدافها لإعادة التدوير، شريطة وجود أدلة تثبت معالجتها وفق شروط مماثلة لتلك المطبقة داخل أوروبا.

وبين عامي 2018 و2021، جرت إعادة تدوير ما يتراوح بين 10% و13% من نفايات التغليف المحتسبة ضمن عمليات التدوير في دول الاتحاد الأوروبي خارج التكتل، في المتوسط.

وقبل فرض الصين قيودها على واردات النفايات، كان الاتحاد الأوروبي يصدر نحو نصف النفايات البلاستيكية التي يجمعها بغرض إعادة التدوير.

وتوضح هذه الأرقام كيف يمكن لدولة أن تحسن مؤشرات إعادة التدوير لديها، مع اعتماد جزء من منظومتها على منشآت تقع خارج حدودها.

لكن هذه المؤشرات لا تعكس بالضرورة ما إذا كانت الدول المستوردة قد قلصت جمع نفاياتها المحلية بسبب انخفاض تكلفة الحصول على المواد المستوردة.

كما يشير النموذج إلى أن تقديم دعم مالي لعمليات جمع المخلفات قد يشجع على زيادة الصادرات، إذا جعل جمع النفايات أقل تكلفة، من دون أن يجعل إعادة تدويرها محليًا الخيار الأكثر جدوى اقتصاديًا.

وبذلك، لا يضمن دعم جمع المخلفات وحده أن ينتهي بها المطاف إلى إعادة التدوير داخل الدولة التي تنتجها.

متى تتحول النفايات إلى عبء بدلًا من أن تكون موردًا؟

يمكن أن تمثل النفايات القابلة لإعادة التدوير مادة خام مطلوبة لدى المشتري، أو عبئًا يسعى البائع إلى التخلص منه مقابل دفع المال. وتتحدد طبيعة هذه العلاقة جزئيًا وفقًا لاحتياجات المصانع وتكاليف الجمع والمعالجة.

وأوضحت جولترو أن خفض الصين لواردات النفايات أثار روايات متباينة في النقاش العام، إذ رأى البعض أن الدول تصدر قمامتها إلى الخارج، بينما اعتبر آخرون أن الدول المستوردة تشتري مواد قابلة لإعادة التدوير تحتاج إليها صناعاتها.

وقد يعكس الوصفان جانبين مختلفين من السوق، لكن دفع الأموال للتخلص من النفايات يثير مخاوف إضافية.

فإذا ارتفعت المدفوعات المرتبطة باستقبال المخلفات إلى مستويات معينة، فقد ينشأ حافز اقتصادي لقبولها والتخلص منها في مواقع الإلقاء بدلًا من معالجتها لإعادة التدوير، وفقًا للنموذج الذي تناوله الباحثان.

وهذا يعني أن نقل النفايات عبر الحدود لا يضمن وحده تحقيق فائدة بيئية، إذ تظل النتيجة مرتبطة بمصير المخلفات بعد وصولها إلى وجهتها النهائية.

كيف يمكن تعزيز إعادة التدوير محليًا؟

وجد الباحثان، أن القواعد التي تلزم الشركات المصنعة باستخدام المواد المعاد تدويرها قد تكون أكثر فاعلية في تشجيع إعادة تدوير النفايات المحلية من الاعتماد على أهداف يمكن للدول تحقيقها من خلال تصدير المخلفات.

وتقوم هذه الفكرة على أن جمع العبوات المستعملة ليس سوى مرحلة واحدة من منظومة إعادة التدوير؛ إذ تحتاج الشركات المصنعة أيضًا إلى حافز واضح لاستخدام المواد المستخلصة من تلك المخلفات في إنتاج سلع جديدة.

ويطبق الاتحاد الأوروبي بالفعل أحد هذه المتطلبات، إذ يلزم باستخدام بلاستيك معاد تدويره بنسبة 25% في زجاجات المشروبات المصنوعة من بولي إيثيلين تيرفثالات «PET».

وتساعد مثل هذه القواعد على خلق طلب صناعي على المواد المعاد تدويرها، بما يمنح عمليات الجمع والفرز والمعالجة غرضًا اقتصاديًا يتجاوز مجرد نقل النفايات إلى أماكن أخرى.

كما يرى الباحثان أن القيود المفروضة على تصدير المخلفات ينبغي أن تترافق مع حوافز لاستخدام النفايات المحلية والحد من إنتاجها من الأساس.

فمن دون هذه التدابير، قد تستمر الضغوط الاقتصادية التي تدفع إلى إرسال المخلفات إلى الخارج، بما في ذلك عبر مسارات غير قانونية.

إعادة تدوير

إعادة التدوير تبدأ من المنزل لكنها لا تنتهي عند صندوق القمامة

رغم النتائج التي توصل إليها النموذج، فإنه لا يأخذ في الحسبان جميع التعقيدات الموجودة على أرض الواقع؛ إذ يفترض أن المواد المعاد تدويرها يمكن أن تحل محل المواد الخام الجديدة بصورة كاملة، رغم أن البلاستيك المعاد تدويره قد يكون أقل جودة من البلاستيك البكر.

كما تعتمد النتيجة الأساسية للدراسة على افتراض أن المواد المستوردة تحل محل النفايات التي كان من الممكن جمعها محليًا.

أما إذا كانت الواردات تحل محل المواد الخام المستخرجة حديثًا، فقد تختلف النتيجة البيئية والاقتصادية، وهو احتمال لا يستبعده الباحثان.

وبالنسبة إلى الأفراد الذين يحرصون على فرز العبوات والصناديق داخل منازلهم، تبرز الدراسة مشكلة لا يمكن للجهود المنزلية وحدها حلها.

فنجاح إعادة التدوير لا يتوقف على جمع النفايات وفرزها، بل يتطلب أيضًا تتبع مصير المواد التي تُشحن إلى الخارج، ومعرفة ما إذا كانت الواردات تدعم إعادة التدوير فعلًا أم تحل محل جمع المخلفات المحلية في الدول المستوردة.

وتخلص الدراسة إلى أهمية النظر إلى منظومة إعادة التدوير باعتبارها سلسلة مترابطة تبدأ بجمع النفايات وتنتهي باستخدام المواد المستخلصة منها، مع مراعاة ما يحدث للمواد المصدرة والمخلفات التي قد تبقى خارج منظومة المعالجة.

↑
Exit mobile version