كيف تتعاون جذور النباتات مع البكتيريا لتحرير الحديد المحبوس في التربة؟

هل تقلل البكتيريا حاجة المحاصيل إلى الأسمدة؟ دراسة تكشف دورها في إتاحة الحديد للنباتات

رغم احتواء معظم أنواع التربة على كميات وفيرة من الحديد، فإن النباتات قد تعاني نقصه، لأن جزءًا كبيرًا منه يوجد في صور صلبة لا تستطيع الجذور امتصاصها بسهولة، ولمواجهة هذه المشكلة، تطلق الجذور مركبات كيميائية تساعد على تحرير الحديد، وتتغير طبيعة هذه المركبات وفقًا لدرجة حموضة التربة.

لكن دراسة علمية حديثة كشفت أن هذه المركبات لا تؤدي وظيفتها بكامل كفاءتها بمفردها، بل تحتاج إلى مساعدة البكتيريا التي تعيش على جذور النباتات وحولها.

وتشير النتائج إلى أن النباتات تختار المركبات التي تفرزها بحسب ظروف التربة، بما يتيح لها الاستفادة من آليات كيميائية تمتلكها البكتيريا بالفعل.

وأُجريت الدراسة في المختبر باستخدام نوع نباتي صغير يُعرف باسم «رشاد أذن الفأر» (Arabidopsis thaliana)، وهو من النباتات الشائعة في الأبحاث البيولوجية.

وشاركت في قيادتها ميلينا ماليسيتش وبول شولزه ليفرت من معهد ماكس بلانك لأبحاث تربية النباتات في مدينة كولونيا الألمانية، إلى جانب ريكاردو جيهل من معهد لايبنيز لوراثة النباتات وأبحاث نباتات المحاصيل.

ونُشرت الدراسة في مجلة «Cell»، وتقدم فهمًا جديدًا للتفاعلات الكيميائية والبيولوجية بين جذور النباتات والكائنات الدقيقة في التربة، مع احتمالات لتطوير تطبيقات تدعم الزراعة المستدامة.

جذور النباتات

لماذا تعجز النباتات عن امتصاص الحديد الموجود في التربة؟

يُعد الحديد عنصرًا أساسيًا لنمو النباتات، إذ يشارك في عمليات حيوية، من بينها التمثيل الضوئي ونقل الإلكترونات داخل الخلايا. ومع ذلك، فإن توافره في التربة لا يعني بالضرورة قدرة الجذور على الحصول عليه.

فعندما يوجد الحديد في مركبات صلبة أو قليلة الذوبان، يصبح امتصاصه أكثر صعوبة، ما يدفع النباتات إلى إطلاق مركبات تُعرف باسم «الكومارينات» من جذورها إلى المنطقة المحيطة بها من التربة.

وتعيش في هذه المنطقة مجتمعات متنوعة من الكائنات الدقيقة، تشمل البكتيريا التي تستوطن سطح الجذور والمناطق القريبة منها، وتُعرف هذه المجتمعات مجتمعة باسم «الميكروبات المصاحبة للجذور».

وكان السؤال الذي سعى الباحثون إلى الإجابة عنه هو: لماذا تستمر النباتات في المعاناة من نقص الحديد رغم قدرتها على إنتاج المركبات التي تساعد على تحريره، حتى عندما تنمو في غياب البكتيريا؟

وكانت دراسة سابقة أجرتها مجموعة بول شولزه ليفرت عام 2020 قد أظهرت أن البكتيريا المصاحبة للجذور تساعد نبات رشاد أذن الفأر على مواجهة نقص الحديد، مع دور مهم لمركب «فراكسيتين» في التربة الجيرية، لكن مدى امتداد هذه الآلية إلى أنواع التربة المختلفة في درجة الحموضة ظل غير واضح.

جذور النباتات

حموضة التربة تحدد المركب الكيميائي الذي تفرزه الجذور

لا تعتمد النباتات على مركب واحد للحصول على الحديد، بل تغير إفرازاتها الكيميائية وفقًا لظروف التربة.

ففي التربة الحمضية، تفرز جذور نبات رشاد أذن الفأر بصورة أساسية مركب «سيديريتين»، بينما تزيد إفراز مركب «فراكسيتين» في التربة القريبة من التعادل، ومنها التربة الجيرية.

وكان الاعتقاد السائد أن هذا التغيير يساعد النباتات على استخلاص أكبر قدر ممكن من الحديد وفقًا للظروف الكيميائية المحيطة بها. لكن فريق الدراسة اختبر ما إذا كانت فاعلية هذه المركبات تعتمد أيضًا على وجود البكتيريا.

ولتحقيق ذلك، نمّى الباحثون نباتات تعاني نقص الحديد مع بكتيريا مأخوذة من بيئات مختلفة، وتحت مستويات متفاوتة من حموضة التربة.

وأظهرت التجارب، أن معظم مجموعات البكتيريا التي اختُبرت ساعدت النباتات على التعافي من نقص الحديد، سواء جُمعت هذه البكتيريا من تربة غنية بالحديد أو من تربة فقيرة به.

وتشير هذه النتيجة إلى أن البكتيريا القادرة على مساعدة النباتات في الحصول على الحديد ليست محصورة في نوع واحد من التربة، بل قد تكون منتشرة في بيئات ترابية متعددة.

جذور النباتات

كيف تساعد البكتيريا النباتات على الحصول على الحديد؟

كشف الباحثون عن اختلاف آلية التعاون بين النباتات والبكتيريا بحسب المركب الكيميائي الذي تفرزه الجذور.

أولًا: التربة الحمضية ومركب سيديريتين

في التربة الحمضية، يساعد مركب سيديريتين على تحويل الحديد المحبوس في صور قليلة الذوبان إلى صورة أكثر قابلية للذوبان، ما يتيح للنبات فرصة أكبر للاستفادة منه، وخلال هذه العملية، يتغير المركب الكيميائي بعد أداء وظيفته.

ويقترح الباحثون، أن البكتيريا تستطيع التفاعل مع هذا المركب بعد استهلاكه، من خلال نظام كيميائي تستخدمه لاستشعار المركبات الموجودة في محيطها.

ووفقًا للآلية التي طرحها الفريق، قد تمتص البكتيريا المركب بعد تغيره، ثم تعيد تدويره وإطلاقه مجددًا، بما يسمح له بالمساهمة في تحرير مزيد من الحديد.

لكن هذه الخطوة لا تزال فرضية علمية تحتاج إلى إثبات مباشر، إذ لم يتمكن الباحثون حتى الآن من تأكيد أن البكتيريا تمتص سيديريتين المستهلك ثم تعيد إطلاقه بهذه الصورة.

ثانيًا: التربة القريبة من التعادل ومركب فراكسيتين

تختلف الآلية في التربة القريبة من التعادل؛ إذ تنتج البكتيريا جزيئات خاصة لالتقاط الحديد تُعرف باسم «السيدروفورات»، عندما تواجه نقصًا في هذا العنصر.

وتتفاعل هذه الجزيئات مع الحديد وتساعد البكتيريا على الحصول عليه، وتشير نتائج الدراسة إلى أن فراكسيتين يتفاعل مع أحد هذه المركبات، وقد يوجّه جزءًا من الحديد الذي التقطته البكتيريا نحو النبات.

وبذلك، لا يقتصر دور المركبات التي تفرزها الجذور على التفاعل المباشر مع الحديد الموجود في التربة، بل يمتد إلى التأثير في العمليات الكيميائية التي تستخدمها البكتيريا المحيطة بالجذور.

وتوضح النتائج، أن النبات يختار المركب الذي يفرزه استجابةً لحموضة التربة، بينما تعتمد الاستفادة الكاملة من هذه المركبات على التفاعلات التي تجري مع البكتيريا.

جذور النباتات

آليات بكتيرية قديمة تفتح آفاقًا جديدة للزراعة

أشارت الدراسة إلى أن الآليات البكتيرية التي جرى رصدها تعتمد على جينات يُرجح أنها تطورت قبل ظهور النباتات البرية الأولى.

وتعني هذه النتيجة أن البكتيريا كانت تمتلك بالفعل أدوات كيميائية للتعامل مع ظروف التربة المتغيرة، قبل أن تظهر النباتات البرية بوقت طويل، وربما استفادت النباتات من هذه القدرات الموجودة لدى الكائنات الدقيقة، بدلًا من الاعتماد على آليات مستقلة تمامًا.

وقالت ماليسيتش إن النباتات لم توجد تاريخيًا بمعزل عن الميكروبات، وإن كثيرًا من خصائصها قد تكون تشكلت في إطار هذا التاريخ المشترك.

وأضافت أن فهم الأساس الجزيئي لهذه التفاعلات المفيدة قد يتيح فرصًا جديدة لتطوير الزراعة المستدامة.

ويرى معهد ماكس بلانك أن النتائج قد تساعد مستقبلًا في تطوير أسمدة قائمة على الميكروبات، أو مركبات مصنّعة تحاكي المواد التي تفرزها جذور النباتات، بهدف تحسين استفادة المحاصيل من العناصر الغذائية وتقليل الاعتماد على الأسمدة الاصطناعية.

ومع ذلك، فإن هذه التطبيقات لا تزال احتمالات مستقبلية، ولا تثبت الدراسة الحالية أن استخدام هذه الآليات سيؤدي بالفعل إلى خفض كميات الأسمدة المطلوبة في الحقول الزراعية.

جذور النباتات

ما الذي لا تزال الدراسة بحاجة إلى إثباته؟

أُجريت التجارب باستخدام نبات رشاد أذن الفأر وبكتيريا مختارة داخل المختبر، وليس في الحقول الزراعية التي تضم مجتمعات ميكروبية أكثر تعقيدًا وتتغير فيها الظروف البيئية باستمرار.

ولذلك، لا يزال من الضروري اختبار ما إذا كانت التفاعلات نفسها تحدث بالكفاءة ذاتها في التربة الزراعية، وما إذا كانت تؤدي إلى زيادة ملموسة في امتصاص الحديد لدى المحاصيل.

كما أن النتائج لا تشمل جميع النباتات؛ إذ ركزت الدراسة على نباتات من خارج الفصيلة النجيلية، بينما تنتمي محاصيل رئيسية مثل القمح والأرز والذرة إلى هذه الفصيلة، وتعتمد على آليات مختلفة للحصول على الحديد.

ويحتاج الباحثون كذلك إلى التحقق من الآلية المقترحة في التربة الحمضية، ولا سيما إعادة تدوير مركب سيديريتين بواسطة البكتيريا، وهي خطوة لم تُثبت تجريبيًا بصورة مباشرة حتى الآن.

ولمعرفة مدى استفادة المحاصيل الزراعية من هذه التفاعلات، يتعين إجراء تجارب على نباتات تنتج الكومارينات في التربة الزراعية، مع تتبع كمية الحديد التي تمتصها وقياس دور البكتيريا في هذه العملية.

وتكشف الدراسة، في مجملها، عن أهمية النظر إلى التربة باعتبارها نظامًا بيولوجيًا متكاملًا، لا مجرد وسط تنمو فيه الجذور؛ فحصول النباتات على العناصر الغذائية قد يعتمد على تفاعلات دقيقة تجمع بين إفرازاتها الكيميائية والقدرات الحيوية للكائنات الدقيقة المحيطة بها.

↑
Exit mobile version