خبراء: خفض عدم المساواة ضرورة لإنجاح سياسات المناخ عالميًا
التحول الأخضر بين الفرص والمخاطر.. من يستفيد ومن يُستبعد؟ كيف تعمّق السياسات الخضراء الفجوات الاجتماعية؟
تتزايد الأدلة التي تربط بين تغير المناخ واتساع فجوة عدم المساواة، وهو ما دفع مؤسسات دولية كمنظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة وشبكة تخضير النظام المالي إلى الدعوة لإدماج البعد الاجتماعي في سياسات المناخ.
فهذه المؤسسات تؤكد أن عدم المساواة يشكل خطرًا اقتصاديًا واجتماعيًا ونظاميًا يهدد الاستقرار ويقوّض القدرة على مواجهة التحديات البيئية.
وفي ورقة بحثية حديثة، درس باحثون من الوكالة الفرنسية للتنمية كيفية تصميم سياسات بيئية تراعي خفض عدم المساواة، مستعرضين تجارب من جنوب أفريقيا وكولومبيا وإندونيسيا والمكسيك.
ويشير الباحثون إلى أن العمل المناخي قد يساهم في تضييق الفجوات الاجتماعية أو تعميقها، تبعًا لطريقة صياغة السياسات وتنفيذها. ويؤكدون ضرورة اعتبار تقليص عدم المساواة مبدأً حاكمًا في قرارات المناخ، بدل الاقتصار على تعويض الفئات المتضررة من التحول البيئي.
ورغم أن دولًا عدة اعتمدت إطار “الانتقال العادل” في استراتيجياتها المناخية، مثل جنوب أفريقيا في إطارها المعتمد عام 2022، والمكسيك في وثيقة المساهمات المحددة وطنيًا الجديدة، إلا أن الاعتبارات المتعلقة بالعدالة تظل ضعيفة عند التطبيق. ويتضح ذلك من خلال عدد من الأمثلة.
الوظائف الخضراء
غالبًا ما توصف بأنها أكثر استقرارًا وجودة، لكن نتائج دراسة في كولومبيا تظهر أن المستفيد الأكبر منها هم فئات تمتلك أصلًا مزايا اجتماعية؛ مثل الرجال في المدن ممن لديهم تعليم جامعي، بينما تظل النساء والشباب وسكان المناطق الريفية خارج دائرة الفرص.
البنى التحتية الخضراء
توضح التجارب أن ملكية مشروعات الطاقة المتجددة، كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، تبقى في أيدي شركات كبرى متعددة الجنسيات.
ففي جنوب أفريقيا، انتقدت نقابة “نومسا” برنامج الطاقة المتجددة لأنه حمّل الدولة المخاطر وحافظ على ارتفاع تكلفة الكهرباء، في حين استفاد منه بالأساس المستثمرون والمؤسسات المالية.

سياسات الحماية البيئية
تشمل المناطق المحمية أو آليات تعويض فقدان التنوع البيولوجي. وغالبًا ما تُطبّق هذه السياسات بصورة مركزية، ما يؤدي إلى إقصاء المجتمعات المحلية وتهميش دورها.
ويبرز من خلال هذه الأمثلة أن معالجة عدم المساواة تتطلب أكثر من مجرد إضافة عنصر اجتماعي إلى البرامج البيئية.
ففي كولومبيا، أظهرت النتائج أهمية سياسات مبكرة تستهدف الفجوات في سوق العمل، ومنها دمج مهارات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة في التعليم الفني والمهني، واعتماد مقاربات تراعي النوع الاجتماعي وتستجيب لاحتياجات كل منطقة.
كما أن دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ضروري لتمكينها من خلق فرص العمل، خصوصًا أن العديد منها يعمل في ظروف غير رسمية ويعتمد استراتيجيات للبقاء فقط.
وتبيّن أن هذه المؤسسات مستبعدة من خطط “الانتقال العادل” في جنوب أفريقيا.
وتبرز أيضًا الحاجة إلى إصلاح السياسات الضريبية. فضرائب الكربون ليست محايدة، وتؤثر بشكل مختلف على فئات الدخل.
ففي إندونيسيا، أظهرت محاكاة بحثية أن فرض ضريبة كربون بقيمة 30 يورو للطن يزيد الأعباء قليلًا على أسر الدخل المنخفض والمتوسط، لكن إعادة توزيع العائدات عبر تحويلات نقدية موجهة للأسر الفقيرة يحقق نتائج إيجابية ويقلص الفوارق.
وتعد ديمقراطية ملكية مشروعات الطاقة أحد أهم عناصر تحقيق الانتقال العادل.
وتشير الأدلة إلى أن المشروعات المملوكة للمجتمعات أو المستخدمين تعزز الشمولية والاستفادة المحلية، كما هو الحال في تجربة تعاونية صيد الأسماك في “ريو لاجارتوس” بالمكسيك، التي استثمرت في آلة ثلج تعمل بالطاقة الشمسية، ما قلل التكاليف ورفع الدخل المحلي.
إن استمرار عدم المساواة يهدد جهود المناخ عالميًا، بينما يتيح تضمين خفض الفوارق الاجتماعية في السياسات البيئية فرصة لتحقيق تحول أكثر شمولًا وعدالة.
وتوفر التجارب الدولية الدروس اللازمة لصانعي السياسات، في وقت تتقدم فيه المناقشات حول العدالة والمناخ، ومنها توصية لجنة الخبراء المستقلة ضمن مجموعة العشرين بإنشاء هيئة عالمية ترشد الدول إلى كيفية دمج هدف خفض عدم المساواة في مسارات التنمية.





