أهم الموضوعاتأخبارالاقتصاد الأخضر

البرازيل تضع العالم أمام اختبار تاريخي.. أول خريطة طريق عالمية للتخلص من الوقود الأحفوري

خريطة طريق برازيلية لإنقاذ المناخ.. الطاقة المتجددة وتقليص دعم الوقود الأحفوري في الصدارة

خارطة طريق تدعو إلى تسريع التحول للطاقة المتجددة وخفض دعم الفحم والنفط والغاز.. وخبراء يحذرون من غياب الجداول الزمنية والأهداف الملزمة

في خطوة جديدة قد تمثل تحولًا مهمًا في مسار العمل المناخي العالمي، أعلنت البرازيل، الثلاثاء، أول خريطة طريق عالمية للتخلص التدريجي من الاعتماد على الوقود الأحفوري، بما يشمل الفحم والنفط والغاز الطبيعي، مؤكدة أن الدول تستطيع البدء فورًا في تقليص اعتمادها على هذه المصادر دون انتظار ظهور تكنولوجيات جديدة أو حدوث تحولات اقتصادية كبرى.

وتأتي المبادرة البرازيلية في محاولة لنقل الجهود الدولية لمواجهة تغير المناخ من مرحلة التفاوض على الاتفاقيات والتعهدات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، مع التأكيد على إمكانية تحقيق النمو الاقتصادي والحد من الفقر بالتوازي مع التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري.

وتستند خريطة الطريق إلى مجموعة من الإجراءات التي يمكن للدول تبنيها وفقًا لظروفها الاقتصادية ومستوى اعتمادها على مصادر الطاقة التقليدية، وفي مقدمتها التوسع في توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، وتقليص الدعم الحكومي الموجه لإنتاج الوقود الأحفوري واستهلاكه، والحد من انبعاثات غاز الميثان الناتجة عن عمليات استخراج النفط والغاز.

البرازيل: حان وقت تنفيذ تعهدات المناخ

قال أندريه كوريا دو لاجو، رئيس مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP30، إن خرائط الطريق تستهدف تغيير طبيعة العمل داخل مؤتمرات المناخ السنوية، بحيث لا يقتصر دورها على التفاوض بشأن الاتفاقيات الدولية، وإنما يمتد إلى تنسيق تنفيذ التعهدات التي سبق الاتفاق عليها.

وأوضح أن الجهات المسؤولة عن التفاوض الدولي ليست بالضرورة الجهات نفسها التي تتولى تنفيذ السياسات المناخية، مشيرًا إلى أهمية مشاركة وزارات المالية والنقل والطاقة والبنية التحتية في وضع الخطط الوطنية اللازمة للتحول.

وأضاف أن كل دولة لديها ظروف اقتصادية وطاقوية مختلفة، ولذلك ينبغي أن تبدأ بتقييم مستوى اعتمادها على الوقود الأحفوري، ثم اختيار السياسات والإجراءات الأكثر ملاءمة لتقليل هذا الاعتماد.

غابات الأمازون
البرازيل: حان وقت تنفيذ تعهدات المناخ

غياب الجداول الزمنية يثير انتقادات خبراء المناخ

رغم أهمية الخطوة البرازيلية، فإنها لم تخلُ من الانتقادات، خصوصًا فيما يتعلق بغياب المواعيد الزمنية المحددة والأهداف المرحلية التي يمكن من خلالها قياس مدى التقدم في تنفيذ التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري.

وقال جوري روجيلي، أستاذ علوم وسياسات المناخ في إمبريال كوليدج لندن، إن خرائط الطريق تمثل تقدمًا مهمًا، لكنها لا تحدد بوضوح سرعة التغيير المطلوبة، كما أنها تفتقر إلى الجداول الزمنية والمعايير الرئيسية لقياس التنفيذ.

وأشار إلى أن غياب هذه العناصر يترك تساؤلات بشأن حجم الإجراءات المطلوبة لتحقيق الهدف النهائي لاتفاق باريس للمناخ، والمتمثل في إبقاء ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض أقل بكثير من درجتين مئويتين، مع مواصلة الجهود لحصره عند 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية.

وتكمن أهمية هذا الانتقاد في أن إعلان مسارات التحول لا يعني بالضرورة تنفيذها بالسرعة المطلوبة، خصوصًا في الدول التي تعتمد اقتصاداتها وميزانياتها العامة على إنتاج وتصدير النفط والغاز والفحم.

خفض انبعاثات الميثان وتقليص دعم الوقود الأحفوري

تتضمن خريطة الطريق البرازيلية عددًا من الإجراءات التي يمكن أن تحقق نتائج مناخية سريعة، من بينها إلزام منتجي النفط والغاز بالعمل على الحد من حرق الغاز المصاحب لعمليات الاستخراج، ومنع تسربه أو إطلاقه مباشرة إلى الغلاف الجوي.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية كبيرة لأن الميثان من غازات الاحتباس الحراري شديدة التأثير، إذ تصل قدرته على إحداث الاحترار إلى نحو 80 ضعف ثاني أكسيد الكربون على مدى 20 عامًا.

كما تدعو الخريطة إلى مراجعة الدعم الحكومي الموجه لإنتاج الوقود الأحفوري واستهلاكه، وإعادة توجيه الاستثمارات نحو مشروعات الطاقة المتجددة، بما يسهم في تسريع التحول في أنظمة الطاقة وتقليل الانبعاثات.

حرق الوقود الأحفوري هو المحرك الرئيسي لأزمة المناخ
خفض انبعاثات الميثان وتقليص دعم الوقود الأحفوري

500 مليار دولار سنويًا لحماية الغابات بحلول 2050

لم تقتصر المبادرة البرازيلية على التحول في قطاع الطاقة، بل تضمنت خريطة طريق أخرى تستهدف وقف إزالة الغابات وعكس مسار تدهورها، باعتبار الغابات الاستوائية أحد أهم مخازن الكربون الطبيعية على مستوى العالم.

وتشير التقديرات الواردة في الخريطة إلى أن تمويل حماية الغابات قد يحتاج إلى نحو 300 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2030، مع ارتفاع الاحتياجات إلى 500 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2050.

في المقابل، لا تتجاوز التمويلات المتاحة حاليًا نحو 85 مليار دولار سنويًا، وهو ما يكشف فجوة تمويلية ضخمة تهدد قدرة الدول على حماية الغابات الاستوائية ومواجهة الأنشطة الاقتصادية التي تؤدي إلى تدميرها.

وتشمل المناطق الأكثر احتياجًا إلى التمويل غابات الأمازون في أمريكا الجنوبية، وغابات حوض الكونغو في أفريقيا، والغابات الاستوائية في جنوب شرق آسيا، التي تتعرض لضغوط متزايدة بسبب الحرائق والتوسع الزراعي والأنشطة المرتبطة بإنتاج زيت النخيل.

كما تؤكد خريطة الطريق أهمية تنظيم التجارة بين الدول التي تمتلك مساحات واسعة من الغابات والدول المستهلكة، من خلال تعزيز الرقابة على سلاسل الإمداد ومنع تسويق المنتجات المرتبطة بإزالة الغابات وتدمير النظم البيئية.

صندوق الغابات الاستوائية.. تمويل جديد لحماية الطبيعة

كانت البرازيل قد أطلقت خلال مؤتمر COP30 مبادرة صندوق الغابات الاستوائية الدائم، بهدف توفير تمويل طويل الأجل للحفاظ على الغابات والحد من إزالة الأشجار.

ووفقًا للمعلومات المنشورة، ساهمت المملكة المتحدة بنحو 400 مليون جنيه إسترليني في المبادرة، بينما بلغت مساهمات الدول الأخرى مجتمعة نحو 7 مليارات دولار.

ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا لأهمية توفير مصادر تمويل مستدامة للدول النامية التي تتحمل أعباء حماية الغابات والتنوع البيولوجي، رغم محدودية مواردها المالية واحتياجاتها التنموية.

الغابات الأستوائية
صندوق الغابات الاستوائية.. تمويل جديد لحماية الطبيعة

البرازيل تخفض إزالة الغابات بنحو 70%

تأتي هذه المبادرة في وقت تسعى فيه البرازيل إلى تعزيز سجلها البيئي، بعدما شهدت معدلات إزالة الغابات انخفاضًا بنحو 70% خلال السنوات الأربع الأخيرة من حكم الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وفقًا لما أورده التقرير.

ويمثل هذا التراجع أحد أبرز المؤشرات على إمكانية الجمع بين السياسات الحكومية لحماية الطبيعة ومكافحة إزالة الغابات، وبين تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية.

لكن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في تحويل المبادرات الدولية إلى سياسات وطنية قابلة للتنفيذ، خصوصًا في الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط والغاز والفحم، أو تواجه احتياجات متزايدة لتأمين الطاقة وتوفير فرص العمل.

من COP30 إلى COP31.. اختبار جديد لمستقبل الطاقة العالمية

تمثل خرائط الطريق التي أعلنتها البرازيل امتدادًا للخلافات التي شهدها مؤتمر COP30 بمدينة بيليم في نوفمبر 2025، عندما احتدم الجدل بشأن إدراج التزامات واضحة للتخلص من الوقود الأحفوري ضمن القرارات الختامية للمؤتمر.

وانتهت المفاوضات إلى التوافق على إعداد خريطتي طريق؛ الأولى للتحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري في أنظمة الطاقة بطريقة عادلة ومنظمة ومنصفة، والثانية لوقف إزالة الغابات وعكس مسار تدهورها.

وتختلف هذه المبادرة عن الخطط الوطنية التي تعمل عليها مجموعة الدول المشاركة في مبادرة سانتا مارتا بكولومبيا، حيث اتفقت نحو 60 دولة على تشكيل تحالف للدول الراغبة في تسريع التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري، وإعداد خرائط طريق وطنية أكثر تحديدًا من حيث السياسات والإجراءات.

وشملت الدول التي أعدت خططًا وطنية في هذا الإطار ألمانيا وفرنسا وهولندا.

ومع اقتراب مؤتمر COP31 في أنطاليا التركية خلال نوفمبر 2026، تتجه الأنظار إلى قدرة الدول على الانتقال من التعهدات المناخية إلى التنفيذ، ومدى استعداد الحكومات لتبني سياسات تسرّع التحول في أنظمة الطاقة وتوفر التمويل اللازم لحماية الغابات.

وتكشف المبادرة البرازيلية عن تحول مهم في النقاش المناخي العالمي، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا جوهريًا: هل يمتلك العالم الإرادة السياسية والتمويل الكافي للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، أم ستظل خرائط الطريق مجرد وثائق طموحة دون التزامات زمنية واضحة؟

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى