الاقتصاد الدائري في إفريقيا.. إصلاح وإعادة تدوير النفايات يفتحان فرصًا للتنمية المستدامة
34 دولة إفريقية تحظر الأكياس البلاستيكية.. وخطط لتوسيع إعادة التدوير واسترداد الموارد
تعتمد مجتمعات عديدة في المدن الإفريقية على إصلاح الأجهزة المنزلية وإعادة استخدام الملابس وتدوير المخلفات بدلًا من التخلص منها، في ممارسات تمثل أساسًا للاقتصاد الدائري، الذي يهدف إلى إبقاء المنتجات والمواد قيد الاستخدام لأطول فترة ممكنة، وتقليل استنزاف الموارد الطبيعية وتراكم النفايات.
فعندما تتعطل ثلاجة، لا ينتهي الأمر بالضرورة بإلقائها في القمامة، إذ يمكن إصلاحها وإعادة بيعها، أو تفكيكها للاستفادة من قطع غيارها، أو جمع مكوناتها المعدنية لإعادة تدويرها.
كما يمكن تعديل الملابس القديمة أو تحويلها إلى منتجات جديدة، في حين تُستخدم بقايا المحاصيل الزراعية، مثل السيقان والأوراق، في إنتاج أعلاف الحيوانات والسماد والوقود الحيوي.
وتنشأ هذه الممارسات في كثير من الأحيان استجابةً للظروف الاقتصادية، إذ تدفع محدودية الدخل وارتفاع تكلفة استبدال الأجهزة والملابس إلى إطالة عمر المنتجات، كما يسهم ضعف خدمات جمع النفايات في تشجيع إعادة الاستخدام والاستفادة من المخلفات.
لكن هذه الأنشطة لا تمثل مجرد حلول اضطرارية، بل تعد جزءًا من مفهوم الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على الحفاظ على قيمة المنتجات والمواد والموارد لأطول فترة ممكنة، بدلًا من النموذج التقليدي الذي يعتمد على استخراج الموارد الطبيعية وتصنيع المنتجات واستهلاكها ثم التخلص منها.
ووفقًا لبحث حديث أعده متخصصون في الاقتصاد الدائري والاستدامة، فإن ممارسات الإصلاح وإعادة الاستخدام وإعادة البيع واسترداد المواد وتحويل المخلفات العضوية إلى موارد إنتاجية موجودة بالفعل في اقتصادات إفريقية عديدة، ما يستدعي دعمها وتطويرها وتوسيع نطاقها بدلًا من استبدالها بنماذج مستوردة لا تراعي بالضرورة الظروف المحلية.

تقدم متفاوت في تطبيق الاقتصاد الدائري بإفريقيا
رصدت الدراسة مجموعة من السياسات والمبادرات التي أطلقتها دول إفريقية لدعم جوانب مختلفة من الاقتصاد الدائري، لكنها أشارت إلى أن هذه الجهود لا تزال متفاوتة بين الدول، وأن تطبيق النموذج الدائري لم يتحقق بالقدر نفسه في جميع أنحاء القارة.
ووفقًا للدراسة، فرضت 34 دولة إفريقية حظرًا على الأكياس البلاستيكية بدرجات متفاوتة، فيما أنشأت رواندا وإثيوبيا وغانا ونيجيريا وجنوب إفريقيا والمغرب منشآت لمعالجة النفايات الإلكترونية، إلى جانب مشروعات لتحويل المخلفات إلى طاقة.
كما تبنت كينيا قواعد تُحمّل الشركات المصنعة مسؤولية المساهمة في جمع منتجاتها وإعادة تدويرها بعد انتهاء المستهلكين من استخدامها، بما يساعد على إبقاء المواد داخل الدورة الاقتصادية وتقليل النفايات.
وفي رواندا، اتخذت السلطات خطوات لمكافحة التلوث البلاستيكي وتطوير مرافق لمعالجة النفايات الإلكترونية، بينما وضعت جنوب إفريقيا قواعد للمسؤولية الممتدة للمنتِج، تلزم الشركات بالمساهمة في إدارة منتجاتها بعد بيعها، بما يشمل جمعها وإعادة استخدامها وتدويرها.
أما كينيا، فقد اتخذت إجراءات مهمة للحد من استخدام الأكياس البلاستيكية أحادية الاستخدام، في حين أطلقت غانا شراكة وطنية للعمل بشأن البلاستيك تجمع الحكومة وقطاع الأعمال والمجتمع المدني.
وفي نيجيريا، يجري العمل على تطوير خارطة طريق وطنية للاقتصاد الدائري، بالتوازي مع مبادرات تربط جامعي النفايات غير الرسميين بأسواق إعادة التدوير، بما يساعد على تحويل المخلفات إلى موارد اقتصادية.
وتشير هذه التجارب إلى وجود فرص لتوسيع الاقتصاد الدائري في قطاعات متعددة، من بينها الزراعة والنظم الغذائية والصناعة والطاقة والمياه والصرف الصحي.
لماذا لا تزال جهود إعادة التدوير محدودة؟
رغم المبادرات القائمة، تواجه الدول الإفريقية عقبات تحد من قدرتها على توسيع نطاق الاقتصاد الدائري، أبرزها ضعف خدمات جمع النفايات في العديد من المدن، ومحدودية عدد منشآت إعادة التدوير، ونقص التمويل والمعدات والقدرات الفنية لدى السلطات المحلية.
كما يمكن أن تؤدي الاضطرابات السياسية وعدم استقرار إمدادات الكهرباء إلى صعوبة الاستثمار طويل الأجل في مشروعات إعادة التدوير واسترداد الموارد.
وتحذر الدراسة من أن تبني سياسات رسمية للاقتصاد الدائري لا يعني بالضرورة نجاح تطبيقها على أرض الواقع؛ إذ تحتاج هذه السياسات إلى بنية تحتية فعالة وآليات تنفيذ ورقابة، فضلًا عن تمويل مستدام وقدرات فنية مناسبة.
وتلفت النتائج إلى أن الاقتصار على استيراد نماذج تعتمد على منشآت متقدمة لإدارة النفايات وتقنيات مرتفعة التكلفة قد لا يكون الحل الأمثل في جميع الحالات، خصوصًا إذا كانت المخلفات لا تُجمع من الأساس أو تصل إلى مرافق المعالجة ملوثة بدرجة تحول دون إعادة تدويرها بكفاءة.
لذلك، ينبغي أن تبدأ جهود التحول نحو الاقتصاد الدائري من الأساسيات، وفي مقدمتها جمع النفايات وفرزها والتخلص الآمن منها، قبل التوسع في الاستثمارات التكنولوجية المعقدة.

خطة الاتحاد الإفريقي للاقتصاد الدائري
تتضمن خطة العمل القارية للاقتصاد الدائري التابعة للاتحاد الإفريقي للفترة من 2024 إلى 2034 توجهات يمكن أن تساعد الدول على تطوير هذا النموذج، لكن نجاحها يتوقف على مدى تطبيقها في المجتمعات المحلية وتحويل أهدافها إلى إجراءات عملية.
وبالنسبة إلى العديد من الدول، قد يكون تحسين خدمات جمع النفايات وفرزها وتطوير البنية التحتية الأساسية أكثر إلحاحًا من الاستثمار المبكر في تقنيات متقدمة، خاصة في المناطق التي لا تزال تعاني قصورًا في خدمات إدارة المخلفات.
كما يتطلب توسيع نطاق الاقتصاد الدائري توفير التمويل للمشروعات المحلية، وتطوير المهارات الفنية، وتحسين التنسيق بين السلطات العامة والشركات والمجتمعات المحلية، بما يتيح تحويل المبادرات الصغيرة والناجحة إلى أنشطة اقتصادية أوسع نطاقًا.

العمالة غير الرسمية عنصر أساسي في الاقتصاد الدائري
يؤدي العاملون في القطاع غير الرسمي دورًا محوريًا في منظومة الاقتصاد الدائري في إفريقيا، ومن بينهم جامعو المواد القابلة للاسترداد، والعاملون في إصلاح الأجهزة، وتجار السلع المستعملة، والمزارعون والمشروعات الصغيرة التي تعيد استخدام المخلفات وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة.
وترى الدراسة أن هؤلاء العاملين يحتاجون إلى دعم حكومي يشمل التدريب، وتوفير ظروف عمل أكثر أمانًا، وإتاحة أماكن مناسبة لممارسة أنشطتهم، وضمان تعويضات عادلة، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية.
كما أن دمج العاملين في منظومة الاقتصاد الدائري الرسمية، مع حماية مصادر دخلهم، يمكن أن يساعد على بناء نظام أكثر كفاءة وشمولًا، بدلًا من إقصاء الأنشطة القائمة التي تعتمد عليها قطاعات واسعة من السكان.
وتؤكد النتائج أن تقييم نجاح سياسات الاقتصاد الدائري ينبغي ألا يقتصر على قياس كميات النفايات التي جرى تحويلها بعيدًا عن المدافن، بل يجب أن يشمل أيضًا مدى استفادة السكان من هذه الأنشطة، وتحسن ظروف عمل العاملين في إعادة التدوير، وإمكانية حصول المستهلكين على المنتجات المستردة بأسعار مناسبة، واستمرار المشروعات المحلية في تحقيق الجدوى الاقتصادية.
من إعادة الاستخدام إلى اقتصاد دائري أكثر استدامة
تؤكد الدراسة أن تعزيز الاقتصاد الدائري في إفريقيا يتطلب تعاون الحكومات والشركات والمجتمعات المحلية والباحثين والعاملين في القطاع غير الرسمي، مع الاستفادة من الخبرات والممارسات الموجودة بالفعل داخل المجتمعات الإفريقية.
فثقافة إصلاح المنتجات وإعادة استخدامها متجذرة في العديد من الدول، كما توجد مشروعات ورواد أعمال يحولون المواد المستعملة والمخلفات إلى موارد اقتصادية، وهو ما يوفر قاعدة يمكن البناء عليها لتوسيع أنشطة الاقتصاد الدائري.
ولا يتمثل التحدي الأساسي في استيراد نموذج جاهز، بل في تطوير هذه الممارسات المحلية، وتوفير التمويل والبنية التحتية والمهارات والسياسات الداعمة لها، بما يسمح بتوسيع نطاقها دون الإضرار بالنظم الاجتماعية والاقتصادية التي تستند إليها.
ومن شأن هذا التوجه أن يساعد على تقليل النفايات، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وخلق فرص اقتصادية، ودعم التحول نحو أنماط إنتاج واستهلاك أكثر استدامة في القارة الإفريقية.





