الاحترار العالمي ليس تغير المناخ.. ما الفرق بين المصطلحين وكيف يقيس العلماء أزمة الكوكب؟
درجة حرارة واحدة لا تكفي لفهم أزمة المناخ.. من ارتفاع الحرارة إلى تحمّض المحيطات.. كيف تتعدد آثار تغير المناخ على الأرض؟
يستخدم كثيرون مصطلحي «الاحترار العالمي» و«تغير المناخ» باعتبارهما تعبيرين عن الظاهرة نفسها، لكن العلماء يميزون بينهما عند رصد التحولات التي يشهدها كوكب الأرض. فالاحترار العالمي يشير تحديدًا إلى الارتفاع طويل الأمد في متوسط درجة حرارة سطح الأرض، بينما يشمل تغير المناخ نطاقًا أوسع من التحولات التي تطال درجات الحرارة والأمطار والثلوج والرياح ومستويات البحار وكيمياء المحيطات.
وتوضح التعريفات التي تعتمدها وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» والإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي «NOAA» أن فهم أزمة المناخ لا يتوقف عند قياس ارتفاع درجات الحرارة، بل يتطلب متابعة مجموعة من المؤشرات الفيزيائية والبيئية التي تكشف كيف تتغير أنظمة الأرض، وكيف تنعكس هذه التحولات على النظم البيئية والأنشطة البشرية.
الاحترار العالمي.. مؤشر لارتفاع حرارة الكوكب
تعرّف وكالة ناسا الاحترار العالمي بأنه الارتفاع طويل الأمد في متوسط درجة حرارة سطح الأرض. ويُعد هذا المؤشر أحد أبرز المقاييس المستخدمة لتتبع الاحترار المرتبط بزيادة تركيز غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، خصوصًا ثاني أكسيد الكربون الناتج عن حرق الفحم والنفط والغاز الطبيعي.
ويعمل معهد غودارد لدراسات الفضاء التابع لناسا على حساب التغيرات في متوسط درجة حرارة الأرض، اعتمادًا على بيانات آلاف محطات الرصد الجوي، إلى جانب قياسات درجات حرارة سطح البحر التي تجمعها السفن والعوامات البحرية.
ووفقًا للبيانات الواردة في التقرير الأصلي، بلغ متوسط درجة حرارة الأرض خلال عام 2025 نحو 1.19 درجة مئوية فوق متوسط الفترة من 1951 إلى 1980، لتأتي السنة في مستوى إحصائي مماثل لعام 2023، بينما ظل عام 2024 الأشد حرارة في السجل الذي يعود إلى عام 1880.
وتشير بيانات ناسا إلى أن السنوات العشر الأخيرة كانت الأشد حرارة في سجل الوكالة الممتد لنحو 146 عامًا، وهو ما يعكس استمرار الاتجاه التصاعدي في درجات حرارة الكوكب.
ولا يعني ذلك أن الاحترار العالمي يصف جميع آثار الأزمة المناخية؛ فهو يقيس اتجاهًا محددًا يتعلق بدرجات الحرارة، بينما تتطلب بقية التحولات مؤشرات وقياسات أخرى.
تغير المناخ.. مظلة أوسع من درجات الحرارة
تستخدم الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي مصطلح تغير المناخ لوصف التحولات المهمة والمستمرة في مؤشرات المناخ على مدى عقود أو فترات أطول. وتشمل هذه المؤشرات درجات الحرارة، وأنماط هطول الأمطار، والغطاء الثلجي، والرياح، والتوقيت الموسمي للظواهر الطبيعية.
وتشمل التغيرات المرتبطة بالاحترار ارتفاع مستوى سطح البحر، وانحسار الأنهار الجليدية الجبلية، وتسارع فقدان الجليد في جرينلاند والقارة القطبية الجنوبية، إلى جانب تغير مواعيد تفتح الأزهار وبدء الربيع في مناطق مختلفة من العالم.
وتكمن أهمية هذا التمييز في أن تغير المناخ لا يقتصر على ارتفاع الحرارة، بل يشمل استجابات مترابطة في الغلاف الجوي والمحيطات واليابسة والأنظمة البيولوجية.
كما أن تغير المناخ، وفقًا للتعريف العلمي، قد ينتج عن عوامل طبيعية أو بشرية أو عن تفاعلهما معًا. فقد أدى ثوران بركان جبل تامبورا في إندونيسيا عام 1815 إلى إطلاق كميات كبيرة من المواد البركانية في الغلاف الجوي، وأسهم في تبريد مناطق من نصف الكرة الشمالي، لتشهد أجزاء من العالم، ومنها نيو إنجلاند، صقيعًا صيفيًا وفشلًا في المحاصيل عام 1816، الذي عُرف باسم «عام بلا صيف».
وعلى مدى زمني أطول، ارتبطت العصور الجليدية بتغيرات دورية بطيئة في مدار الأرض وميل محورها، تُعرف باسم دورات ميلانكوفيتش.
لكن الاحترار العالمي في سياق الأزمة الحالية يرتبط أساسًا بالاتجاه طويل الأمد لارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض، المدفوع بدرجة كبيرة بزيادة غازات الدفيئة الناتجة عن الأنشطة البشرية.
تحمّض المحيطات.. أثر مناخي لا يتوقف على ارتفاع الحرارة
يُعد تحمّض المحيطات أحد أوضح الأمثلة على أهمية الفصل بين الاحترار العالمي وتغير المناخ. فالمحيطات تمتص جزءًا كبيرًا من ثاني أكسيد الكربون المنبعث إلى الغلاف الجوي، وعندما يذوب الغاز في مياه البحر تتغير كيمياء المياه نتيجة تكوّن حمض الكربونيك وانخفاض الرقم الهيدروجيني.
ووفقًا للمختبر البيئي البحري للمحيط الهادئ التابع للإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي، انخفض الرقم الهيدروجيني لمياه المحيطات السطحية بنحو 0.1 وحدة منذ بداية الثورة الصناعية. وبما أن مقياس الرقم الهيدروجيني لوغاريتمي، فإن هذا الانخفاض يعادل زيادة في الحموضة بنحو 30%.
ويمثل هذا التحول تهديدًا للكائنات البحرية التي تعتمد على كربونات الكالسيوم في بناء أصدافها وهياكلها، بما في ذلك المحار وبعض الكائنات البحرية الدقيقة التي تشكل جزءًا مهمًا من السلاسل الغذائية.
وتكمن خطورة الظاهرة في أنها ترتبط بامتصاص المحيطات لثاني أكسيد الكربون، وليس بارتفاع درجة حرارة المياه وحده. ولذلك فإن الحد من الاحترار لا يعني تلقائيًا وقف تحمّض المحيطات أو عكس آثاره، ما لم تنخفض أيضًا انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتتراجع كمياته المتراكمة في النظام البحري.
ارتفاع مستوى سطح البحر.. الرابط المباشر بين الاحترار العالمي وتغير المناخ
على الجانب الآخر، يمثل ارتفاع مستوى سطح البحر أحد أبرز الأمثلة على الترابط المباشر بين الاحترار العالمي وتغير المناخ.
ويحدث هذا الارتفاع أساسًا من خلال آليتين؛ الأولى هي التمدد الحراري، إذ تشغل المياه الدافئة حجمًا أكبر من المياه الباردة، والثانية ذوبان الجليد الموجود على اليابسة، بما في ذلك الأنهار الجليدية والكتل الجليدية في جرينلاند والقارة القطبية الجنوبية، ثم انتقال المياه الناتجة عن الذوبان إلى المحيطات.
وتتابع مختبرات ناسا، ومنها مختبر الدفع النفاث، مستوى سطح البحر باستخدام القياسات الفضائية منذ عام 1992، عندما بدأت مهمة القمر الصناعي الأمريكي الفرنسي «TOPEX/Poseidon».
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير الأصلي، ارتفع مستوى سطح البحر العالمي بنحو 10 سنتيمترات منذ بدء سجل القياسات الفضائية، كما تضاعف معدل الارتفاع السنوي بأكثر من مرتين خلال هذه الفترة.
ومع ذلك، لا يتحرك مستوى سطح البحر بالمعدل نفسه كل عام؛ إذ تتأثر القياسات السنوية بتغيرات المناخ الطبيعي، ومنها ظاهرة النينيا، التي يمكن أن تغير توزيع المياه بين اليابسة والمحيطات.
وذكر التقرير أن ارتفاع مستوى البحر خلال عام 2024 بلغ نحو 0.59 سنتيمتر، مقارنة بمعدل طويل الأمد متوقع يبلغ 0.44 سنتيمتر. وفي المقابل، تباطأ الارتفاع خلال عام 2025 إلى نحو 0.08 سنتيمتر، وفق الأرقام الواردة في التقرير، وهو ما ربطه الباحثون بتأثيرات ظاهرة النينيا وزيادة احتفاظ حوض الأمازون بكميات غير معتادة من مياه الأمطار.
ولا يعني هذا التباطؤ المؤقت انتهاء اتجاه ارتفاع مستوى البحر؛ إذ يمكن أن تعود الزيادة إلى التسارع مع انتقال المياه المحتجزة على اليابسة إلى المحيطات.
وتكتسب هذه التغيرات أهمية خاصة للمدن الساحلية والدول المنخفضة، حيث يزيد ارتفاع مستوى البحر من مخاطر الفيضانات الساحلية وتآكل الشواطئ وتسرب المياه المالحة إلى مصادر المياه العذبة.
كيف ظهر مصطلح الاحترار العالمي في الأدبيات العلمية؟
يعود الاستخدام المبكر لمصطلح «الاحترار العالمي» في ورقة علمية إلى أغسطس 1975، عندما نشر عالم الجيوكيمياء والباحث المناخي والاس بروكر دراسة في مجلة «Science» بعنوان «التغير المناخي: هل نحن على أعتاب احترار عالمي ملحوظ؟».
وحذر بروكر من أن فترة التبريد الطبيعي التي كانت تشهدها الأرض قد تفسح المجال أمام اتجاه معاكس تقوده زيادة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
وعمل بروكر لعقود في مرصد لامونت دوهيرتي للأرض التابع لجامعة كولومبيا، وأصبح أحد أبرز الباحثين الذين أسهموا في تطوير فهم العلماء لدور المحيطات ودورة الكربون في النظام المناخي.
أما مصطلح «تغير المناخ»، فقد استُخدم في الأدبيات العلمية قبل ذلك، واكتسب حضورًا دوليًا واسعًا مع تأسيس الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ عام 1988، التي أصبحت مرجعًا أساسيًا لتقييم الأدلة العلمية المتعلقة بتغير المناخ وآثاره وخيارات التعامل معه.
ومنذ ذلك الوقت، يستخدم الباحثون المصطلحين وفقًا للسياق؛ فالاحترار العالمي يصف الاتجاه التصاعدي في درجات الحرارة، بينما يشمل تغير المناخ مجموعة أوسع من التحولات التي تحدث في النظام المناخي.

المصطلحات المناخية تؤثر في فهم الجمهور للأزمة
لا يقتصر الاختلاف بين المصطلحين على الجانب العلمي، بل يمتد إلى طريقة فهم الجمهور لأزمة المناخ.
ففي يناير 2014، أجرى برنامج جامعة ييل للتواصل بشأن تغير المناخ، بالتعاون مع مركز جامعة جورج ماسون للتواصل بشأن تغير المناخ، دراسة استقصائية اختبرت تأثير استخدام مصطلحي «الاحترار العالمي» و«تغير المناخ» في تشكيل آراء الأمريكيين.
ووفقًا للتقرير الأصلي، سجل مصطلح «الاحترار العالمي» درجات أعلى في معظم المؤشرات التي شملتها الدراسة، ومنها الاعتقاد بحدوث الظاهرة، وفهم الدور البشري في التسبب فيها، والتفاعل العاطفي معها، وتأييد اتخاذ إجراءات على المستوى الفردي والوطني.
لكن هذه النتائج تعود إلى دراسة أُجريت عام 2014، ولا تكفي وحدها لإثبات أن الفارق نفسه لا يزال قائمًا لدى الجمهور اليوم، خصوصًا في ظل تغير الخطاب العام وتزايد آثار الظواهر المناخية المتطرفة.
ويفضل العلماء استخدام مصطلح «تغير المناخ» عندما يريدون وصف الصورة الكاملة للتحولات المرصودة، بينما يظل مصطلح «الاحترار العالمي» ضروريًا عند الحديث تحديدًا عن ارتفاع متوسط درجات الحرارة.
كيف يمكن للأفراد المساهمة في رصد تغير المناخ؟
لا تقتصر مراقبة التغيرات المناخية على الأقمار الصناعية والمختبرات المتخصصة، إذ تتيح بعض المبادرات العلمية للجمهور المشاركة في جمع البيانات البيئية التي تساعد الباحثين على فهم التحولات المحلية والإقليمية.
ومن بين هذه المبادرات شبكة «CoCoRaHS» الأمريكية، التي تجمع بيانات الأمطار والبرد والثلوج من خلال متطوعين، إضافة إلى برنامج «NASA GLOBE Observer» الذي يتيح تسجيل ملاحظات عن الغطاء السحابي وارتفاع الأشجار وبعض البيئات الطبيعية باستخدام الهواتف المحمولة.
كما تتيح مبادرة «Nature’s Notebook» التابعة للشبكة الأمريكية لرصد الظواهر الموسمية تسجيل مواعيد تفتح أوراق النباتات وهجرة الحيوانات، وهي مؤشرات مهمة لفهم كيفية استجابة الأنظمة البيولوجية لتغير المناخ.
وتساعد هذه البيانات، إلى جانب سجلات درجات الحرارة ومستويات البحار وكيمياء المحيطات، في تكوين صورة أكثر شمولًا عن التحولات التي يشهدها الكوكب.
وفي النهاية، فإن قياس الاحترار العالمي يجيب عن سؤال محدد: إلى أي مدى ترتفع حرارة الأرض؟ أما رصد تغير المناخ فيجيب عن سؤال أوسع: كيف يتغير النظام المناخي، وما آثار هذه التحولات على المياه والمحيطات والأنظمة البيئية والحياة البشرية؟






