تكلفة الإجراءات المناخية تقلل التأييد الشعبي أكثر مما تزيده فوائدها
الشفافية والعدالة أهم من الشعارات في إنجاح سياسات المناخ
كشفت دراسة حديثة، أن تأييد المواطنين لسياسات مكافحة تغير المناخ لا يعتمد فقط على اقتناعهم بضرورة مواجهة الأزمة المناخية، بل يتأثر بدرجة أكبر بطريقة عرض تكاليف هذه السياسات، وفوائدها، وعدالة توزيع آثارها الاقتصادية على مختلف فئات المجتمع.
ونشرت الدراسة في دورية West European Politics، وقادها باحثون من الجامعة المستقلة في برشلونة، بالتعاون مع جامعة بومبيو فابرا وجامعة برشلونة، واستندت إلى تجربتين ميدانيتين شملتا عينات ممثلة من السكان في إسبانيا.
تأييد عام.. واعتراض على الإجراءات
أوضح الباحثون أن أغلب المواطنين يقرون بوجود تغير المناخ ويدعمون اتخاذ إجراءات لمواجهته من حيث المبدأ، إلا أن هذا التأييد يتراجع عند طرح سياسات محددة، مثل:
- فرض قيود على المركبات الأكثر تلويثًا.
- تطبيق رسوم أو مناطق منخفضة الانبعاثات داخل المدن.
- فرض ضرائب على الرحلات الجوية.
وسعت الدراسة إلى تفسير أسباب هذا التباين بين التأييد النظري والإقبال الفعلي على دعم الإجراءات المناخية.

كيف أُجريت الدراسة؟
اعتمد الفريق البحثي على تجربتين:
– التجربة الأولى: عرضت على المشاركين عشر سياسات مناخية مختلفة، مع تغيير المعلومات المقدمة حول تكاليف كل سياسة أو فوائدها لقياس تأثير ذلك في مستوى التأييد.
– التجربة الثانية: قدمت للمشاركين حزمًا افتراضية من السياسات المناخية في مدن خيالية، مع اختلاف التكاليف والفوائد، وتأثير كل سياسة في الفئات ذات الدخل المرتفع والمنخفض.
التكاليف تؤثر أكثر من الفوائد
أظهرت النتائج أن إبراز التكاليف الاقتصادية لأي سياسة مناخية يؤدي إلى انخفاض واضح في مستوى تأييد المواطنين لها.
في المقابل، فإن التركيز على الفوائد البيئية أو الاقتصادية يزيد الدعم، لكن بدرجة أقل بكثير من تأثير الحديث عن التكاليف.
ويرى الباحثون أن الناس يتفاعلون مع احتمال الخسارة بصورة أقوى من تفاعلهم مع احتمال تحقيق مكاسب.
العدالة الاجتماعية هي العامل الأهم
كشفت الدراسة أن توزيع الأعباء والمنافع يمثل العنصر الأكثر تأثيرًا في قبول السياسات المناخية.
فقد أبدى المشاركون دعمًا أكبر عندما علموا أن الإجراءات ستسهم في تحسين أوضاع أصحاب الدخل المحدود أو لن تفرض عليهم أعباء إضافية.
أما تأثير السياسات في أصحاب الدخول المرتفعة، فلم يكن له أثر يُذكر في قرارات المشاركين.
ويرى الباحثون أن ضمان العدالة الاجتماعية يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتوسيع القبول الشعبي للإجراءات البيئية.

اختلافات سياسية واضحة
رصدت الدراسة أيضًا تباينات أيديولوجية في مواقف المواطنين.
فقد أظهر المشاركون المنتمون إلى التيارات اليسارية أعلى مستويات التأييد للسياسات المناخية، وكانوا الأكثر اهتمامًا بالعدالة في توزيع آثارها.
في المقابل، انخفض مستوى الدعم لدى المشاركين من التيارات اليمينية، بينما سجل أنصار أحزاب اليمين المتطرف أعلى مستويات المعارضة لهذه السياسات.
وأشار الباحثون إلى أن هذا الاستقطاب السياسي قد يؤثر في مستقبل السياسات المناخية داخل الدول الأوروبية.
رسائل لصناع القرار
خلصت الدراسة إلى أن نجاح السياسات المناخية لا يتوقف على نوع الإجراءات فحسب، بل يعتمد أيضًا على طريقة التواصل مع المواطنين.
وأكد الباحثون أن توضيح كيفية توزيع التكاليف والفوائد، وإبراز الجوانب المرتبطة بالعدالة الاجتماعية، يمكن أن يزيد قبول المجتمع للإجراءات البيئية.
كما شددوا على أن مواجهة أزمة المناخ تتطلب الجمع بين الطموح البيئي والإنصاف الاجتماعي، إلى جانب الشفافية في شرح التكاليف والنتائج المتوقعة، بما يعزز الثقة ويزيد فرص نجاح سياسات الحد من تغير المناخ.





