الأمن الغذائي في مواجهة التغير المناخي: كيف نحمي محاصيلنا المستقبلية؟

الأغذية المتغيرة مناخيًا.. الجينات والتقنيات لإنقاذ الإنتاج الزراعي

إنتاج الغذاء يواجه تحديات التغير المناخي

مع تغير مناخنا، تأتي الكوارث الطبيعية تباعًا. تتعطل النظم الزراعية، وتصبح فشل المحاصيل أمرًا متكررًا، يتساءل أوين كامينغ عن مستقبل طعامنا في ظل هذا المناخ المتغير.
شهد شمال نيو ساوث ويلز في 2022 فيضانات مدمرة نتيجة أمطار قياسية، ألحقت أضرارًا بمئات الملايين من الدولارات ودمرت سبل عيش المزارعين، وفي العام التالي، تعرّضت نفس الأراضي للجفاف، فذبلت محاصيل الموسم الجديد.
هذه الظواهر ليست فريدة لأستراليا، بل تحدث حول العالم مع تفاقم التغير المناخي، تتعرض نظم الإنتاج الزراعي لمزيد من الاضطراب بسبب الطقس القاسي وغير المتوقع.
نحن نركز عادة على معاناة المزارعين الذين فقدوا محاصيلهم، ولكن هناك قلق أكبر: إذا أصبح فشل المحاصيل أكثر تواترًا وشدة مع استمرار التغير المناخي، فماذا سنأكل؟

الأمن الغذائي في ظل التغير المناخي

إنتاج الغذاء يواجه تحديات التغير المناخي

يقول البروفيسور بريم بهالا، اختصاصي علم الأحياء النباتي من جامعة ملبورن: “التغير المناخي يمثل تحديًا عالميًا كبيرًا، وسيؤثر بالتأكيد على الأمن الغذائي.”
قد لا يكون الأمن الغذائي في صدارة اهتماماتنا عند الحديث عن تغير المناخ، خاصة في دول مثل أستراليا التي تنتج أكثر مما تحتاجه، ومع ذلك، فإن موجات الحر الشديدة، والجفاف، والفيضانات، والعواصف ستؤثر بشدة على إنتاج الغذاء حول العالم، مما يجعل التغير المناخي أحد أكبر التهديدات للأمن الغذائي العالمي.

وعادةً ما يكون الأشد تضررًا هم الفئات الفقيرة والأكثر ضعفًا، يقول بهالا: “فقدان المزارع لمحصوله يعني عدم توفر الغذاء للناس وارتفاع الأسعار، وله آثار اجتماعية مباشرة وغير مباشرة، سيؤثر ذلك على قرارات التغذية والصحة لدى الأسر منخفضة الدخل.”
تشير التقديرات إلى أننا سنحتاج إلى إنتاج 60% إلى 100% المزيد من الغذاء عالميًا بحلول عام 2050 لتلبية الطلب.
والسؤال المهم: كيف يمكننا تحقيق ذلك مع نظام زراعي يتعرض باستمرار لتقلبات مناخية شديدة؟ حتى الآن، لا توجد إجابة كاملة.
“ما يمكننا فعله هو إعداد محاصيلنا الغذائية لمواجهة التغيرات المناخية القاسية”، يقول بهالا، “نحتاج إلى تكييف نظمنا الزراعية، ونحتاج لمحاصيل قادرة على الصمود في أقسى الظروف، لتستمر في توفير الغذاء.”

التحدي الكبير في تطوير المحاصيل المقاومة للمناخ

تقليديًا، تعديل المحاصيل لتصبح أكثر مقاومة للحرارة أو الأمراض عملية طويلة ومعقدة، يقوم المربون باختيار النباتات التي تظهر الصفات المطلوبة، والتلقيح المتبادل، وزراعة البذور الجديدة، ثم تكرار العملية مرات عديدة حتى تظهر الصفات بشكل كافٍ.
“يمكننا جعل المحاصيل أكثر تحملًا للتغيرات المفاجئة، ولكن هذا ليس سهلاً، لأن التربية التقليدية تستغرق وقتًا طويلًا”، يقول بهالا.
المحاصيل الحالية تم تطويرها عبر آلاف السنين، إذ بدأت زراعة القمح منذ حوالي 10 آلاف سنة في الهلال الخصيب بغرب آسيا وشمال إفريقيا، ومع ذلك، لم يعد لدينا هذا الوقت الطويل، لكن التكنولوجيا الحديثة توفر حلولًا أسرع.

التعديل الجيني للمحاصيل

نبات الساليكورنيا

على مدى السنوات العشر الماضية، كانت السنوات الأشد حرارة على الإطلاق. لذلك، من الضروري تجهيز المحاصيل لمواجهة موجات الحر.
يمكن العثور على الحلول في جينومات النباتات نفسها، “باستخدام تعديل الجينات يمكننا ضبط الجينوم لإظهار صفات معينة بشكل أقوى وأفضل”، يوضح بهالا.
نجح الفريق في تعديل جينات فول الصويا لمقاومة موجات الحرارة باستخدام “المفتاح الرئيسي” الذي يستشعر ارتفاع حرارة النبات ويحفزه لإنتاج بروتينات واقية مضادة للإجهاد الحراري ومضادات أكسدة.
في اليابان، تمكن الباحثون من تعديل جينين في الأرز لزيادة نمو الساقين حتى 25 سم يوميًا، لتظل النباتات فوق مستويات المياه عند الفيضانات.
وتم تحديد جينات مشابهة في قصب السكر والشعير لإنتاج محاصيل مقاومة للفيضانات.
ومع ذلك، فإن كل نوع من المحاصيل له جينوم مختلف، ولا يوجد حل واحد يناسب الجميع. “الكرنب يختلف عن القمح، والقمح يختلف عن الكانولا… لا توجد صيغة سحرية”، يقول بهالا.

التعديل الوراثي (GM) عند الحاجة

عندما لا يوفر الجينوم الداخلي للنبات خيارات كافية للتكيف مع التغير المناخي، قد يلجأ العلماء إلى التعديل الوراثي، حيث يتم إدخال جينات من كائنات أخرى لتعزيز الصفات المطلوبة.
رغم الجدل حول “الأغذية المعدلة وراثيًا”، فإن هذه المحاصيل موجودة منذ سنوات وتستخدم لجعل الغذاء أكثر تغذية، وإنتاجية، ومقاومة للأمراض، على سبيل المثال، أدرجت جينات مقاومة الجفاف من نبات Arabidopsis thaliana في فول الصويا والذرة والقمح، لمواجهة شح المياه.

الاستفادة من النباتات البرية

عينة حديثة من الشعير البري

يمكن أيضًا البدء بنباتات برية مقاومة للتغيرات المناخية. تركز الدكتورة فانيسا ميلينو على أنواع نباتية تتحمل الملوحة العالية مثل Salicornia، التي تنمو في بيئات شديدة الملوحة، سواء على السواحل أو حول البحيرات المالحة.

تُستخدم سيقان Salicornia في بعض البلدان، لكن الفائدة الكبرى تكمن في بذورها الزيتية عالية القيمة الغذائية، والتي قد تكون بديلًا غذائيًا لمناطق متأثرة بالملوحة في أستراليا، بنغلاديش، مصر، والسعودية.

الخلاصة

التغير المناخي سيؤثر على إمدادات الغذاء بشكل كبير، مما يعني أن الجميع سيتأثر، سواء بأسعار الغذاء أو توفره. دمج التكنولوجيا الحيوية، تعديل الجينات، والاستفادة من النباتات البرية المقاومة، سيكون حجر الزاوية في إنتاج “الغذاء المتغير مناخيًا” لضمان الأمن الغذائي في المستقبل.

Exit mobile version