نموذج مناخي جديد يكشف أسرار صمود الأشجار أمام الجفاف
النباتات ليست سواسية: كيف يغيّر سلوكها توقعات المناخ؟
إذا نسيتَ سقي نباتاتك لبضعة أيام، فربما لاحظتَ شيئًا مثيرًا للاهتمام: الزهور تذبل بسرعة، العشب يجف، لكن الأشجار تبقى بخير.
ذلك لأن النباتات لا تتعامل مع الماء بالطريقة نفسها. بعضها يستخدمه بحرية، بينما يحجمه بعضها الآخر، ويتكيف مع الجفاف بطرق مختلفة تمامًا.
ومع ذلك، ولسنوات، لم تأخذ العديد من نماذج المناخ هذه الاختلافات في الاعتبار، إذ اعتمدت على افتراضات بسيطة تُعامل جميع النباتات على قدم المساواة. وقد يتغير هذا قريبًا، بفضل بحث جديد يضع سلوك النباتات في الحسبان.
نموذج المناخ يحصل على ترقية نباتية
تمكن علماء من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا وجامعة ولاية سان دييغو من تطوير طريقة أفضل لمراقبة جفاف التربة بعد هطول الأمطار.
يُظهر نموذجهم أن النباتات لا تتبع نهجًا واحدًا في مواجهة شحّ المياه، بل تتصرف بطرق معقدة وتكيفية، ويقول الباحثون إن ذلك قد يُحسّن التنبؤات المتعلقة بالمناخ والطقس واستخدام المياه.
قالت كيلي كايلور، أستاذة في كلية برين للعلوم البيئية والإدارة بجامعة كاليفورنيا سانتا باربرا، والمؤلفة الرئيسية للدراسة: “وجدنا أن النباتات لا تستجيب لنقص المياه بطريقة بسيطة ومباشرة. بل لديها أنماط استجابة ديناميكية تكشف ما إذا كانت «مُبذِّرة» للمياه أم «مُحافظة» عليها.”
أين تذهب مياه الأمطار حقًا؟
بعد هطول الأمطار، تتدفق المياه في عدة اتجاهات: بعضها يتجه إلى الأنهار، وبعضها يتسرب إلى باطن الأرض.
أما الباقي فيعود إلى الهواء، إما بالتبخر أو عبر النباتات، التي تُطلق الماء من أوراقها في عملية تُسمى «النتح». وتُعرف هذه العمليات مجتمعةً باسم «التبخر والنتح”.
تؤثر سرعة جفاف التربة على كل شيء، بدءًا من نمو المحاصيل، مرورًا بمخاطر حرائق الغابات، وصولًا إلى توقعات الطقس.
ولكن حتى وقت قريب، لم يكن لدى العلماء بيانات كافية واسعة النطاق عن كيفية عمل هذه العملية. واعتمدت النماذج في الغالب على هطول الأمطار وتدفق الجداول.
قال ريوكو أراكي، المؤلف الرئيسي المشارك، وطالب الدكتوراه المشترك بين جامعة كاليفورنيا سانتا باربرا وجامعة ولاية سان دييجو:”ومن المفارقات أن معظم النماذج لا تستخدم بيانات رطوبة التربة، على الرغم من أن رطوبة التربة تشكل عنصرًا أساسيًا في السلوك الهيدرولوجي.”
النباتات تستجيب بطرق فريدة
حتى الآن، حتى النماذج الأكثر تقدمًا افترضت أن جميع النباتات تبطئ استخدام المياه بالطريقة نفسها، وبالمعدل نفسه، وتحت الظروف ذاتها.
قال أراكي: “جميع النباتات – صغيرة كانت أم كبيرة، صيفية أم شتوية، شجرية أم عشبية – كانت تُعامل كأنها متشابهة.”
هذا الافتراض يتجاهل حقيقة أساسية: النباتات المختلفة تتصرف بشكل مختلف تحت الضغط. وبتجاهل ذلك، تفوّت النماذج أدلة مهمة.
لذلك، تساءل أراكي وزملاؤه: هل يمكن لنموذج غير خطي، يراعي استجابات النباتات المعقدة، أن يقدم رؤى أفضل؟
طريقة أكثر ذكاءً لنمذجة الرطوبة
بدأ الفريق بنموذج خطي قياسي يعتمد على الوقت ومستويات الرطوبة. ثم أضافوا عاملاً غير خطي يعكس كيف تعدل النباتات استهلاكها للمياه مع تغير الظروف.
ما ميّز المشروع هو البيانات. فقد استخدموا معلومات من قمر SMAP التابع لناسا، الذي يتتبع رطوبة التربة عالميًا باستخدام أجهزة استشعار الموجات الدقيقة. ما أتاح لهم اختبار النموذج في ظروف واقعية.
وكانت النتيجة أن النموذج غير الخطي تفوق على النماذج الخطية القديمة، التي كانت تبالغ في تقدير سرعة جفاف التربة، مما قد يؤدي إلى توقعات خاطئة، خاصة في المناطق الشحيحة المياه.
مع ذلك، يرى بعض الباحثين أن التعقيد الإضافي لا يستحق العناء.
قال أراكي: “رغم أن النموذج غير الخطي أكثر تعقيدًا، إلا أنه يتلاءم مع البيانات بشكل أفضل، ويلتقط المزيد من سلوكيات النظام. إنه يوفر طريقة لدراسة تكيفات النباتات.”
مشاهدة النباتات تعمل من الفضاء
لا توجد طريقة سهلة لتتبع كيفية تعامل النباتات الفردية مع إجهاد الماء. فلا يمكنك ببساطة التجول في الغابة لمعرفة ما إذا كانت الشجرة تبطئ استهلاكها للماء أو تستمر في النمو في التربة الجافة.
قال برين مورجان، المؤلف المشارك، وزميل ما بعد الدكتوراه في معهد MIT، “هل تستمر في النمو بقدر ما تستطيع طالما يوجد ماء، أم أنها تتوقف تمامًا عن النتح لحماية أنسجتها؟”
لهذا السبب، يعد هذا النموذج مهمًا، لأنه يمنح العلماء فرصة لفهم سلوك النباتات على نطاق واسع، ويظهر أن ما يحدث تحت السطح أعقد بكثير مما افترضته النماذج السابقة.
بالنسبة للبستانيين والمزارعين، وكل من يراقب اتجاهات المناخ، قد يؤدي هذا النوع من الأبحاث إلى أدوات أفضل وتوقعات أذكى.
ففهم كيف تنجو الأشجار من الجفاف قد يساعدنا جميعًا على الاستعداد للمستقبل.





