أهم الموضوعاتأخبارالتنوع البيولوجي

بوصلة مخفية داخل الأذن.. سر قدرة الحمام الزاجل السفر مئات الأميال والعودة لموطنة بدقة

اكتشاف سر الملاحة لدى الحمام "البوصلة الخفية".. استخدام الإشارات المغناطيسية للتنقل آلاف الكيلومترات

يستطيع حمام الزاجل الطيران لمئات الأميال والعودة إلى الموقع نفسه بدقة مدهشة، وقد اشتبه العلماء منذ زمن في امتلاكه بوصلة خفية، إلا أن آلية هذا الاستشعار ظلت لغزًا معقدًا.

وتشير دراسة حديثة في ميونخ إلى أن الأذن الداخلية قد تكون مصدر تلك البوصلة لدى الحمام.

تُعرف القدرة على استشعار المجال المغناطيسي باسم «الاستقبال المغناطيسي»، ويبدو أنها ترتبط ارتباطًا مباشرًا بجهاز الاتزان

وعندما تعرّض الباحثون الحمام لنبضات مغناطيسية مُحكمة، أجروا مسحًا دماغيًا شاملًا لرصد المناطق المستجيبة، تاركين الخلايا العصبية تحدد مصدر الإشارة.

وقد نُشرت الدراسة في مجلة «ساينس»، قاد الفريق العالم ديفيد كيز، أستاذ علم الأعصاب في جامعة لودفيج ماكسيميليان في ميونخ (LMU)، الذي يدرس كيفية دمج الدماغ لإشارات التوازن والرؤية والمجال المغناطيسي لتوجيه حركة الحيوانات.

ولجأ الباحثون إلى تقنية رسم خريطة النشاط العصبي ثلاثي الأبعاد لتحديد الخلايا المستجيبة للمجالات المغناطيسية.

وأظهرت النتائج وجود بؤرة نشاط في «النواة الدهليزية الإنسية»، وهي منطقة دماغية مسؤولة عن معالجة إشارات حركة الرأس.

يستطيع حمام الزاجل الطيران لمئات الأميال والعودة إلى الموقع نفسه بدقة

كما ظهر تجمع آخر من الخلايا النشطة في «المسوباليوم الذيلي»، وهي منطقة مرتبطة بربط الإشارات الحسية بقرارات الحركة.

وتشكل هاتان المنطقتان مسارًا يوصل المعلومات المغناطيسية من الأذن الداخلية إلى دوائر التخطيط الحركي.

خلايا قادرة على التقاط الإشارات الكهربائية الدقيقة

داخل جمجمة الحمامة تقع ثلاث قنوات نصف دائرية مملوءة بالسوائل، وهي جزء من الأذن الداخلية وتستشعر عادة حركة الرأس.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الهياكل نفسها تحتوي خلايا قادرة على التقاط الإشارات الكهربائية الدقيقة الناتجة عن تغيرات المجال المغناطيسي.

وقد اقترحت أبحاث سابقة أن بعض الخلايا المشعرة في الأذن قد تعمل كمستشعرات كهرومغناطيسية صغيرة، وحددت الدراسات الحديثة مجموعة من الخلايا من النوع الثاني في «الكريستة» تمتلك الأدوات الجزيئية اللازمة لهذا الدور.

ويوضح كيز أن هذه الخلايا مجهزة بدقة لالتقاط المجالات المغناطيسية عبر «التحريض الكهرومغناطيسي»؛ أي توليد تيارات كهربائية ناتجة عن تغيرات المجال المغناطيسي.

فعندما يمر نبض مغناطيسي عبر سائل الأذن، يمكنه تحفيز تيارات صغيرة في أغشية هذه الخلايا المتخصصة.

يستطيع حمام الزاجل الطيران لمئات الأميال والعودة إلى الموقع نفسه بدقة
يستطيع حمام الزاجل الطيران لمئات الأميال والعودة إلى الموقع نفسه بدقة

إمكانية تطور حس كهربائي قديم واستثماره

وتتشابه الأدوات الكهربائية داخل هذه الخلايا مع تلك الموجودة لدى القروش والشفانين، التي تمتلك أعضاء حسية تلتقط الإشارات الكهربائية الضعيفة في البحر لتتبع فريستها.

وتشير التجارب الحديثة إلى أن الخلايا المشعرة في أذن الحمام تستخدم قنوات كالسيوم حساسة للجهد تشبه تلك الموجودة في أعضاء الاستقبال الكهربائي لدى القروش، مما يشير إلى إمكانية تطور حس كهربائي قديم واستثماره في استشعار المجال المغناطيسي لدى الطيور.

وتنتقل الإشارات من هذه الخلايا عبر مسارات دهليزية تُستخدم عادة لاستشعار الميلان والدوران، مما يضيف معلومات مغناطيسية إلى منظومة الإحساس بالتوازن بدلاً من وجود عضو مستقل.

وترى الدراسة أن هذا «البوصلة المظلمة» يتكامل مع آليات أخرى مقترحة.

«الأزواج الجذرية»

وتبرز دراسات عديدة دور بروتينات «كريبتوكروم» في شبكية العين، والتي قد تتأثر بالمجال المغناطيسي عبر آلية «الأزواج الجذرية»، وهي عملية كمية تعتمد على تغير سلوك الإلكترونات في ظروف مغناطيسية معينة.

وتعمل هذه البوصلة البصرية في ظروف ضوئية محددة، ما يجعلها مناسبة للعمل ليلاً لدى الطيور المهاجرة.

ويُحتمل أن الطيور تجمع بين الإشارات المغناطيسية القادمة من العين وتلك القادمة من الأذن، بحيث تتفوق إحداها عند ضعف الظروف البيئية المحيطة بالأخرى. وعندما يكون الضوء ضعيفًا، قد تعتمد الطيور بصورة أكبر على المسار القادم من الأذن الداخلية.

حمام الزاجل الطيران يطير مئات الأميال ويعود إلى الموقع نفسه بدقة

دليلًا على خلايا ومسارات محددة

وتشير الدراسات إلى أن الحيوانات لا تستقبل إشارات مغناطيسية «واضحة»، وإنما إشارات ضعيفة ومليئة بالضوضاء، مما يفرض عليها دمج المعلومات المغناطيسية مع الروائح والمعالم والنجوم للحصول على اتجاه دقيق.

وهذا ما يصعّب إجراء التجارب، إذ قد تؤثر التغيرات الطفيفة في درجة الحرارة أو المناولة أو البيئة الجديدة على الاستجابة.

ويمنح تحديد مسار واضح لاستقبال المجال المغناطيسي في الأذن الداخلية العلماء فرصة لدراسة الجينات التي تشكل هذه الخلايا، ومعرفة كيفية تطورها، واستكشاف وجود خلايا مشابهة في طيور أخرى.

وقد تكشف الدراسات المقارنة ما إذا كانت الثدييات أو الأسماك أو الحشرات تمتلك مستقبلات تعتمد على الحث الكهرومغناطيسي، أو تعتمد على معادن الحديد أو آليات كريبتوكروم بشكل أكبر.

ولا تُعد هذه النتائج نهاية البحث في مجال الاستقبال المغناطيسي، لكنها توفر دليلًا على خلايا ومسارات محددة بدلاً من الاعتماد على فرضيات عامة.

ومع توسع الدراسات عبر الأنواع المختلفة، يتضح أن الإحساس بالمجال المغناطيسي قد يكون حاسة إضافية دقيقة يمكن قياسها وفهم مساراتها العصبية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading