اقتصاد القرن الحادي والعشرين يبدأ من الاستثمار الأخضر
تكلفة التحول إلى الطاقة النظيفة أقل بكثير من ثمن الكارثة المناخية
قال اللورد نيكولاس ستيرن، الاقتصادي البريطاني البارز، إن الاستثمار في العمل المناخي يمثل قصة النمو الاقتصادي الحقيقية للقرن الحادي والعشرين، محذرًا من أن النمو القائم على الوقود الأحفوري “عديم الجدوى”، لأنه يؤدي في النهاية إلى تدمير الذات اقتصاديًا وبيئيًا.
وأوضح ستيرن، أستاذ الاقتصاد في مدرسة لندن للاقتصاد، أن الانخفاض المتسارع في تكاليف التقنيات النظيفة — من الطاقة المتجددة إلى السيارات الكهربائية — يجعل من الممكن تحقيق نمو اقتصادي مستدام بالتوازي مع مواجهة أزمة المناخ، فضلًا عن انتشال ملايين البشر من الفقر.
وأشار إلى أن هذا التحول يتطلب تغييرات كبيرة في السياسات ومستويات الاستثمار، مؤكدًا في الوقت نفسه صعوبة البيئة الجيوسياسية الحالية. وأضاف:
“أقول للرئيس الأمريكي دونالد ترامب: لديك أبناء وأحفاد، فكر في العلم والمخاطر. منزلك في فلوريدا سيكون عرضة لأعاصير أشد وارتفاع مستوى البحر والعواصف العاتية. الأشخاص والأماكن التي تحبها تواجه خطرًا شديدًا”.
وشدد ستيرن على أن العلم واضح وبسيط في تفسير ظاهرة الاحتباس الحراري الناتجة عن الغازات الدفيئة، مؤكدًا أن فكرة أن التغير المناخي “خدعة” هي أمر “خاطئ تمامًا”.
وأضاف:”الطاقة الشمسية تتفوق على الوقود الأحفوري في إنتاج الكهرباء في معظم أنحاء العالم، بما في ذلك أجزاء واسعة من الولايات المتحدة. سكان تكساس أنفسهم يستثمرون في الطاقة الشمسية والرياح لأنها أرخص وأكثر كفاءة”.
يُذكر أن ستيرن قاد مراجعة عام 2006 الشهيرة التي خلصت إلى أن تكلفة العمل المناخي أقل بكثير من تكلفة التقاعس عنه، واصفًا التغير المناخي بأنه أكبر فشل للسوق في التاريخ.
وفي كتابه الجديد “قصة النمو في القرن الحادي والعشرين: اقتصاديات وفرص العمل المناخي”، الصادر في 5 نوفمبر، يؤكد أن استنتاجات عام 2006 لا تزال صحيحة بل ازدادت إلحاحًا، إذ تأتي آثار الاحترار العالمي أسرع وأشد مما كان متوقعًا.
وأشار إلى أن نقاط التحول المناخية التي كانت تُربط سابقًا بارتفاع 4 درجات مئوية، يبدو أنها قد تحدث مع زيادة قدرها درجتان فقط.
ومع ذلك، يرى ستيرن أن فرص الاستثمار المناخي تتزايد بفضل التقدم التكنولوجي الهائل؛ فقد انخفضت تكلفة الطاقة الشمسية والبطاريات بنسبة 80% خلال العقد الماضي، وتراجعت تكاليف طاقة الرياح البحرية بنسبة 73%، والرياح البرية بنسبة 57%.
وأوضح أن المدن النظيفة القادرة على الحركة والتنفس بحرية أكثر إنتاجية اقتصاديًا، وأن “النمو منخفض الكربون هو الخيار الوحيد القابل للاستمرار على المدى الطويل، أما النمو عالي الكربون فهو طريق إلى التدمير الذاتي”.

ووجّه ستيرن رسالة إلى زعيمة حزب المحافظين البريطاني كيمي بادنوك، التي تعهدت بإلغاء قانون التغير المناخي، وإلى نايجل فاراج زعيم حزب “ريفروم يو كيه” الذي وصف هدف “صفر انبعاثات بحلول 2050” بأنه “جنون”، قائلًا:
“افهموا حتمية التحرك المناخي، واغتنموا الفرص الهائلة التي يحملها، فهذه هي قصة النمو الاقتصادي القادمة، أما التقاعس فكارثي”.
وكشفت تحليلات حديثة أن قطاع صافي الانبعاثات الصفرية في المملكة المتحدة ينمو بمعدل ثلاثة أضعاف سرعة الاقتصاد البريطاني ككل، فيما أكد مكتب المسؤولية عن الموازنة البريطاني أن تكلفة الوصول إلى الحياد الكربوني أقل بكثير من تكلفة الإخفاق في تحقيقه، وأن انخفاض تكاليف الطاقة المتجددة جعل تحقيق الهدف أرخص من أي وقت مضى.

وختم ستيرن قائلًا:
“أنا متفائل بما يمكننا فعله، لكني قلق مما سنفعله فعليًا. نحن نحاول طرح الحجة العقلانية على الطاولة والمساهمة في توجيه السياسة حول العالم. لكن إذا كان النقاش السياسي عصيًا على المنطق، فسنواجه وقتًا عصيبًا للغاية”.





