ارتفاع المياه الجوفية يهدد البنية التحتية في المدن الساحلية
مخاطر غير مرئية تهدد الطرق وخطوط الصرف تحت المدن بسبب ملوحة المياه الجوفية
يحذر علماء من تزايد خطر غير مرئي يهدد البنية التحتية للمدن الساحلية حول العالم، يتمثل في ارتفاع منسوب المياه الجوفية وتملّحها نتيجة تغيّر المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر.
وجاء التحذير في تحليل موسّع نشره فريق من جامعة رود آيلاند بقيادة كريستوفر روسونييلو، الأستاذ المساعد في قسم علوم الأرض، ضمن مقال علمي بعنوان “التهديدات غير المرئية للمياه الجوفية على البنية التحتية الحضرية الساحلية” في دورية نيتشر سيتيز.
ويضع هذا البحث إطارًا جديدًا لفهم الكيفية التي تتحول بها المياه الجوفية إلى عامل تخريب صامت يهدد المدن المعاصرة.
ثلاثة تهديدات رئيسية
وتسلط الدراسة الضوء على ثلاثة تهديدات رئيسية ظلت لعقود خارج دائرة الاهتمام العلمي والتخطيطي، رغم تأثيرها العميق على المدن:
ارتفاع منسوب المياه الجوفية نتيجة تغيّر المناخ، تملّح المياه الجوفية، والتأثيرات المركّبة بين الأنشطة البشرية والتغيرات المناخية في باطن الأرض.
وتكمن خطورة هذه التهديدات في أنها لا تُرى بالعين المجردة، ولا تظهر أعراضها إلا بعد سنوات من التدهور البطيء الذي يصيب البنية التحتية من الأسفل إلى الأعلى.
وتشمل مظاهر هذا التأثير المخفي تدهور الطرق، وانخفاض كفاءة شبكات الصرف الصحي، وتعطل الأنظمة القائمة على الخزانات المدفونة، وتآكل خطوط الكهرباء والغاز، وضعف أساسات المباني.
وتعد المناطق الساحلية الأكثر عرضة لهذه المخاطر، خصوصًا تلك التي تعتمد على أنظمة صرف قديمة أو تربة ضعيفة النفاذ.
ومع استمرار ارتفاع مستوى سطح البحر، تتحرك المياه الجوفية صعودًا، فتملأ المساحات تحت السطحية التي صُممت في الأصل لتكون جافة، ما يؤدي إلى تسلل المياه إلى الهياكل الخرسانية والأنابيب والموصلات الكهربائية المدفونة.
المياه الجوفية وزيادة الفيضانات السطحية
ويقول روسونييلو، إن “أغلب الدراسات السابقة ركزت على تأثير ارتفاع مستوى البحر على السواحل المكشوفة والبيئات الطبيعية، بينما بقيت المدن، التي يعيش فيها ملايين البشر، بعيدة عن عدسة البحث العلمي، رغم أنها الأكثر تعرضًا للخطر بسبب كثافة البنية التحتية فيها”.
وأضاف أن المياه الجوفية أصبحت عاملًا رئيسيًا في زيادة وتيرة الفيضانات السطحية، وفي تعقيد معالجة مياه الصرف، بل وفي إحداث هبوط موضعي للتربة في بعض المواقع.
وتبرز التحديات بوضوح أكبر في المدن التي تشهد تمددًا عمرانيًا سريعًا، أو تلك التي تعتمد على شبكات صرف قديمة تم تصميمها في فترات لم تكن فيها التغيرات المناخية عنصرًا مؤثرًا.
ويعد تملّح المياه الجوفية أحد أخطر هذه التحديات، إذ يؤدي دخول الأملاح إلى طبقات التربة والبنية التحتية إلى تسريع التآكل الكيميائي للمعادن والخرسانة، ما يضعف الأنابيب، والجدران الاستنادية، والخزانات، ويزيد من احتمالات حدوث تسربات أو انهيارات مفاجئة.

الحلول العلمية والهندسية
وتقترح الدراسة مجموعة من الحلول العلمية والهندسية التي يمكن أن تقلل من هذه المخاطر.
وتشمل هذه الحلول استخدام أنابيب ومواد مقاومة للتآكل في المناطق المعرضة لتسلل المياه المالحة، وإنشاء شبكات صرف عميقة تساعد على خفض منسوب المياه الجوفية، وتعزيز تقوية الأساسات الخرسانية في المناطق التي يُتوقع أن تشهد ارتفاعًا في مستوى المياه الجوفية.
كما تدعو الدراسة إلى تطوير نماذج تنبؤية تعتمد على بيانات الرصد في الوقت الحقيقي لقياس الملوحة والضغط الهيدرولوجي، بالاستعانة بالآبار متعددة المستويات والمسوحات الجيوفيزيائية المتقدمة.
ويعمل روسونييلو مع فريق متعدد التخصصات تقوده الأستاذة إيمي أوتشيدا لدراسة الفيضانات في بلدة وارن بولاية رود آيلاند، وهي منطقة حضرية تمثل نموذجًا معبّرًا عن المدن الساحلية التي لا تعتمد على المياه الجوفية أو الأنظمة التقليدية للصرف الصحي، لكنها رغم ذلك تتعرض لمخاطر خفية ناتجة عن تغيّرات المياه الجوفية.
ويضم الفريق علماء في المياه الجوفية والهندسة والعلوم الاجتماعية، بهدف فهم مخاوف المجتمع وتحديد أولويات التكيف المستقبلية.

غياب أنظمة مراقبة فعّالة
وتشير النتائج الأولية للمشروع إلى أن العديد من المدن الساحلية قد تكون عرضة لمخاطر مشابهة دون أن تدرك ذلك، بسبب غياب أنظمة مراقبة فعّالة.
كما توصي الدراسة بإعادة تقييم المعايير الهندسية ومواد البناء المعتمدة، وتحديث الأكواد الخاصة بتصميم شبكات الصرف، والبنية التحتية المدفونة، وأساليب إدارة المياه.
وتختتم الدراسة بالتأكيد على ضرورة إطلاق برامج بحثية جديدة تعزز التعاون بين التخطيط العمراني والهندسة المدنية وعلوم البيئة والمحيطات والهيدروجيولوجيا، بهدف بناء مدن قادرة على الصمود في مواجهة التغيرات المناخية القادمة، وإعادة تصميم البنية التحتية بطريقة تجعلها أكثر توافقًا مع الطبيعة الديناميكية للمياه الجوفية.





