انطلقت قبل قليل في أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة أعمال الدورة السادسة عشرة للجمعية العامة للوكالة الدولية للطاقة المتجددة «إيرينا»، في وقت يشهد فيه العالم توسعًا غير مسبوق في قدرات الطاقة المتجددة، يقابله تفاوت واضح في توزيع مكاسب التحول الطاقي بين الدول والمناطق.
وتنعقد الاجتماعات هذا العام تحت شعار «تمكين البشرية: طاقة متجددة من أجل ازدهار مشترك»، بمشاركة واسعة تضم أكثر من 1500 من رؤساء الدول والحكومات، والوزراء وصنّاع القرار في قطاع الطاقة، إلى جانب قادة الصناعة، وممثلي المنظمات متعددة الأطراف، والمؤسسات المالية العالمية، في مسعى جماعي لتسريع التحول العالمي في مجال الطاقة وربطه بأهداف التنمية الشاملة.
وتشارك مصر في الاجتماعات بوفد رسمي برئاسة وزير الكهرباء والطاقة المتجددة الدكتور محمود عصمت، في ظل اهتمام متزايد من القاهرة بتعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة، ودعم مشروعات الربط الكهربائي والتحول الطاقي المستدام.

أرقام قياسية وفجوات قائمة
ووفقًا لآخر تقارير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، سجلت إضافات الطاقة المتجددة أرقامًا قياسية جديدة للعام الثالث على التوالي، في مؤشر واضح على تسارع التحول في مزيج الطاقة العالمي. غير أن الوكالة حذّرت من أن هذا التقدم الكمي لم ينعكس بعد بصورة عادلة ومتوازنة على جميع الدول، إذ لا تزال الفوائد الاقتصادية وفرص العمل المرتبطة بالطاقة المتجددة متركزة جغرافيًا، ما يعمّق الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية.
وأكدت «إيرينا» أن التحدي لم يعد يقتصر على زيادة القدرات المركبة، بل يتمثل في ضمان توزيع عادل لعوائد التحول الطاقي، وربطه بالتنمية الاقتصادية المحلية، وخلق فرص عمل مستدامة، وتعزيز سلاسل القيمة الصناعية في مختلف الأقاليم.

إعادة تصوّر مستقبل الطاقة
وتركّز الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة على عقد حوارات رفيعة المستوى تحت عنوان «إعادة تصوّر مستقبل الطاقة»، وتهدف هذه الحوارات إلى صياغة سرد عالمي جديد للتحول الطاقي، لا ينظر إلى الطاقة المتجددة فقط كأداة لمواجهة تغير المناخ، بل كرافعة للتنمية الشاملة، والعدالة الاجتماعية، وبناء اقتصادات أكثر قدرة على الصمود.
وتسعى المناقشات إلى تحديد أولويات العمل خلال المرحلة المقبلة، بما يتيح استغلال الإمكانات الكاملة للطاقة المتجددة في إحداث تحولات هيكلية عميقة في الاقتصادات، سواء في الدول النامية أو المتقدمة، وتعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية.

توافق الإمارات وأهداف 2030
وتتناول الجمعية العامة سبل تسريع نشر الطاقة المتجددة عبر الدول والمناطق المختلفة، مع التركيز على الشمول الاقتصادي ورفاه الإنسان. وبصفتها الجهة الحاضنة لمتابعة تحقيق أهداف الطاقة الرئيسية لـ«توافق الإمارات»، تستعرض «إيرينا» بيانات وتوقعات محدثة من الإصدار الثاني لتقرير «تنفيذ توافق الإمارات»، الذي يرصد التقدم نحو مضاعفة كفاءة الطاقة، وزيادة قدرات الطاقة المتجددة إلى ثلاثة أضعاف بحلول عام 2030.

الزراعة والغذاء وأمن الطاقة
وفي ظل الحاجة المتزايدة إلى زخم سياسي أقوى وتعاون دولي أوسع، تُعقد عدة جلسات وزارية ورفيعة المستوى اليوم، تمهيدًا لتعميق الحوار بين صناع القرار، والمساهمة في رسم ملامح أولويات عمل الوكالة خلال المرحلة المقبلة.
وتناقش هذه الجلسات قضايا عالمية ملحّة، من بينها توظيف الطاقة المتجددة في النظم الزراعية والغذائية، وتطوير الطاقة الحرارية الجوفية، وتعزيز أمن الطاقة، وتحقيق انتقال طاقي منخفض التكلفة، إلى جانب السياسات المرتبطة بالمواد الحيوية والحرجة التي تشكّل أساسًا لسلاسل توريد الطاقة النظيفة.
كما تواصل منتديات المشرّعين، والحوار بين القطاعين العام والخاص، ومنتدى الشباب، لعب دور محوري في تبادل الرؤى وبناء توافقات جديدة، دعمًا لطموح عالمي يتمثل في إقامة منظومة طاقة متجددة عادلة وشاملة.
وتتزامن اجتماعات الجمعية العامة لـ«إيرينا» مع فعاليات أسبوع أبوظبي للاستدامة، الذي يُعقد خلال الفترة من 11 إلى 15 يناير 2026، بالتزامن مع القمة العالمية لطاقة المستقبل.

انسحاب الولايات المتحدة
وفي سياق متصل، أعربت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة عن أسفها إزاء نية الولايات المتحدة الانسحاب من عضويتها، مؤكدة أن واشنطن لعبت، بصفتها عضوًا وشريكًا عالميًا رئيسيًا، دورًا مهمًا في دعم مسار الطاقة المتجددة وتعزيز التعاون الدولي على مدار السنوات الماضية.
وشددت «إيرينا» على أن الطاقة المتجددة لم تعد مجرد أداة لمواجهة تغير المناخ، بل أصبحت اقتصادًا ذكيًا وعنصرًا حاسمًا في تعزيز القدرة التنافسية للدول، ومحركًا رئيسيًا لفرص الأعمال، وخلق الوظائف، والريادة التكنولوجية، والابتكار الصناعي.
وأضافت أن التحول الطاقي يتيح للدول فرصة تاريخية لتحقيق عوائد اقتصادية كبيرة، من خلال خفض تكاليف الكهرباء، وجذب الاستثمارات الاستراتيجية، وتعزيز أمن الطاقة في عالم يتسم بقدر متزايد من عدم الاستقرار.
وأكدت الوكالة أن التعاون الدولي بات أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، مجددة التزامها بدعم الدول والشركات في تسريع التحول العالمي في مجال الطاقة، وتحقيق فوائده الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والأمنية. كما أعربت عن تقديرها لإسهامات الولايات المتحدة في عمل الوكالة التي تضم 171 دولة عضوًا، معربة عن أملها في تجدد الانخراط الأميركي مستقبلًا، ومؤكدة أن باب التعاون سيظل مفتوحًا.





