إفريقيا تتحرك لمواجهة التغير المناخي.. 100 مليار دولار لثورة صناعية خضراء
ابتكارات وتمويل وتشريعات.. إفريقيا تضع خارطة طريق لمستقبل أخضر
شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في سبتمبر 2025 انعقاد القمة الإفريقية الثانية للمناخ بمشاركة أكثر من 25 ألف شخص، من رؤساء دول وحكومات ووزراء، إلى جانب مزارعين، وناشطين، ورجال أعمال، وطلاب.
وجاء الهدف الرئيسي للقمة مناقشة كيفية تمكين إفريقيا من الحصول على التمويل اللازم للنمو بطرق صديقة للبيئة، والتكيف مع الكوارث المناخية المتفاقمة.
ورغم أن القارة لم تسهم إلا بنسب ضئيلة في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، إلا أنها تعد من أكثر المناطق تعرضًا لمخاطر التغير المناخي، وفي الوقت نفسه لا تحظى بالتمويل الكافي لمواجهة تداعياته.
تمويل ضخم من أجل مستقبل أخضر
تركّزت مناقشات القمة على سبل زيادة الأموال الموجهة لمشروعات التكيف مع المناخ في إفريقيا.
فقد قدرت الحاجة إلى نحو 1.6 تريليون دولار حتى عام 2035، بينما لن يتجاوز ما هو متاح من المجتمع الدولي 195 مليار دولار فقط.
القمة عرضت بعض النماذج الناجحة في القارة، مثل مبادرة الإرث الأخضر الإثيوبية التي أسفرت عن زراعة 48 مليار شجرة خلال سبع سنوات، ومبادرة القمح المقاوم للمناخ التي تهدف لزيادة إنتاجية القمح وتحسين دخل صغار المزارعين.
كما التزمت مؤسسات مالية إفريقية كبرى – من بينها البنك الإفريقي للتنمية وأفريكسيم بنك وإيكوبنك وأفريقيا 50 – بضخ 100 مليار دولار لدعم مبادرة التصنيع الأخضر لإفريقيا، التي أطلقها الاتحاد الإفريقي في مؤتمر المناخ العالمي “كوب 28” عام 2023.
وتهدف المبادرة إلى تسريع التحول الصناعي الأخضر، وخلق فرص عمل، وتعزيز موقع إفريقيا في الاقتصاد الأخضر العالمي.
إلى جانب ذلك، تعهدت القمة بتمويل ألف مشروع ابتكاري أو تكيّفي في إفريقيا سنويًا، من خلال الميثاق الإفريقي للابتكار المناخي وصندوق إفريقيا المناخي، بميزانية قدرها 50 مليار دولار سنويًا حتى عام 2030.
كما شدد المشاركون على أن على دول الشمال العالمي أن تتحمل التزامات قانونية بتقديم منح لتعويض الأضرار المناخية في إفريقيا، بحيث لا تكون قروضًا تزيد من أعباء الديون الثقيلة أصلًا على الدول الإفريقية.

قانون مناخي نموذجي للقارة
حاليًا، لا تمتلك سوى نحو ثماني دول إفريقية قوانين خاصة بالتغير المناخي.
وفي القمة، قدّم فريق دعم خبراء المفاوضين الأفارقة قانونًا نموذجيًا للمناخ، يمكن للدول تعديله ليتناسب مع أوضاعها وظروفها المحلية، مع تضمين التزاماتها الدولية.
وجود تشريعات مناخية وطنية يسهل على المواطنين مقاضاة الحكومات في حالة الكوارث، ويدعم الجهات الرسمية في تنفيذ التزاماتها.
فعلى سبيل المثال، في عام 2024 كان نحو 56% من القضايا المناخية في دول الجنوب العالمي مرفوعة من الحكومات نفسها لضمان احترام الالتزامات أو للحصول على تعويضات عن الأضرار.
القانون النموذجي صيغ بمشاركة برلمانيين وخبراء قانونيين ومناخيين، ويُعتبر خطوة مهمة نحو “إزالة الطابع الاستعماري عن التشريعات المناخية” على مستوى العالم.
كما أكد على ضرورة إشراك المجتمع المدني، خاصة النساء والشباب والسكان الأصليين وذوي الإعاقة، في عمليات الحوكمة المناخية.

التمويل المناخي التزام وليس خيارًا
ناقش المشاركون أن التمويل المناخي يجب أن يكون التزامًا قانونيًا وعادلاً ومنصفًا، وليس مجرد خيار.
ويشمل هذا التمويل دعم مشروعات الطاقة المتجددة، والحفاظ على الغابات، وتمكين المجتمعات والأنظمة البيئية من التكيف مع آثار التغير المناخي.
كما طُرحت مقترحات لإصلاح أطر التجارة والاستثمار بما يدعم المرونة الاقتصادية والمناخية.
وأكدت الوفود أن إعادة التفكير في نظام التمويل المناخي يجب أن يشمل أطرافًا متنوعة، بينها المجتمعات المحلية، والنساء، والشباب، والمؤسسات الدينية.
ما الخطوة التالية؟
القمة شهدت فعاليات جانبية أبرزت دور المجتمع المدني، والمؤسسات الدينية، ومنظمات المرأة والشباب. لكن معظم الدول الإفريقية ما زالت لا تمنح هذه الأطراف دورًا كافيًا في صنع القرار المتعلق بالتكيف المناخي، وهو ما أكدت القمة أنه يجب تغييره.
في الوقت ذاته، لا تسير مجموعة العشرين (G20)، التي تقودها حاليًا جنوب إفريقيا، على المسار الصحيح لتحقيق هدف إبقاء ارتفاع درجة حرارة الأرض دون درجتين مئويتين بحلول 2100.
فالمجموعة المسؤولة عن نحو 80% من الانبعاثات العالمية، ما زالت تزيد من إنتاج النفط والغاز، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا وكندا والسعودية وجنوب إفريقيا.
لكن على النقيض من ذلك، أعلنت الدول الإفريقية في القمة التزامها بالابتكار المناخي، والتمويل الأخضر، وسن التشريعات اللازمة لمواجهة التغير المناخي.
كما أعلنت نيجيريا نيتها التقدم لاستضافة مؤتمر المناخ العالمي كوب 32 في 2027، إلى جانب إثيوبيا التي أعلنت عن نيتها تقديم عرض مماثل.
ومع ذلك، يبقى عجز التمويل المناخي التحدي الأكبر.
ومن المنتظر أن يكشف مؤتمر المناخ العالمي كوب 30، المقرر عقده في نوفمبر 2025، عن مدى قدرة إفريقيا على تأمين التمويل الدولي اللازم، بجانب الدفع لإنشاء صندوق الخسائر والأضرار لتعويض الدول الأكثر تضررًا من الكوارث المناخية.
إفريقيا مستعدة لقيادة المعركة العالمية
أظهرت القمة أن إفريقيا مستعدة لقيادة المعركة العالمية ضد الاحتباس الحراري، ليس كضحية فحسب، بل كمركز ابتكار وحلول.
ويبقى الرهان على أن يتحول التمويل والتشريعات والابتكار إلى واقع ملموس يغير مستقبل القارة والعالم.





