إزالة الكربون لا تبدأ من الصفر.. لماذا تتجاهل الشركات حلولًا جاهزة لخفض الانبعاثات؟
خفض 65% من الانبعاثات ممكن بتقنيات متاحة.. أين تخطئ الشركات في طريق إزالة الكربون؟
2.7 مليون كيلوواط ساعة أقل سنويًا.. كيف تحول كفاءة الطاقة إزالة الكربون إلى مكاسب اقتصادية؟
لم تعد خفض الانبعاثات بالنسبة للشركات مجرد تحدٍ بيئي مؤجل إلى المستقبل، بل أصبحت فرصة اقتصادية وتشغيلية يمكن أن تحقق نتائج ملموسة في الوقت الراهن. فالتقنيات القادرة على خفض استهلاك الطاقة والانبعاثات موجودة بالفعل، والعديد منها أثبت جدواه تجاريًا، كما أن تكلفته أصبحت قابلة للمنافسة.
ومع ذلك، لا تزال شركات كثيرة تتعامل مع إزالة الكربون باعتبارها سباقًا نحو ابتكار تقنية خارقة ستظهر في المستقبل، بدلًا من النظر إلى الحلول المتاحة حاليًا باعتبارها فرصة فورية لتحسين الكفاءة وخفض التكاليف وتعزيز القدرة التنافسية.
المشكلة، وفقًا لهذا الطرح، ليست نقص الحلول، وإنما الطريقة التي تنظر بها الشركات إلى الابتكار وتحدد على أساسها أولويات الإنفاق والاستثمار.
هوس الابتكار قد يؤخر خفض الانبعاثات
يميل بعض قادة الأعمال إلى ربط التقدم بالحلول الجديدة وغير المسبوقة، وهو ما يمكن وصفه بـ«انحياز الابتكار»، إذ تحظى المشروعات التجريبية والتقنيات الناشئة والشركات الناشئة التي تقدم وعودًا بعيدة المدى باهتمام إعلامي واستثماري أكبر من برامج كفاءة الطاقة التي تحقق نتائج فورية ولكنها أقل إثارة.
وتحصل المشاريع التجريبية على عناوين صحفية، بينما تستحوذ التقنيات المستقبلية على مساحة كبيرة في المؤتمرات والفعاليات المتخصصة، في حين قد تمر الحلول التي يمكن تطبيقها اليوم بخطوات أقل بريقًا رغم قدرتها على تحقيق تخفيضات فعلية في الانبعاثات.
وقد يؤدي هذا التحيز إلى توجيه رأس المال نحو مشروعات لا تحقق أفضل عائد بيئي أو اقتصادي، بينما تظل حلول جاهزة وقابلة للتوسع خارج نطاق التطبيق.
وتشير تقديرات ودراسات متخصصة إلى أن إزالة الكربون تسير وفق منحنى تتزايد فيه صعوبة خفض الانبعاثات كلما اقتربت الشركات من مستويات الانبعاثات الصفرية.
فبالنسبة إلى العديد من الشركات، يمكن تحقيق أول 40% إلى 65% من خفض الانبعاثات باستخدام تقنيات متاحة بالفعل، وتحسين العمليات التشغيلية، وكفاءة الطاقة، والتحول إلى الكهرباء في عدد من الاستخدامات.
لكن الانتقال من خفض بنسبة 65% إلى 80% يصبح أكثر صعوبة ويتطلب استثمارات رأسمالية أكبر، بينما قد تصبح معالجة الانبعاثات المتبقية أكثر تكلفة من الاعتماد على تقنيات إزالة الكربون الدائمة.
وهنا لا تعود المشكلة تقنية فقط، بل تصبح أيضًا مسألة تتعلق بكفاءة تخصيص رأس المال وتوقيت الاستثمار.

طن الكربون الذي نتجنبه اليوم أهم من انتظار الغد
تكمن إحدى أهم الحجج لصالح التحرك الفوري في أن خفض الانبعاثات اليوم يحقق فائدة مناخية أكبر من تأجيل الخفض إلى سنوات مقبلة.
فكل طن من ثاني أكسيد الكربون يتم تجنب انبعاثه الآن يمنع تراكمًا إضافيًا للغاز في الغلاف الجوي خلال السنوات التالية، وبالتالي يقلل من الاحترار المرتبط بهذا التراكم.
ولا يعني إعطاء الأولوية للحلول العملية أن الشركات تتخلى عن طموحاتها المناخية، بل يعكس إدراكًا لطبيعة الأزمة وضرورة تحقيق نتائج سريعة.
ومن المنطقي توجيه جزء من ميزانيات الابتكار إلى القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها باستخدام التقنيات الحالية، لكن من الصعب تبرير السماح بالمشروعات المستقبلية بتأجيل إجراءات يمكن تنفيذها ضمن دورة الاستثمار الحالية.
فإزالة الكربون ليست خطًا مستقيمًا ينتهي عند «صافي الصفر»، وإنما سلسلة من عمليات الخفض المتتالية التي تتراكم آثارها بيئيًا وماليًا؛ إذ يمكن للاستثمارات في الكفاءة والطاقة النظيفة أن تحقق وفورات فورية، وتقلل التعرض لتقلبات أسعار الطاقة، وتخفض تكلفة إجراءات الخفض المستقبلية.
وهذا لا يمثل رفضًا للابتكار، وإنما دعوة إلى ترتيب الأولويات وتسلسل الاستثمارات بصورة أكثر كفاءة.

الحلول «المملة» قد تكون الأكثر جدوى
ليس من الواقعي مطالبة المصانع متوسطة الحجم أو شركات الخدمات اللوجستية الإقليمية بخوض تجارب تقنية عالية المخاطر كتلك التي تخوضها الشركات التكنولوجية العملاقة.
فمعظم المؤسسات لا تمتلك القدرة المالية أو التشغيلية على تحمل مخاطر تقنيات قد تحتاج سنوات طويلة حتى تصبح مجدية تجاريًا، خصوصًا عندما تكون نتائجها المستقبلية غير مؤكدة.
لذلك، قد يكون السؤال الأكثر أهمية ليس: «ما أحدث تقنية متاحة؟»، وإنما: ما الحلول التي يستخدمها قادة الاستدامة اليوم وكانت في بداياتها قبل 10 أو 15 عامًا؟
الكثير من هذه الحلول أصبح الآن ناضجًا، ومتاحًا بتكلفة تنافسية، وقابلًا للتطبيق على نطاق أوسع من قطاعات الصناعة.
وعندما تحقق مشروعات الاستدامة خفضًا في تكاليف التشغيل، وتحسن موثوقية المنشآت، وترفع كفاءة استخدام الطاقة، وتعزز سلامة العاملين، فإنها تتجاوز مفهوم «تكلفة الاستدامة» لتتحول إلى استثمار يدعم صميم الأعمال.
مصنع يخفض استهلاك الكهرباء بنحو 2.7 مليون كيلوواط ساعة
توضح إحدى التجارب الصناعية هذه الفكرة عمليًا؛ إذ جرى تنفيذ تحديث متقدم لأنظمة التحكم في التدفئة والتهوية وتكييف الهواء داخل أحد المصانع، من خلال تحسين أنظمة التحكم في درجات الحرارة ودمج تقنيات الأتمتة الذكية.
وأدت هذه الإجراءات إلى خفض استهلاك الكهرباء بنحو 2.7 مليون كيلوواط ساعة سنويًا، إلى جانب تقليل استهلاك الغاز الطبيعي بنحو 13,800 مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu).
كما ساهم المشروع في تحقيق وفورات سنوية في تكاليف الطاقة والحوافز المرتبطة بها تُقدر بنحو 250 ألف دولار، فضلًا عن تجنب ما يقرب من 1,900 طن متري من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا.
وتوضح هذه الحالة أن خفض الانبعاثات لا يتطلب بالضرورة انتظار تقنية ثورية؛ ففي كثير من الحالات يمكن تحقيق نتائج كبيرة من خلال تحسين الأنظمة الموجودة بالفعل.

المضخات الحرارية والبطاريات والرافعات الكهربائية
تمثل المضخات الحرارية الصناعية مثالًا آخر على الحلول المتاحة حاليًا، إذ يمكنها تحسين التحكم في العمليات الصناعية، وفي الوقت نفسه تقليل تعرض الشركات لتقلبات أسعار الوقود الأحفوري.
كما يمكن لإدارة أنظمة الهواء المضغوط، وتحسين الإضاءة، وتطوير أغلفة المباني، وتحسين تشغيل أساطيل النقل أن تحقق وفورات في الطاقة والتكاليف إلى جانب خفض الانبعاثات.
وتوفر أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات فوائد متعددة، من بينها توفير الطاقة الاحتياطية، والحماية من اضطرابات الشبكة، والمشاركة في برامج الاستجابة للطلب، وإدارة فترات ذروة أسعار الكهرباء.
وفي المستودعات، يمكن أن يؤدي استبدال الرافعات الشوكية التي تعمل بالوقود الأحفوري بالرافعات الكهربائية إلى خفض الانبعاثات وتكاليف الوقود والصيانة، إلى جانب تقليل الضوضاء وتحسين جودة الهواء داخل أماكن العمل.
وتشير تقديرات مقارنة إلى أن تكلفة تشغيل الرافعة الشوكية العاملة بالبروبان قد تتراوح بين 20 و40 دولارًا للوردية الواحدة، مقابل نحو 2 إلى 5 دولارات للرافعة الكهربائية، مع انخفاض تكاليف الصيانة السنوية للرافعات الكهربائية مقارنة بالرافعات العاملة بالبروبان.
النقل المبرد.. خفض الانبعاثات دون انتظار كهربة الشاحنات
في قطاع الخدمات اللوجستية وسلاسل التبريد، يمكن تحقيق خفض إضافي للانبعاثات من خلال تحسين أنظمة التبريد، وإدارة غازات التبريد، وتطوير عمليات تحميل وتفريغ الشاحنات، وتحسين مسارات المركبات وإدارة الأساطيل.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة لأن وحدات التبريد في مركبات النقل قد تظل تعمل أثناء توقف المركبات في مراكز التوزيع للحفاظ على درجات الحرارة المطلوبة، ما يؤدي إلى استهلاك الوقود وإطلاق الانبعاثات دون أن تكون المركبة في حالة حركة.
وبالتالي، يمكن تحقيق خفض ملموس في استهلاك الديزل والانبعاثات المرتبطة به قبل الوصول إلى مرحلة التحول الكامل نحو المركبات الثقيلة الكهربائية.
الطاقة المتجددة تعزز أثر الكهربة
تزداد فوائد التحول إلى الكهرباء عندما يقترن باستخدام مصادر الطاقة المتجددة.
وتتجه شركات إلى تركيب أنظمة الطاقة الشمسية داخل مواقعها الصناعية لتعزيز أمن الطاقة، والسيطرة على التكاليف، وزيادة مرونة العمليات، وتقليل التعرض لتقلبات أسواق الطاقة.
كما يمكن لاتفاقيات شراء الطاقة المتجددة طويلة الأجل أن تساعد الشركات على التحوط من تقلبات الأسعار، إلى جانب خفض انبعاثات النطاق الثاني (Scope 2) المرتبطة باستهلاك الكهرباء المشتراة.
وتتميز العديد من هذه الحلول بأنها متاحة تجاريًا بالفعل، ويمكن لبعضها تحقيق فترة استرداد استثمارية قصيرة نسبيًا.
والدرس الأهم هنا هو أن كون الحل تدريجيًا لا يعني أنه قليل الأهمية.
من العلاقات العامة إلى الأداء الفعلي
رغم تزايد تعهدات الشركات بتحقيق الحياد الكربوني، لا تزال نسبة محدودة من الشركات المدرجة عالميًا تسير على مسارات انبعاثات تتوافق مع هدف الحد من ارتفاع درجات الحرارة إلى أقل بكثير من درجتين مئويتين.
وفي هذا السياق، يمكن أن يؤدي توجيه رأس المال بصورة أكثر انضباطًا نحو الحلول الجاهزة للتطبيق إلى تعزيز مصداقية التعهدات المناخية، لأن الشركات ستتمكن من إظهار نتائج ملموسة في خفض الانبعاثات بدل الاكتفاء بالإعلان عن أهداف بعيدة المدى.
إزالة الكربون لا تبدأ من الصفر، ولا تحتاج الشركات إلى انتظار الاختراع المثالي حتى تبدأ.
فالسؤال الأكثر أهمية اليوم ليس: ما التقنية الخارقة التي ستتمكن من معالجة آخر جزء من الانبعاثات في طريق طويل نحو صافي الصفر؟
بل: ما الحلول المثبتة والجاهزة التي لا تزال الشركات تتجاهل توسيع نطاق استخدامها؟
وفي سباق خفض الانبعاثات، قد يكون توسيع نطاق ما ينجح بالفعل أكثر تأثيرًا من انتظار ما قد ينجح في المستقبل.

