أخبارابتكارات ومبادرات

أول ساعة نووية في تاريخ البشرية فائقة الدقة.. تمهد لثورة في GPS وفهم أسرار الكون

تتفوق على أدق تقنيات العالم ويفتح الباب لفهم أعمق للكون عبر “الوقت”

في إنجاز علمي غير مسبوق قد يعيد تعريف مفهوم الزمن نفسه، نجح فريقان بحثيان من الصين والنمسا في تطوير أول “ساعة نووية” في تاريخ البشرية، لتفتح الباب أمام جيل جديد من تقنيات قياس الوقت بدقة تفوق كل ما هو متاح حاليًا، بما في ذلك الساعات الذرية التي تُعد حتى اليوم المعيار الذهبي لضبط الزمن عالميًا.

ويأتي هذا التطور، الذي أُعلن عنه عبر دراستين علميتين نُشرتا على منصة “أركايف”، بدعم من جامعة تسينغخوا الصينية ومركز فيينا لعلوم وتكنولوجيا الكم بجامعة فيينا للتكنولوجيا، ليؤسس لثورة علمية تمتد تأثيراتها من أنظمة الملاحة العالمية إلى فهم أعمق لبنية الكون.

من الإلكترونات إلى النواة.. قفزة في قلب الذرة

تعتمد الساعات الذرية التقليدية على قياس اهتزازات الإلكترونات التي تدور حول نواة الذرة، وهي طريقة أثبتت دقتها العالية لعقود، لكنها تظل عرضة للتأثر بالعوامل الخارجية مثل المجالات المغناطيسية والكهربائية، ما يحد من استقرارها المطلق.

أما الساعة النووية الجديدة، فتنتقل إلى مستوى أعمق وأكثر ثباتًا، حيث تعتمد على قياس اهتزازات البروتونات والنيوترونات داخل نواة الذرة نفسها، وهي منطقة معزولة بطبيعتها عن التأثيرات الخارجية، ما يمنحها درجة استقرار ودقة غير مسبوقة، أشبه بوضع “بندول الزمن” داخل حصن محكم لا تصل إليه أي اضطرابات.

الثوريوم-229.. العنصر الذي كسر الحاجز

يكمن سر هذا الإنجاز في استخدام نظير نادر يُعرف باسم “الثوريوم-229”، والذي يتميز بخاصية فريدة تسمح لعلماء الفيزياء بالتفاعل مع نواته باستخدام أشعة ليزر دقيقة للغاية، دون الحاجة إلى طاقات تدميرية كما هو الحال في معظم العناصر الأخرى.

وقد تمكن الفريق الصيني، بقيادة الباحث بيتشين هوانغ، من تحقيق استقرار مذهل في قياس الزمن، حيث سجلت الساعة معدل عدم استقرار يقترب من جزء واحد من 10 تريليونات بعد يوم كامل من التشغيل، وهو رقم يضعها في مصاف أدق أدوات القياس في التاريخ.

في المقابل، ركز الفريق الأوروبي بقيادة لوكا توسكاني دي كول على توظيف الساعة النووية في البحث العلمي المتقدم، حيث استخدمها في محاولة لرصد “المادة المظلمة فائقة الخفة”، وهي إحدى أعقد ألغاز الفيزياء الحديثة. ورغم عدم رصد هذه المادة حتى الآن، فإن الحساسية الفائقة التي أظهرتها الساعة تجاوزت أداء أفضل الساعات الذرية المتاحة حاليًا.

تطبيقات تتجاوز قياس الوقت

لا يقتصر هذا الإنجاز على تحسين دقة الساعات فحسب، بل يمتد ليشكل نقطة تحول في العديد من المجالات الحيوية. فمن المتوقع أن تسهم الساعات النووية في تطوير أنظمة الملاحة العالمية (GPS) لتصل دقتها إلى مستوى السنتيمترات، ما سيحدث نقلة نوعية في مجالات النقل الذكي والقيادة الذاتية.

كما يمكن توظيفها كأجهزة استشعار فائقة الحساسية لقياس التغيرات في الجاذبية، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة لاكتشاف الموارد الطبيعية مثل المياه الجوفية والمعادن بدقة غير مسبوقة، إضافة إلى ذلك، تمنح هذه التقنية العلماء أداة فريدة لاختبار ثوابت الطبيعة، والتحقق مما إذا كانت القوانين الفيزيائية التي تحكم الكون ثابتة بالفعل أم تتغير بمرور الزمن.

. الصين والنمسا تدشنان عصر “الساعة النووية” الأكثر دقة في التاريخ
. الصين والنمسا تدشنان عصر “الساعة النووية” الأكثر دقة في التاريخ

بداية عصر جديد لقياس الزمن

يرى خبراء أن هذا التطور يمثل أكثر من مجرد تحسين تقني، بل هو تحول جذري في الطريقة التي يفهم بها الإنسان الزمن والكون. ومع استمرار تطوير هذه الساعات لتصبح أصغر حجمًا وأكثر قابلية للتطبيق، قد نشهد خلال السنوات المقبلة ثورة حقيقية في مجالات التكنولوجيا والعلوم الأساسية.

وبينما كانت الساعات الذرية تمثل قمة الدقة لعقود طويلة، يبدو أن “الساعة النووية” تستعد الآن لقيادة عصر جديد، حيث يصبح قياس الزمن أكثر استقرارًا ودقة من أي وقت مضى، فاتحًا الباب أمام اكتشافات قد تغير فهمنا للعالم من حولنا.

ويأمل الفريق أن نجاح هذه التجارب وتطويرها مستقبلاً لتصبح أصغر حجماً سيفتح الباب أمام تطبيقات ثورية تشمل تطوير أنظمة الملاحة “جي بي إس”، لتصبح دقيقة بمستوى السنتيمترات المعدودة، كما يمكن استخدام الساعات الجديدة كأجهزة استشعار فائقة الحساسية للجاذبية للكشف عن المعادن والمياه الجوفية بدقة متناهية، وأخيرا اختبار ثوابت الطبيعة، عبر التحقق مما إذا كانت القوانين والثوابت الفيزيائية التي تحكم الكون ثابتة حقا أم أنها تتغير مع مرور الزمن.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة