ألواح شمسية عائمة تثير قلق العلماء:..تأثيرات غير متوقعة على قاع البحر
كيف تُحدث الألواح الشمسية البحرية اضطرابات في النظام البيئي؟
بين أمواج بحر الشمال التي تعجّ بمزارع الرياح، تتبلور رؤية طموحة لمستقبل الطاقة النظيفة: منشآت شمسية عائمة تشارك الرياح المساحة ذاتها لتوليد الكهرباء من مصدرين في آنٍ واحد. لكنّ هذا الحلم الأزرق، الذي يجمع بين كفاءة المساحات واستدامة الموارد، بدأ يثير تساؤلات عميقة حول تكلفته البيئية الخفية.
دراسة بلجيكية حديثة كشفت أن الألواح الشمسية العائمة، رغم كونها رمزًا للتقدم في مجال الطاقة المتجددة، قد تُحدث اضطرابات هيدروديناميكية تؤثر في التيارات البحرية، والاضطراب المائي، واستقرار الرواسب في قاع البحر، بما ينعكس على النظم البيئية القاعية الحساسة.
مختبر مفتوح في بحر الشمال
يُعد بحر الشمال أحد أكثر المناطق ازدحامًا بالبنى التحتية للطاقة المتجددة في أوروبا، فمنذ بداية الألفية، انتشرت فيه مزارع الرياح البحرية بكثافة، لتصل قدراتها الإجمالية إلى نحو 25 جيجاوات حاليًا، مع خطط طموحة لبلوغ 300 جيجاوات بحلول عام 2050.
هذه الكثافة جعلت صناع القرار يبحثون عن طرق مبتكرة للاستفادة القصوى من المساحة البحرية، وهنا ظهر اقتراح دمج الألواح الشمسية العائمة مع مزارع الرياح القائمة، بحيث تُستغل مناطق أكثر هدوءًا وإشراقًا على سطح البحر، مع مشاركة البنية التحتية ذاتها من خطوط نقل وتوصيل كهربائي.

الفكرة تبدو منطقية واقتصادية: كهرباء أكثر ومساحة أقل.
لكن دراسة أعدّتها الباحثة بولين دينيه وزملاؤها من المعهد الملكي البلجيكي للعلوم الطبيعية، ونُشرت مطلع عام 2025، كشفت أن لهذه المزايا ثمناً بيئياً غير متوقع.

محاكاة رقمية لقاع البحر
استخدم الفريق نموذجًا هيدروديناميكيًا متقدمًا يُعرف باسم COHERENS، لمحاكاة منطقة تمتد 25 كيلومترًا مربعًا حول موقع مزرعة الرياح «ميرميد» في الجزء البلجيكي من بحر الشمال.

قارن الباحثون بين أربعة سيناريوهات مختلفة:
- منطقة خالية من أي منشآت.
- منطقة تحتوي فقط على توربينات الرياح.
- منطقة تضم توربينات رياح وألواحًا شمسية عائمة بتوزيع متباعد (قدرة تقارب 126 ميجاوات).
- منطقة مماثلة لكن بألواح شمسية كثيفة (قدرة تقارب 252 ميجاوات).
وركّز التحليل على أربعة مؤشرات أساسية:
- التغير في كمية الإشعاع الشمسي الذي يخترق سطح الماء.
- درجات حرارة سطح البحر.
- سرعة التيارات البحرية ومستويات الاضطراب المائي.
- إجهاد القص القاعي(Bottom Shear Stress) الذي يعكس قوة احتكاك الماء بالرواسب في قاع البحر.
تأثير ظاهري طفيف.. وتغيّر عميق تحت السطح
أظهرت النتائج أن تأثير التظليل الحراري كان محدودًا جدًا، إذ أدى وجود الألواح إلى انخفاض متوسط قدره 0.006 درجة مئوية فقط في درجة حرارة سطح البحر، مع أقصى انخفاض محلي بلغ 0.03 درجة.
ويعني ذلك أن تصميم الألواح المرفوعة فوق سطح الماء يقلل من التأثيرات الحرارية، على عكس النماذج التي تطفو مباشرة على السطح وتمنع وصول الضوء بشكل أكبر.
لكن الصورة اختلفت تمامًا عند النظر إلى التيارات البحرية.
ففي حالة الكثافة العالية للألواح الشمسية، انخفضت سرعة التيارات السطحية بنسبة تجاوزت 20% مقارنة بحالة وجود توربينات الرياح وحدها.
السبب؟ الهياكل العائمة والأنظمة المساندة التي تعمل كعوائق أمام حركة المياه، فتكبح سرعتها وتُحدث اضطرابات دائرية جديدة (دوامات صغيرة) تغيّر توزيع الطاقة المائية في الطبقات العليا.
أما على مستوى القاع، فكانت التغيّرات في سرعة التيارات محدودة نسبيًا (نحو 0.5%)، لكن التأثير في إجهاد القص القاعي كان دراماتيكيًا.
ففي مناطق محددة، تغيّر الإجهاد بنسبة 63% مقارنة بحالة مزارع الرياح فقط، وامتد تأثير التغيرات التي تتجاوز 10% إلى مساحة تبلغ 1.8 ضعف مساحة المزرعة الأصلية، أي أكثر من 23 ضعف المساحة التي تشغلها الألواح الشمسية نفسها.
من طاقة الشمس إلى اضطراب القاع
يُفسَّر هذا الاتساع في التأثير بأن الألواح الشمسية العائمة تُضيف عددًا كبيرًا من الأسطح المغمورة، من العوامات والهياكل المعدنية إلى الكابلات والمراسي، أي ما يقارب 20 ضعف المساحة الغاطسة لكل ميجاوات مقارنة بتوربينات الرياح.
هذه الأسطح تعمل كعوائق ميكانيكية أمام حركة المياه، فتبُطئ التيارات وتزيد من اضطرابها، وتعيد توزيع الرواسب الدقيقة في القاع. ومع الوقت، يمكن أن تتغيّر أنماط الترسيب والانجراف، فتتأثر موائل الكائنات القاعية مثل الرخويات والديدان البحرية، كما قد تتبدّل مسارات تدفق المغذيات والكربون، ما ينعكس على الشبكة الغذائية البحرية بأكملها.
ويحذر العلماء من أن الزيادة في إجهاد القص القاعي قد ترفع معدلات تعكر المياه (Turbidity) نتيجة إعادة تعليق الرواسب الدقيقة، في حين أن الانخفاض المفرط في هذا الإجهاد قد يؤدي إلى ترسيب مفرط يطمس موائل الكائنات الحية.
تحذير مبكر لصنّاع القرار
رغم أن النموذج البلجيكي لا يشمل بعض العوامل المهمة مثل تأثير الأمواج، وأنظمة التثبيت، أو تكوّن المستعمرات الحيوية (كالطحالب والمحار التي تنمو على الأسطح المعدنية وتزيد من المقاومة المائية)، فإن نتائجه تُعدّ أول تقييم متكامل لتأثير الألواح الشمسية العائمة في بيئة بحرية واقعية.
وتؤكد الدراسة أن التخطيط البحري المستقبلي يجب أن يأخذ هذه المعطيات في الحسبان، خاصة مع التوجه الأوروبي لتكثيف مشروعات الطاقة البحرية. فكل منشأة جديدة، مهما كانت صديقة للمناخ، قد تحمل أثرًا تراكميًا على النظام البيئي البحري إن لم تُدار بحذر.
وتوصي الباحثة دينيه بضرورة تصميم هياكل أقل إعاقة لحركة المياه، واختيار مواقع لا تحتوي على نظم بيئية حساسة، إلى جانب تعزيز برامج الرصد الميداني الطويل الأمد لرصد التغيرات في الرواسب والتيارات والكائنات القاعية.
البيئة أولا.. حتى في سباق الطاقة
النتائج لا تهدف إلى عرقلة مشاريع الطاقة المتجددة البحرية، بل إلى تذكير المطورين بأن التحول الأخضر يجب أن يُبنى على أسس بيئية سليمة.
فبينما تسعى أوروبا والعالم إلى تحقيق الحياد الكربوني، لا بد أن تُوازَن المكاسب المناخية مقابل التأثيرات المحلية على النظم البيئية.
فالطاقة الشمسية والرياح ليستا خصمين، بل شريكان محتملان، لكن نجاح شراكتهما البحرية يعتمد على مدى احترامهما لإيقاع البحر نفسه.
كما خلص الباحثون إلى أن الجيل المقبل من مزارع الطاقة البحرية ينبغي ألا يركّز فقط على “كمية الطاقة المنتجة”، بل على “كيفية تفاعلها مع البيئة المحيطة”، لأن البحر ليس مجرد ساحة هندسية، بل نظام بيئي نابض بالحياة، يستحق أن يُراعى في كل خطوة من خطوات الانتقال الطاقوي.





