أكثر من نصف احتياطيات النحاس العالمية في 5 دول.. فمن يملك مفاتيح الطاقة النظيفة؟
النحاس في قلب التحول الأخضر.. هل تدفع الدول النامية الثمن؟
-
النحاس.. من مناجم الدول الفقيرة إلى مصانع التقنيات المتقدمة
إنه أكثر من مجرد معدن؛ فهو موجود في هواتفنا ومنازلنا وسياراتنا، ويغذي حياتنا اليومية بهدوء. مع تزايد الطلب على التقنيات النظيفة، مثل الألواح الشمسية والمركبات الكهربائية، يتصاعد الاهتمام بالنحاس.
ولكن ما هي تكاليف وعواقب استخراجه؟ ومن المستفيد الحقيقي؟ وهل يمكننا تلبية هذه المتطلبات دون تكرار أخطاء الماضي؟
حذرت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) من أن النقص الوشيك في النحاس قد يعطل تحول العالم إلى الطاقة النظيفة والتقنيات الرقمية.
يقع أكثر من نصف الاحتياطيات العالمية في خمس دول فقط (من حيث حجم الاحتياطيات) – تشيلي، وأستراليا، وبيرو، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والاتحاد الروسي. في الوقت نفسه، يُشكل انخفاض جودة الخام، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وجداول تطوير المناجم التي تصل إلى 25 عامًا، تحديات هيكلية.
من المتوقع أن ينمو الطلب العالمي على النحاس بأكثر من 40% بحلول عام 2040، إلا أن العرض لا يواكب هذا النمو. وقد يتطلب تلبية هذا الطلب إنشاء 80 منجمًا جديدًا، واستثمارات تُقدَّر بـ250 مليار دولار بحلول عام 2030.
ويقول التقرير إن النحاس يمثل حالة اختبار لإدارة المواد الحيوية في ظل التوترات التجارية العالمية وسلاسل التوريد المجزأة والسياسات الصناعية المتغيرة.
يتطلب سد فجوة العرض تسريع إصدار التصاريح، وتحسين التكنولوجيا، وتقوية الشراكات، وتنويع طرق التجارة. كما تدعو الأونكتاد إلى اعتماد سياسات تجارية وصناعية أكثر ذكاءً لمساعدة الدول النامية على الارتقاء في سلسلة قيمة النحاس.

يركز هذا الإصدار من “تحديث التجارة العالمية” على النحاس، المادة الخام الاستراتيجية التي تشكل جوهر التحول العالمي في مجالي الطاقة والرقمنة، إذ يُعد أساسيًا للسيارات الكهربائية، وأنظمة الطاقة المتجددة، ومراكز البيانات، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والشبكات الذكية.
يستعرض التقرير التحديات التي تواجه العرض، والأهم من ذلك، كيفية إطلاق العنان لإمكانات تطوير النحاس. ويدعو إلى سياسات تجارية وصناعية أكثر ذكاءً لمساعدة الدول النامية على الارتقاء في سلسلة قيمة النحاس.
النقاط الرئيسية:
1. قيود العرض وفترات التسليم الطويلة تُنذر بعجز هيكلي.
تتركز أكثر من نصف احتياطيات النحاس العالمية في خمس دول فقط: تشيلي، أستراليا، بيرو، جمهورية الكونغو الديمقراطية، والاتحاد الروسي (وفقًا لحجم الاحتياطيات).
ولكن الاحتياطيات لا تمثل سوى جزء من الصورة؛
فالصين، على سبيل المثال، تستورد 60% من خام النحاس العالمي، وتنتج أكثر من 45% من النحاس المُكرر عالميًا.
تزداد التحديات تعقيدًا بسبب انخفاض جودة الخامات، وتزايد المخاطر الجيوسياسية، وطول فترات تطوير المناجم التي تصل حاليًا إلى 25 عامًا. وسيتطلب سد فجوة العرض تسريع إصدار التصاريح، وتبني تقنيات أفضل، وإقامة شراكات أقوى، وتنويع طرق التجارة.

2. الحفر والشحن لا يكفيان.
النحاس الخام يحقق عوائد محدودة، بينما تكمن القيمة في المراحل الأعلى من السلسلة، مثل تصنيع الأسلاك والأنابيب والصفائح، وهي عمليات أكثر تعقيدًا وربحية.
إلا أن معظم مصدري النحاس الرئيسيين لا يحققون متوسط التعقيد الاقتصادي العالمي، ما يعكس محدودية قدرتهم على التطوير الصناعي.
للارتقاء في سلم التنمية، على الدول النامية الغنية بالنحاس الاستثمار في مجالات التكرير والمعالجة والتصنيع، عبر تعزيز البنية التحتية، وتطوير المهارات، وإنشاء المناطق الصناعية، وتقديم حوافز ضريبية، وتنفيذ سياسات تجارية داعمة للإنتاج عالي القيمة.

3. التصعيد الجمركي يعوق التقدم الصناعي.
عند سعي الدول النامية للارتقاء في سلسلة القيمة، تواجه حواجز تجارية، إذ لا تتجاوز التعريفات الجمركية على النحاس المُكرر 2% عادةً، في حين تصل إلى 8% على المنتجات النهائية كالكابلات والأنابيب.
هذا “التصعيد الجمركي” يُثبط الصادرات ذات القيمة المضافة، ويُقيد الدول المنتجة بدور موردي المواد الخام. ولمزيد من المعلومات، يُمكن الرجوع إلى تحديث التجارة العالمية (مارس 2020).

4. إعادة التدوير ضرورة لسد الفجوة.
مع تباطؤ الإنتاج الأولي، أصبحت إعادة التدوير جزءًا رئيسيًا من الحل. فقد بلغ إنتاج النحاس المكرر الثانوي 4.5 مليون طن في عام 2023، أي نحو 20% من الإنتاج الإجمالي، ويتمتع هذا الإنتاج بتكلفة وانبعاثات أقل وأداء مماثل.
الولايات المتحدة هي أكبر مصدر عالمي لخردة النحاس، تليها ألمانيا واليابان، بينما تأتي الصين وكندا وكوريا الجنوبية في طليعة المستوردين.

بالنسبة للدول النامية، يمكن أن تمثل خردة النحاس موردًا استراتيجيًا. فتعزيز القدرة على إعادة التدوير والمعالجة محليًا يقلل من الاعتماد على الواردات، ويدعم التجارة ذات القيمة المضافة، ويُعزز اقتصادًا دائريًا ومستدامًا.
لقد دخلنا “عصر النحاس”، ولكن من دون استراتيجيات صناعية وتجارية ذكية ومنسقة، فإن العديد من الدول النامية مُعرضة للتخلف عن الركب.

إعادة التدوير توفر 20% من النحاس المكرر عالميا
في ظلّ صعوبة مواكبة الإنتاج الأولي للتطورات، تبرز إعادة التدوير كجزء أساسي من حل مشكلة إمدادات النحاس. فهي أقلّ تكلفةً في الإنتاج، وتُخفّض الانبعاثات، وتُحقق نفس الأداء.
في عام ٢٠٢٣، ورّدت المصادر الثانوية ٤.٥ مليون طن، أي ما يقارب ٢٠٪ من النحاس المكرر عالميًا . وكانت الولايات المتحدة وألمانيا واليابان أكبر مُصدّري الخردة، بينما تصدّرت الصين وكندا وجمهورية كوريا قائمة الواردات.
بالنسبة للدول النامية، يوفر إعادة تدوير النحاس فرصة استراتيجية لتقليل الاعتماد على الواردات وخفض الانبعاثات ودعم اقتصاد أكثر دائرية.
يقول مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إن عصر النحاس قد بدأ، لكنه يحذر من أنه بدون استراتيجيات تجارية وصناعية منسقة، سيظل العرض تحت الضغط، وستواجه العديد من الدول النامية خطر فقدان فرصها. ويدعو تقريره الجديد إلى الاستثمار في القيمة المضافة محليًا، وتوسيع نطاق إعادة التدوير، وإزالة الحواجز التجارية التي تحد من الفرص.





