أهم الموضوعاتأخبارالتنمية المستدامة

أزمة غذاء عالمية تلوح في الأفق.. المناخ يضرب إنتاج الغذاء ويدفع الأسعار للارتفاع

من المغرب إلى اليابان.. تغيّر المناخ يهدد الأمن الغذائي ويكشف هشاشة الأنظمة الزراعية

تشهد منظومة الغذاء العالمية اضطرابات غير مسبوقة تُظهر بوضوح أن تغيّر المناخ لم يعد تهديدًا نظريًا، بل بات قوة مدمّرة تضرب أساسيات الحياة اليومية، بدايةً من أسعار السلع الأساسية وصولًا إلى الخيارات الزراعية الكبرى للدول.

وقد تجلّى ذلك مؤخرًا في اليابان، حيث وجد وزير الزراعة نفسه مجبرًا على الاستقالة بعد تعليق اعتُبر مستفزًا حين قال إنه لا يشتري الأرز لأن أنصاره يهدونه ما يكفيه منه.

كان المشهد ليبدو عابرًا لولا أنّ البلاد تعيش أزمة حقيقية في محصولها الأكثر رمزية؛ فأسعار الأرز تضاعفت خلال أشهر قليلة، والحكومة اضطرت إلى ضخ نصف مليون طن من المخزون الاستراتيجي في محاولة لتهدئة الأسواق.

تغير المناخ وتصاعد الحرارة الشديدة عالميًا
تغير المناخ وتصاعد الحرارة الشديدة عالميًا

تتقاطع أسباب الأزمة بين تغيّر المناخ، والمخاوف من الكوارث الطبيعية، والضغط المتنامي للسياحة الجماعية، إذ أدّت موجات الحرّ الشديدة والأمطار الغزيرة إلى تراجع إنتاج الأرز، بالتزامن مع قيام اليابانيين بتخزينه في عام 2024 خوفًا من زلزال جديد.

وزاد الوضع تعقيدًا الإقبال الهائل من السياح – نحو 37 مليون زائر العام الماضي – على الأطباق اليابانية التقليدية، وفي مقدمتها السوشي، فارتفعت معدلات الاستهلاك إلى مستويات غير مسبوقة.

هذه الصورة ليست استثناءً؛ فالبرازيل، أكبر مصدّر للقهوة في العالم، تُسجّل هبوطًا مؤلمًا في إنتاج البن العربي، فيما يستمر الطلب العالمي في التصاعد.

وفي مونتفيدو، العاصمة الأوروغوانية، جفّت صنابير المياه في عام 2023 في سابقة صادمة لدولة يغطيها نسيج واسع من الأنهار.

أما المكسيك، موطن الذرة البيضاء وأيقونتها الزراعية، فتعاني اليوم من فجوة كبيرة بين الإنتاج والاستهلاك، ما دفع وارداتها من الولايات المتحدة للارتفاع بنسبة 168% في الربع الأول من عام 2025؛ مفارقة مُرّة لشعب بُني جزء من حضارته حول الذرة.

الإعصار جون يضرب ساحل المكسيك
الإعصار جون يضرب ساحل المكسيك

المناخ… بوميرانج يرتد على العالم

تشكّل أنظمة إنتاج الغذاء أحد أكبر مصادر الانبعاثات العالمية، إذ تصدر عنها 35% من غازات الاحتباس الحراري، وفق تقرير التغذية العالمي لعام 2021.

ورغم ذلك، فإن هذه الأنظمة نفسها تقع اليوم ضحية للاحترار العالمي، الذي يدمّر البيئات البحرية، ويُقحِم المناطق المدارية في موجات برد غير معهودة، ويغرق مزارع بأكملها أو يحوّلها إلى أراضٍ متصحرة.

وتكشف دراسة نُشرت في دورية Nature عام 2025 أن ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار درجة مئوية واحدة فقط يؤدي إلى خسارة عالمية تقدّر بـ120 سعرة حرارية يوميًا من نصيب الفرد، وهي قيمة تبدو صغيرة لكنها تتراكم في محاصيل تهدّد الأمن الغذائي لمليارات البشر.

وتُحذّر الدراسة من أنّ الانعكاسات لن تكون متساوية؛ فالخسائر الأكبر ستُمنى بها المناطق الزراعية التي يعتمد عليها العالم اليوم.

تهديد المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية
تهديد المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية

التربة… الثروة الخفية التي تتآكل

منطقة البحر الأبيض المتوسط، التي ترتفع حرارتها بوتيرة أسرع من باقي العالم، تُمثّل نموذجًا لما ينتظر العالم من تدهور: تزايد الآفات، تراجع التنوع البيولوجي، ارتفاع مخاطر الأمراض الحيوانية المنشأ، وانخفاض إنتاج المحاصيل الأساسية.


وقد ظهر ذلك بوضوح في إسبانيا، أكبر منتج لزيت الزيتون في العالم، حيث تسببت موجات الجفاف وحرارة الصيف الممتدة في انهيار مواسم بأكملها.

تجاوز سعر لتر زيت الزيتون 10 يورو بين 2021 و2023، ما دفع محلات كثيرة إلى وضع أختام مضادة للسرقة على عبوات “الذهب السائل”. وانخفض استهلاك الزيوت البكر الممتازة بنسبة 23.8% مقارنة بالعام السابق.

الأزمة طالت جنوب المتوسط أيضًا؛ ففي المغرب، البلد الذي يرتبط مجتمعه ارتباطًا وثيقًا بالزراعة وتقاليده الغذائية، قادت أزمة المياه وارتفاع أسعار الماشية والحبوب إلى إلغاء الاحتفال بعيد الأضحى عام 2025 للمرة الأولى منذ ما يقرب من ثلاثة عقود. حدث لم تتوقعه دولة تمتلك خبرة طويلة في إدارة ندرة المياه.

ارتفاع أسعار الماشية والحبوب تسبب في إلغاء المغرب الأضحية

علم وتكنولوجيا… لكن بسلاسل مقيدة

يرى البروفيسور خوسيه ميجيل موليت أن أوروبا لا تستثمر بالقدر الكافي في البحث الزراعي، رغم أن القطاع بات خط الدفاع الأول في مواجهة تغيّر المناخ.

ويشير إلى أنّ القيود التنظيمية الأوروبية تؤخر الابتكار، لا سيما حظر استخدام بعض المبيدات ومنع زراعة المحاصيل المعدّلة وراثيًا رغم السماح باستيرادها، إضافة إلى غياب إطار تنظيمي واضح لتقنيات تحرير الجينات مثل CRISPR.

ويؤكد أن تطوير نباتات مقاومة للجفاف والحرارة والملوحة أكثر تعقيدًا بكثير من تطوير نباتات مقاومة للحشرات أو الأعشاب الضارة، لأن الضغوط المناخية تُغيّر شبكات كاملة داخل النبات وليس جينًا واحدًا فقط.

لذلك، ورغم وجود محاصيل معدلة وراثيًا في السوق منذ سنوات، لا تزال الأنواع المقاومة للجفاف محدودة؛ مثل بعض أنواع الذرة في الولايات المتحدة، وقمح HB4 الأرجنتيني.

زراعة الخضراوات الضخمة: 5 نصائح للحصول على محاصيل أكبر حجمًا
محاصيل أكبر حجمًا

الابتكار.. من المختبر إلى الحقل

تعمل مبادرة EIT Food منذ عام 2018 على تعزيز ريادة الأعمال الزراعية في جنوب أوروبا – المنطقة الأكثر تأثرًا بالتغير المناخي داخل القارة.
وتستثمر المبادرة 83 مليون يورو في حلول لتحسين إدارة المياه، وابتكار أصناف نباتية أكثر قدرة على تحمل الحرارة والجفاف، واستعادة التربة المتدهورة.

لكن ما ينقص، وفق مديرة المبادرة بيجونيا بيريث، هو التوسع؛ فالحلول الصغيرة ذات تأثير محدود، بينما يتطلب حجم التحدي تعاونًا بين الحكومات والعلماء والمزارعين والشركات والمستهلكين.

الزراعة التجددية… أمل يلوح في الأفق

يبرز مشروع LILAS4SOILS بوصفه أحد أكبر المشاريع الأوروبية في مجال استعادة التربة، ويعتمد على إنشاء معامل حية في الحقول نفسها لتعزيز ممارسات الزراعة الكربونية.

ويستهدف إعادة بناء صحة التربة في دول جنوب أوروبا، حيث قد تنخفض غلات محاصيل أساسية – كالقمح والذرة والبنجر السكري – بنسبة تصل إلى 50% بحلول 2050 في حال استمرار الانبعاثات المرتفعة.

استجاب المزارعون بسرعة؛ فبعد مشاركة 35 مزارعًا في البداية، تلقى المشروع أكثر من 280 طلبًا للانضمام إليه، ما يعكس خوفًا حقيقيًا من مستقبل الزراعة ورغبة ملحة في الانتقال إلى ممارسات more resilient.

الزراعة التجددية

خطوط النار البشرية… حين يتحول المناخ إلى عامل طرد

يشير “يوم تجاوز قدرة الأرض” الذي صادف 24 يوليو 2025 إلى أن البشرية تستهلك موارد تفوق قدرة الكوكب على تجديدها. غير أن هذا الاستنزاف لا يقع بالتساوي؛ فقطر يتصدر قائمة الاستهلاك للفرد، بينما تأتي دول كأوروجواي في ذيلها.

أما نتائجه، فتقع غالبًا على الدول الأكثر فقرًا، حيث ملايين البشر يُهجَّرون سنويًا بسبب الكوارث المناخية، وتتحوّل الأراضي الخصبة إلى مخيمات للنازحين من الجفاف والفيضانات.

وفي ظل ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، حتى زيادة بسيطة – كارتفاع ثمن فنجان القهوة دولارًا واحدًا في كاليفورنيا – تمثل كارثة لملايين المزارعين في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، حيث قد تعني خسارة المحصول خسارة الحياة نفسها.

ويُظهِر تقرير منظمة الأغذية والزراعة (فاو) أن 2.6 مليار إنسان عاجزون اليوم عن الوصول إلى نظام غذائي صحي، وأن النسبة الأكثر هشاشة تقع في أفريقيا، حيث لا يحصل سوى ثُلث السكان فقط على غذاء صحي.

2.6 مليار إنسان عاجزون اليوم عن الوصول إلى نظام غذائي صحي

خلاصة: العلم ليس كافيًا… والسياسة ليست اختيارًا

يقول موليت إن ارتفاع الإنتاج لن يحلّ المشكلة إذا لم ترافقه سياسات توزيع عادلة، فالجوع لا ينتج فقط عن نقص الغذاء بل عن سوء إدارته.
وبينما يقدم العلم حلولًا تقنية، يبقى البُعد الاجتماعي والسياسي هو الركيزة التي يتوقف عليها مستقبل الأمن الغذائي العالمي.

الجوع لا ينتج فقط عن نقص الغذاء بل عن سوء إدرته

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading