وجهات نظر

د.محمد طه زلمه: التحدي الأكبر لإنتاج الحبوب عالميًا واستراتيجيات التنمية المستدامة

أستاذ مساعد بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية- مركز البحوث الزراعية

على مدى الخمسين سنة الماضية، شهد إنتاج الحبوب في العالم نموًا كبيرًا، ففي الفترة من عام 1961 إلى عام 2014، زاد الإنتاج العالمي للحبوب من القمح بنسبة 2.2%، الأرز بنسبة 2.5% والذرة بنسبة 3.9%، وهو ما تجاوز معدل النمو السكاني (منظمة الأغذية والزراعة، 2015).

وقد أدى هذا إلى انخفاض كبير في نسبة الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية على الرغم من الزيادات السريعة في عدد سكان الأرض، ومع ذلك، فإن التحديات التي تواجه إنتاج الحبوب والأغذية الزراعية أكبر من أي وقت مضى، لأنه يجب تحقيق زيادة في إنتاج الغذاء العالمي، مع تحسين كفاءة استخدام الموارد وتجنب التدهور البيئي.

يمكن أن تُعزى مضاعفة إنتاج الغذاء الزراعي في جميع أنحاء العالم حتى التسعينيات جزئيًا إلى، زيادة مساحات الأراضي المزروعة بمقدار 1.1ضعف، زيادة في مساحات الأراضي المروية بمقدار 3.5 ضعف، زيادة التسميد النيتروجيني بمقدار 6.9ضعف، زيادة التسميد الفوسفوري بمقدار 3.5 ضعف، التحسين الوراثي للمحاصيل واستنباط أصناف جديدة، تعزيز خصوبة التربة عن طريق التسميد الكيميائي والري، المكافحة الكيميائية للآفات والأمراض واستخدام الميكنة الزراعية والتكنولوجيا،

هذا بالإضافة إلي ملائمة المناخ الزراعي لعميات الإنتاج في هذه الفترة وعدم تطور التغيرات المناخية، كما نشهده حاليًا.

 الصين وإنتاج الحبوب

خلال الفترة من 1961 إلى 2008، لم تشهد ما بين 24٪ – 39٪ من مناطق زراعة الذرة، الأرز، القمح وفول الصويا في العالم أي تحسن في محصول الحبوب، أو أصابها الركود أو الانهيار.

علي سبيل المثال، كان الوضع في الصين أسوأ بكثير، حيث أن 79٪ من مساحة محصول الأرز، 56٪ من القمح وأكثر من 50٪ من مناطق الذرة، لم تظهر أي زيادة في المحصول خلال هذه الفترة، ومع ذلك، فقد غذت الصين عدد سكانها الضخم والذي يمثل 22٪ من سكان العالم بـحوالي 9٪ من الأراضي الصالحة للزراعة في العالم، مما أدى إلى وصفها بـــ (معجزة في الصين Miracle in China) خلال العقود الماضية.

زراعة أرز في الصين
زراعة الأرز في الصين

وتم تصنيف إجمالي إنتاج الحبوب في الصين على أنه الأكبر في العالم في كل من السنوات العشرين الماضية (منظمة الأغذية والزراعة، 2015).

عدم تحمل تكاليف الغذاء

تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (2021)، أن حوالي ثلاث مليارات شخص بما يمثل 40% تقريبًا من سكان العالم لا يستطيعون تحمل تكاليف نمط غذائي صحي، ووفقا لهذا فإن ما يقارب المليار شخص إضافي في خطر إذا أدت صدمة ما إلى خفض دخلهم بمقدار الثلث في 143 بلدًا.

ويعيش معظم هؤلاء السكان في البلدان المتوسطة الدخل ويشكلون ما يقرب من 17% في المائة من السكان، وهذه الحصة أصغر بكثير في البلدان المنخفضة الدخل، حيث يعجز 88% بالفعل عن تحمل تكاليف نمط غذائي صحي.

كما تشير التقديرات الواردة في تقرير منظمة الأغذية والزراعة العالمية (حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم للعام 2021)، أن حوالي 768 مليون شخص بما يمثل 9.9% من سكان العالم قد عانوا من الجوع في عام 2020، بما يمثل زيادة قدرها حوالي 118 مليون شخص تقريبًا بالمقارنة مع العام 2019.

الضغوط والصدمات  

وتُعزى معظم هذه الزيادة نتيجة الضغوط والصدمات المتزايدة التي تهدد إنتاج مزيد من الأغذية حول العالم، والتي تتراوح من موجات الجفاف والفيضانات إلى النزاعات المسلحة وتقلبات الأسعار، وأخيرًا بسبب جائحة فيروس كورونا والحرب الروسية الأوكرانية.

أيضًا، لقد غيرت العولمة تمامًا أنماط إنتاج واستهلاك الغذاء، على الرغم من أن الإنتاج الزراعي أصبح أكثر كفاءة. بالإضافة إلى ذلك، وبسبب العولمة، تعتمد نسبة أكبر من سكان العالم على الغذاء المستورد مما يجعلهم معرضين بشدة لتقلبات السوق والأحداث المناخية المتطرفة غير المتوقعة، التي تؤثر على مناطق زراعة المحاصيل والحبوب وإنتاجية سلة الغذاء العالمي.

أثار سوء الطقس على القمح في أوكرانيا
أثار سوء الطقس على القمح

إلى جانب دول العالم النامي، تعد منطقة الشرق الأدنى وشمال إفريقيا مثالًا مثاليًا على ذلك، حيث أدت جائحة وباء فيروس كورونا، الحرب الروسية الأوكرانية وعدم استقرار الوضع السياسي العالمي، إلى تفاقم الأوضاع المحلية والدولية من خلال تعطيل سلاسل إمداد الغذاء العالمية، ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة الطلب على الأغذية.

لهذه الأسباب، أصبح الاكتفاء الذاتي والإنتاج الغذائي المحليين ضروريين في ضوء التهديدات المستمرة والمتوقعة للأوبئة، الحروب الإقليمية والتقلبات المناخية.

عملت هذه العوامل على إثارة القلق، وذلك بتحولها إلى أزمة اقتصادية عميقة شملت، تقلبات السوق، أزمات ائتمانية، انخفاض الدخل، زيادة البطالة، فقدان العمل وزيادة عدم المساواة في جميع أنحاء العالم.

الاكتفاء الذاتي من الحبوب

فالهدف الأغلى والأسمى لتكنولوجيات الإنتاج الزراعي والغذائي، هو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب ومن المنتجات الغذائية، أو على الأقل تقليل الفجوة الغذائية وتحقيق الأمن الغذائي العالمي جنبًا إلى جنب مع تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

ورد في تقرير منظمة الأغذية والزراعة العالمية عن حالة الأغذية والزراعة للعام 2021، أن النظم الزراعية والغذائية حول العالم تنتج سنويًا حوالي 11 مليار طن من الأغذية، بالإضافة للعديد من المنتجات غير الغذائية، والتي من ضمنها 4 مليارات متر مكعب من الخشب و32 مليون طن من الألياف الطبيعية، وبلغت قيمة الإنتاج الزراعي حوالي 3.5 تريليون دولار أمريكي في العام 2018.

المحاصيل الزراعية

تعتبر الحبوب العالمية الرئيسية الثلاثة (الذرة، القمح والأرز) من أوسع المحاصيل المزروعة انتشارًا حول العالم، حيث يبلغ المحصول السنوي لهذه الحبوب مجتمعة حوالي 2.5 مليار طن، بما يمثل حوالي 23% من إجمالي انتاج النظم الزراعية والغذائية حول العالم.

تعد هذه الحبوب مجتمعة بمثابة حجر الزاوية وأساس الأمن الغذائي العالمي، كما تشكل العنصر الأهم والمكون الرئيسي من مكونات النظام الغذائي البشري، إذ تستأثر بنحو 42.5% من إمدادات السعرات الحرارية الغذائية في العالم، وحوالي 37% من احتياجات البروتين في المرتبة الثانية بعد المنتجات السمكية والحيوانية، كما وتزيد إمدادات القمح من البروتينات وحدها عن مجموع إمدادات الدواجن واللحوم.

أيضًا، يلعب القمح وحده دورًا حاسمًا بشكل خاص في ضمان الأمن الغذائي والتغذوي العالمي، حيث يوفر خمس السعرات الحرارية والبروتينات الغذائية على مستوى العالم (منظمة الأغذية والزراعة: الإنتاج، 2015).

حصاد القمح

ومن المتوقع أيضًا، أن يزداد إنتاج الحبوب في العالم بحوالي 50٪ حتى عام 2050 لدعم عدد سكان يصل إلى 11 مليار نسمة.

من ناحية أخري، تعتبر الزراعة مساهم رئيسي في مختلف أشكال التلوث والتدهور البيئي واستنزاف الموارد.

الزراعة الذكية

أدت هذه الأسباب إلى تقليل أو ترشيد استخدام التقنيات المدمرة للزراعة والتوجه إلى الابتكار والحلول غير التقليدية فيما يسمى بالزراعة الذكية، والتي منها تقنيات التحول الرقمي والتي تهدف إلى تسريع تحول نظم الإنتاج الزراعي والغذائي إلى نظم زكية مناخيًا وتطبيقيًا لتحقيق نتائج أفضل تزيد الإنتاجية وتحافظ على الموارد وتحقق الاستدامة.

الزراعة الذكية

والسؤال الذي يطرح نفسه، عندما يتعلق الأمر بالعقد القادم، ما هو التحدي الأكبر الذي سيواجهه نظام الحبوب العالمي؟!

وكيف يمكن تبني استراتيجيات التنمية المستدامة، من أجل تكثيف إنتاجية الحبوب المستدامة، تحقيق أهداف التنمية وتأمين سلة الغذاء العالمي، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الضرر الذي يلحق بالبيئة وصحة الإنسان والحفاظ على إمكانات وموارد الإنتاج سليمة؟!

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading