“حدائق على الورق”.. الأمم المتحدة تكشف انهيار مشروعات الحفظ البيئي عالميًا
العالم يبدو "أخضرًا على الورق فقط".. إنذارات أممية من انهيار التقدم البيئي.. العالم يفقد مشروعاته البيئية واحدة تلو الأخرى
في وقتٍ تتسارع فيه مؤشرات التدهور البيئي حول العالم، تُصدر الأمم المتحدة ودراسة دولية حديثة تحذيرًا صارخًا: مشروعات الحفظ البيئي تتلاشى بصمت، تاركة وراءها فراغًا في الحماية البيولوجية يصعب تعويضه.
فوفقًا للدراسة المنشورة في دورية Nature Ecology & Evolution، فإن نحو واحد من كل ثلاثة برامج بيئية في العالم يتوقف أو يتراجع خلال سنوات قليلة من انطلاقه، إما بسبب توقف التمويل أو تراجع الإرادة السياسية أو ضعف المشاركة المجتمعية.
هذا التراجع الصامت يجعل كثيرًا من الدول تُظهر إنجازات على الورق، بينما الواقع البيئي يسير في الاتجاه المعاكس.
إنجازات على الورق فقط
تُحذّر الدراسة من “الانفصال الخطير بين الخطاب البيئي والواقع الميداني”، حيث تُسجل آلاف المشاريع ضمن قوائم الحماية الدولية رغم توقف نشاطها فعليًا.
تُبقي التقارير الرسمية تلك المشروعات في خانة “النشطة” حتى بعد توقف الدوريات البيئية أو غياب التمويل، ما يخلق “صورة خضراء زائفة” للعالم، تُضلل صناع القرار والرأي العام على السواء.
يقول الدكتور ماثيو كلارك، الباحث بجامعة سيدني وقائد الدراسة: “تُقاس النجاحات البيئية غالبًا بعدد المحميات الجديدة أو المشاريع التي تُطلق، وليس بعدد تلك التي صمدت في وجه الزمن، الاستمرارية، لا البداية، هي المعيار الحقيقي للحفظ البيئي.”

من PADDD إلى التراجع الصامت
أحد المفاهيم الجوهرية التي تشرح هذا الانهيار هو ما يعرف بـ PADDD – أي خفض أو تقليص أو إلغاء الحماية القانونية للمناطق المحمية (Protected Area Downgrading, Downsizing, and Degazettement)، وهي عمليات تعني ببساطة تراجع الدول عن التزاماتها السابقة.
وقد وثّقت دراسات أممية نحو 3,749 حالة PADDD عبر 73 دولة بين عامي 1892 و2018، أدت إلى فقدان مساحات تعادل مساحة دولة كبرى، كانت مخصصة في الأصل لحماية التنوع الحيوي.
هذه الإجراءات لا تعني فقط فقدان غطاء قانوني، بل تمهّد عمليًا لعودة الأنشطة الاستخراجية مثل التعدين أو الحفر النفطي أو الصيد الجائر، وهو ما حدث في كندا وأستراليا مؤخرًا؛
ففي كندا، تحوّل أحد “الملاجئ البحرية” المصنفة كمناطق فعالة للحفظ إلى منطقة يُسمح فيها بالحفر الاستكشافي للنفط، بينما أعادت أستراليا تصنيف نحو مليون كيلومتر مربع من محيطاتها عام 2018 للسماح بالاستخدامات التجارية.

التراجع يبدأ من التمويل وينتهي بفقدان الثقة
تُعد قِصر دورة التمويل أحد أكبر أسباب انهيار مشروعات الحماية، إذ تنتهي غالبية المنح البيئية خلال 3 إلى 5 سنوات، وهي فترة غير كافية لتأمين تعافي النظم البيئية التي تحتاج عقودًا من الرعاية.
ومع انتهاء التمويل، تتوقف الدوريات الميدانية، ويُسحب الموظفون، وتتعطل أجهزة الرصد، لتتحول المناطق المحمية إلى “حدائق على الورق” لا وجود فعلي لها في الميدان.
كما يؤدي هذا الانقطاع إلى اهتزاز ثقة المجتمعات المحلية التي شاركت في المشروعات على أمل تحسين سبل المعيشة أو الحصول على فرص عمل. وعندما تتلاشى تلك الوعود، تتولد حالة من الإحباط قد تجعل السكان المحليين أكثر رفضًا للمبادرات المستقبلية، بل وأحيانًا يعودون إلى استغلال الموارد الطبيعية بشكل مكثف تعويضًا عن الفقد الاقتصادي.
من فقدان التنوع إلى عودة الانبعاثات
تُحذر الدراسة من أن توقف المشروعات لا يؤدي فقط إلى خسارة التنوع البيولوجي، بل إلى انبعاث كميات ضخمة من الكربون المختزن في الغابات والتربة، ما يُضعف الجهود العالمية لمكافحة التغير المناخي.
فعندما تتوقف برامج الحماية، يعود القطع الجائر، ويُستأنف الصيد غير القانوني، وتتدهور النظم المائية، وتصبح النظم البيئية أكثر هشاشة أمام الحرائق والعواصف والتلوث.
وفي حالات كثيرة، يؤدي تراجع الإدارة الميدانية إلى اختفاء البيانات العلمية، ما يعني أن المشكلات البيئية لا تُكتشف إلا بعد فوات الأوان، خاصة مع غياب المراقبة الدورية للأنواع الغازية أو ظواهر مثل تبيض الشعاب المرجانية.
مقترحات لإعادة الثقة والفاعلية
يشدد الباحثون على أن حماية الطبيعة لا تُقاس بالمساحات المحمية على الخرائط، بل بمعدل استمرارية هذه الحماية عبر الزمن. ويدعون إلى تبني نظام عالمي لتتبع “معدل الصمود البيئي”، أي نسبة المشروعات التي تظل نشطة بعد خمس أو عشر سنوات من إطلاقها.
ويقترح التقرير مجموعة من الإجراءات لإعادة ضبط بوصلـة الحفظ العالمي: إنشاء سجلات وطنية عامة تسجل كل حالات PADDD أو التراجع عن الحماية البيئية، بما في ذلك أسبابها والجهات المتورطة.
– ربط التمويل الدولي باستمرارية الأداء الفعلي وليس بإطلاق المشاريع فقط.
– إشراك المجتمعات المحلية في إدارة الموارد الطبيعية عبر منحهم حقوقًا قانونية ومنافع اقتصادية مباشرة من الحماية.
– تطبيق آلية تدقيق بيئي دوري تنشر نتائجها للعلن، تقيّم حالة كل مشروع ومدى التزامه.
– دمج معايير الاستدامة في العقود الحكومية والتجارية، بحيث تُكافأ الشركات التي تلتزم باستمرار الحماية البيئية ضمن سلاسل التوريد والإنتاج.
بين الوعود والواقع… الحاجة إلى “ديمومة بيئية”
يختتم الدكتور كلارك وفريقه دراستهم بتأكيد أن الطبيعة لا تُحمى بالنوايا الحسنة أو الخطط قصيرة الأجل، بل عبر منظومة متكاملة من الالتزام السياسي والتمويل المستدام والمشاركة المجتمعية.
“لن تنقذنا المبادرات المؤقتة أو الشعارات الخضراء، بل المشاريع التي تظل تعمل عندما يتوقف التمويل وعندما تتغير الحكومات”، كما يقول كلارك.
ويحذر الخبراء من أن الوقت يضيق أمام تحقيق هدف “30×30” العالمي (حماية 30% من اليابسة والبحار بحلول عام 2030)، مشيرين إلى أن هذا الهدف لن يتحقق إذا ظلت المشروعات تتساقط بصمت.
إن تحويل الوعود البيئية إلى التزامات دائمة بات ضرورة وجودية، فالكوكب لا يحتاج إلى المزيد من الإعلانات البيئية، بل إلى القدرة على الوفاء بها حتى النهاية.





