الأطعمة فائقة المعالجة تضر كل عضو رئيسي في جسم الإنسان
تحذير من "ذا لانست": الأطعمة فائقة المعالجة ترتبط بزيادة مخاطر 12 مرضًا خطيرًا
كشفت أكبر مراجعة علمية شاملة تناولت الأطعمة فائقة المعالجة (UPF) عن نتائج صادمة مفادها أن هذا النمط الغذائي الصناعي بات يهدد سلامة كل جهاز رئيسي في جسم الإنسان، ويُعد عاملًا محوريًا في اتساع نطاق الأمراض المزمنة عالميًا.
وتؤكد سلسلة الأبحاث المنشورة في دورية “ذا لانست”، أن انتشار هذه المنتجات ليس ظاهرة غذائية فحسب، بل تحوّل إلى قضية صحية واجتماعية واقتصادية عابرة للحدود، تقودها شركات كبرى تستخدم أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي لتوسيع أسواقها وحماية مصالحها.
أكبر مراجعة علمية: 104 دراسة طويلة المدى و43 خبيرًا عالميًا
اعتمدت السلسلة على تحليل منهجي واسع النطاق شمل 104 دراسة طويلة المدى، أجريت على مدى سنوات في قارات مختلفة، وأجمعت 92 منها على وجود ارتباط واضح بين الأطعمة فائقة المعالجة وزيادة معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة والوفاة المبكرة.
ويصف الباحثون هذه النتائج بأنها “نقطة تحول” في فهم آثار التصنيع الغذائي الحديث على صحة الإنسان.
ويقول الباحثون إن نمط استهلاك UPF يواصل الانتشار بسرعة غير مسبوقة، وتتحول مجتمعات بأكملها — من الأكثر ثراءً إلى الأكثر فقرًا — إلى أنظمة غذائية تعتمد بشكل متزايد على الحبوب المقوّاة، والوجبات الجاهزة، والمشروبات الغازية، والمنتجات المصنعة منخفضة القيمة الغذائية.
ففي المملكة المتحدة والولايات المتحدة، أصبحت أكثر من نصف السعرات اليومية للمواطنين تأتي من UPF، بينما تصل النسبة لدى الفئات الصغيرة سنًا أو الأكثر فقرًا إلى نحو 80%.

ضرر بيولوجي متعدد الأجهزة: الجسم غير مهيأ للتعامل مع UPF
تؤكد الورقة الأولى من السلسلة أن الإنسان غير مُهيأ بيولوجيًا للتعامل مع المواد المصنعة والمكررة والإضافات الكيميائية الموجودة في UPF، والتي تؤثر على:
-
الجهاز الهضمي: اضطراب ميكروبيوم الأمعاء، الالتهابات المزمنة، زيادة النفاذية المعوية.
-
الجهاز العصبي: تأثيرات محتملة على كيمياء الدماغ واضطرابات المزاج، بما في ذلك الاكتئاب والقلق.
-
الجهاز القلبي الوعائي: ارتفاع معدلات ضغط الدم، وتصلب الشرايين، وزيادة مخاطر الجلطات.
-
الجهاز المناعي: تفاعلات التهابية واسعة النطاق تتسبب في تسريع تطور الأمراض المزمنة.
-
الجهاز الغدد الصماء: خلل في الهرمونات المنظمة للشهية، وزيادة مقاومة الإنسولين، ومخاطر أعلى للإصابة بالسكري.
-
الجهاز التناسلي: احتمال تأثير الملدّنات ومشتقات البلاستيك على الخصوبة والتوازن الهرموني.
ويكشف الباحثون عن مسار مزدوج خطير: الأغذية فائقة المعالجة تؤدي إلى الإفراط في تناول الطعام بسبب سيولتها الحسية (الطعم – الملمس – الرائحة)، وفي الوقت نفسه تقلل القيمة الغذائية، مما يؤدي إلى جوع خفي يدفع المتناول إلى استهلاك المزيد.

من هو العدو الحقيقي؟ السلسلة الغذائية الصناعية العالمية
تقول الورقة الثالثة من السلسلة إن مسؤولية الأزمة لا تقع على الفرد، بل على منظومة غذائية عالمية ضخمة تعمل وفق منطق الربح قبل السلامة. وتؤكد أن الشركات متعددة الجنسيات لا تكتفي بالسيطرة على الأسواق، بل تعمل على:
-
التأثير على السياسات الصحية عبر لوبيات قوية تمنع أي تشريعات تهدد مبيعاتها.
-
تمويل أبحاث مُوجّهة لخلق شكوك حول ارتباط UPF بالأمراض — على غرار تكتيكات شركات التبغ في القرن الماضي.
-
الإعلانات المكثفة خاصة الموجهة للأطفال والمراهقين.
-
إعادة تشكيل الثقافة الغذائية وتحويل الوجبات السريعة إلى عنصر أساسي في الحياة اليومية.
ويحذر الباحثون من أن ما يحدث اليوم هو تكرار لسيناريو التبغ، لكن على نطاق غذائي أوسع، مع منتجات تصل إلى مليارات البشر يوميًا.

ثغرات العلم لا تمنع العمل: لماذا يجب التحرك الآن؟
يقر الباحثون بوجود أسئلة علمية غير محسومة — مثل الآليات الجزيئية الدقيقة وكيفية تفاعل المضافات الغذائية مع الجسم — لكنهم يؤكدون أن حجم الأدلة الحالية كافٍ لاتخاذ إجراءات حازمة.
ومن أبرز التوصيات:
-
فرض ملصقات تحذيرية واضحة تشير إلى محتوى UPF أسوة بملصقات السكر والدهون والملح.
-
منع الإعلانات الموجهة للأطفال في التلفزيون والإنترنت ومواقع التواصل.
-
إلغاء وجود UPF في المدارس والمستشفيات بوصفها مؤسسات يجب أن تقدم نموذجًا صحيًا.
-
وضع حدود لكمية UPF المسموح بعرضها في المتاجر الكبرى للحد من تأثير العروض والخصومات.
-
تشجيع إنتاج الغذاء الطازج محليًا عبر دعم المزارعين والتقليل من الاعتماد على سلاسل التوريد الصناعية.
وتُعد البرازيل نموذجًا عالميًا بارزًا، إذ حدّ برنامجها الوطني للتغذية المدرسية من UPF بشكل كبير، وسيصل بحلول 2026 إلى تقديم وجبات تتكون بنسبة 90% من الغذاء الطازج.
العلماء المستقلون: أدلة قوية ولكن نحتاج مزيدًا من الشفافية
يرحب خبراء لم يشاركوا في السلسلة بالاستعراض الكبير للأدلة، لكنهم يطالبون بمزيد من الدراسات السريرية التي تُظهر العلاقة السببية بشكل قاطع.
ويشيرون إلى أن التقييم الدقيق للأطعمة يحتاج إلى إطار أكثر وضوحًا من تصنيف “نوفا” الذي يعد، رغم أهميته، قابلًا للتطوير.

نظام غذائي على وشك الانهيار
مع تزايد الضغوط الصحية والاقتصادية الناتجة عن الأمراض المزمنة، يرى الباحثون أن إصلاح النظام الغذائي العالمي لم يعد خيارًا، بل ضرورة تمس مستقبل الصحة العامة.
وتخلص السلسلة إلى أن السيطرة على انتشار الأطعمة فائقة المعالجة سيكون أحد أهم معارك الصحة العامة خلال العقود المقبلة، تمامًا كما كانت مكافحة التبغ في القرن العشرين.





