أخبارالزراعة

4 تحولات تعيد تشكيل الابتكار الزراعي لمواجهة تغير المناخ وتأمين الغذاء عالميًا

كيف يتغير مستقبل الزراعة في عالم أكثر حرارة؟ 645 مليون جائع حول العالم

تواجه النظم الزراعية والغذائية العالمية مرحلة جديدة من التحديات، لم تعد فيها التقلبات المناخية مجرد اضطرابات مؤقتة يمكن تجاوزها والعودة بعدها إلى أنماط الإنتاج المعتادة، بل أصبحت تعكس تغيرًا طويل الأمد في الظروف التي تُزرع فيها المحاصيل وتُنقل وتُستهلك من خلالها الأغذية.

وفي ظل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الضغوط على الموارد المائية وتغير المواسم الزراعية، لم تعد الابتكارات التكنولوجية المحدودة كافية لضمان استدامة الإنتاج الغذائي، ما يفرض إعادة التفكير في طريقة تطوير الابتكار الزراعي، والانتقال من الحلول المنفردة إلى منظومات متكاملة تجمع بين التكنولوجيا والسياسات والتمويل والمعرفة والممارسات الزراعية.

ووفقًا لأحدث تقرير عن حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم، انخفض عدد الأشخاص الذين يعانون الجوع عالميًا للعام الثالث على التوالي، ليصل إلى 645 مليون شخص في عام 2025، أي أقل بنحو 43 مليون شخص مقارنة بذروة عام 2022.

لكن هذا التقدم لا يزال هشًا، في ظل تصاعد الصدمات المناخية التي تهدد المحاصيل والإنتاج الزراعي، وتضع قدرة النظم الغذائية على توفير الغذاء أمام اختبارات متزايدة.

وفي تحليل نشره المنتدى الاقتصادي العالمي في 15 أكتوبر 2026، يرى فينسنت مارتن، مدير مكتب الابتكار في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، أن التحدي لم يعد يتعلق فقط بزيادة الابتكار الزراعي، وإنما بتغيير الطريقة التي يُستخدم بها الابتكار لمواجهة عالم تتغير ظروفه المناخية بصورة مستمرة.

وأشار إلى أن أوروبا الغربية سجلت خلال شهري يونيو ويوليو 2026 أعلى درجات حرارة في تاريخها خلال هذه الفترة، بزيادة بلغت 2.79 درجة مئوية فوق متوسط الفترة من 1991 إلى 2020.

وبحلول أواخر أغسطس، أشار تقرير مركز البحوث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية بشأن متابعة المحاصيل إلى خفض توقعات إنتاجية جميع المحاصيل الصيفية في الاتحاد الأوروبي، بنسب وصلت إلى 14% دون متوسط السنوات الخمس الماضية في عدد من الدول.

وتعكس هذه المؤشرات أن توافر المياه ودرجات الحرارة ومواسم الزراعة لم تعد تتغير حول متوسط مناخي مستقر، بل إن هذا المتوسط نفسه يشهد تحولًا متواصلًا.

4 تحولات ضرورية لتطوير الابتكار الزراعي

الابتكار الزراعي

يرى التحليل، أن الاستجابة لهذه التحديات تتطلب أربعة تحولات رئيسية في طريقة التفكير بالابتكار الزراعي والغذائي، بدلًا من الاكتفاء بإضافة تقنيات جديدة إلى منظومة إنتاج تواجه بالفعل ضغوطًا هيكلية.

1- من الحلول المنفردة إلى منظومات متكاملة للابتكار
لا تستطيع الابتكارات التقنية، مهما بلغت كفاءتها، إحداث تحول حقيقي في النظم الزراعية بمفردها، إذ تحتاج إلى مجموعة متكاملة من الأدوات والسياسات والتمويل والمؤسسات والممارسات السلوكية لضمان نجاحها وانتشارها.

فعلى سبيل المثال، لا يكفي تطوير أصناف من البذور المقاومة للجفاف لتحقيق الاستفادة الكاملة منها، وإنما يتطلب الأمر توفير التمويل والخدمات الإرشادية للمزارعين، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتسهيل الوصول إلى الأسواق.

ويبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد الأمثلة المهمة على هذا التحول، إذ يمكن استخدامه لتطوير نماذج الإنتاج التقليدية وتحسين كفاءتها فقط، أو توظيفه بصورة أوسع لمساعدة المزارعين على توقع المخاطر المناخية وتعديل ممارساتهم الزراعية واتخاذ قرارات أكثر استنارة.

كما يمكن لهذه التقنيات المساعدة في استكشاف سيناريوهات مستقبلية متعددة واختبار مجموعات مختلفة من الحلول قبل تطبيقها.
وبالتالي، لا تتوقف قيمة الذكاء الاصطناعي على قدراته التقنية وحدها، وإنما ترتبط أيضًا بالجهات التي تحدد كيفية استخدامه، والأهداف التي يخدمها، ومدى مراعاته لمصالح المزارعين والمؤسسات الزراعية.

2- من تعظيم الكفاءة إلى تعزيز القدرة على الصمود
يتمثل التحول الثاني في الانتقال من التركيز الحصري على زيادة الإنتاجية والكفاءة إلى بناء نظم زراعية قادرة على الصمود أمام التغيرات المناخية والاضطرابات غير المتوقعة.

وتقدم النظم الطبيعية نموذجًا مهمًا في هذا المجال؛ فالغابات لا تتمتع بالمرونة لمجرد أن كل شجرة فيها متكيفة بصورة مثالية مع الظروف الحالية، وإنما بفضل التنوع البيولوجي وتعدد الأنواع والقدرة على الاستجابة بطرق مختلفة عند تغير البيئة المحيطة.

ويمكن تطبيق هذا المبدأ في الزراعة من خلال الحفاظ على التنوع في المحاصيل والأصناف الزراعية، حتى لو كانت بعض الأصناف أقل إنتاجية في الظروف الحالية، فقد تحمل خصائص وراثية تصبح ضرورية في المستقبل مع ارتفاع درجات الحرارة أو تراجع توافر المياه.

كما يساعد تنويع المحاصيل على توزيع المخاطر المناخية بدلًا من الاعتماد على محصول واحد، بينما تسهم التربة الغنية بالمواد العضوية في الاحتفاظ بالمياه وتحسين قدرتها على مواجهة فترات الجفاف.

ولا يعني هذا التوجه العودة إلى الممارسات الزراعية القديمة أو التخلي عن التقدم العلمي، بل الاستفادة من المعرفة التقليدية ومراقبة النظم الطبيعية وإعادة توظيف الموارد والخصائص المتاحة بطرق مبتكرة.

ويمتد مفهوم التنوع أيضًا إلى المعرفة نفسها، إذ يمكن أن يؤدي الجمع بين وجهات النظر والخبرات المختلفة إلى تطوير حلول لا تستطيع جهة واحدة الوصول إليها بمفردها.

3- من القواعد الثابتة إلى إعادة صياغة السياسات والمؤسسات
لا يكفي تطوير تقنية جديدة لتحويل النظام الزراعي والغذائي، لأن نجاح الابتكار يتطلب أيضًا تغيير السياسات والحوافز والمؤسسات التي تحدد طريقة عمل هذا النظام.

فقد تكون بعض الابتكارات الزراعية ذات جدوى علمية وفنية واضحة، لكنها لا تجد طريقها إلى التطبيق بسبب صعوبة الحصول على التمويل، أو عدم ملاءمة التشريعات، أو تشتت المؤسسات المعنية، أو استمرار الحوافز والممارسات التقليدية التي تعوق التغيير.

ومن هنا، يصبح فهم السلوك البشري وطريقة اتخاذ القرارات جزءًا أساسيًا من عملية الابتكار، وليس مجرد عنصر مكمل للتكنولوجيا.

وتقدم منظمة الأغذية والزراعة عددًا من المبادرات التي تستهدف تعزيز هذا التوجه، من بينها مختبرات سياسات الابتكار التي تعمل في كولومبيا وإثيوبيا ومدغشقر وأوزبكستان، وتجمع الحكومات والباحثين والمزارعين والقطاع الخاص للمشاركة في تطوير السياسات واختبار الحلول المناسبة.

كما توفر بوابة العلوم والتكنولوجيا والابتكار التابعة للمنظمة منصة لربط الجهات الفاعلة في منظومة الابتكار الزراعي والغذائي، وتبادل المعرفة والخبرات من خلال قاعدة بيانات التوجهات المستقبلية للتكنولوجيا والابتكار في النظم الزراعية والغذائية.

وتعمل المنظمة أيضًا على تطوير أدوات لتصميم التدخلات السلوكية، من بينها مجموعة أدوات «IMPACT»، التي تساعد على فهم كيفية اتخاذ الأفراد قراراتهم وتصميم تدخلات تدعم التحول المستدام في النظم الزراعية والغذائية.

وعلى المستوى الدولي، تقدم المبادرة العالمية لمراكز ابتكار الغذاء التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي نموذجًا آخر للشراكة بين الحكومات والقطاع الخاص لدعم الابتكار الزراعي والغذائي بقيادة الدول.

وتوضح هذه المبادرات أن الابتكار لا يقتصر على تطوير التقنيات، وإنما يشمل أيضًا تغيير طريقة اتخاذ القرارات وإعادة تشكيل الظروف المؤسسية والسياسات التي تسمح للحلول الجديدة بالانتشار.

4- من البحث عن إجابات جاهزة إلى تعزيز المرونة والقدرة على التكيف
يرتبط التحول الرابع بطريقة القيادة وإدارة المؤسسات الزراعية والغذائية في ظل حالة عدم اليقين.

فقد اعتمدت نماذج القيادة التقليدية على التنبؤ بالمستقبل والسيطرة على المتغيرات والوصول سريعًا إلى إجابة واحدة، لكن هذه الأساليب لم تعد كافية في عالم يصعب فيه تحديد المسارات المستقبلية بدقة.

وأصبح دور القيادة لا يقتصر على تقديم الحلول الجاهزة، وإنما يمتد إلى تهيئة الظروف التي تسمح بظهور أفكار جديدة، والاستفادة من تنوع الخبرات والآراء، والحفاظ على بدائل متعددة يمكن اللجوء إليها مع تغير الظروف.

وتتطلب إدارة النظم الزراعية في ظل عدم اليقين اتخاذ قرارات في الوقت الحاضر قد لا تظهر نتائجها الكاملة إلا بعد عقود، وهو ما يجعل القدرة على التكيف واستيعاب المخاطر عنصرين أساسيين في التخطيط طويل الأجل.

وفي هذا السياق، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دورًا مهمًا في مساعدة عدد أكبر من الجهات والأفراد على اتخاذ قرارات أفضل، من خلال رصد المخاطر واستكشاف السيناريوهات المستقبلية، دون أن يحل محل دور المزارعين والمؤسسات في اتخاذ القرارات المتعلقة بالإنتاج وإدارة الموارد.

مستقبل الأمن الغذائي يتطلب تغيير طريقة الابتكار

الأمن الغذائي

يخلص التحليل إلى أن التحدي الذي تواجهه النظم الزراعية والغذائية لم يعد يقتصر على تحديد التكنولوجيا المناسبة لتطوير الإنتاج، بل أصبح يتعلق بتحديد طبيعة التحول المطلوب، والمزيج المناسب من العلوم والتقنيات والممارسات والسياسات والمؤسسات لتحقيقه.

فالمشكلة لا تكمن في غياب حل سحري واحد، وإنما في ضعف القدرة على دمج أشكال الابتكار المختلفة، والاستفادة من النظم الطبيعية والتكنولوجيا والمعرفة التقليدية، إلى جانب تطوير السياسات والمؤسسات وأساليب القيادة.
ويعني ذلك توجيه مزيد من الجهود إلى بناء قدرة النظم الزراعية والغذائية على رصد التغيرات واستيعاب المخاطر واستكشاف سيناريوهات متعددة، بدلًا من إنفاق الموارد في محاولة التنبؤ بالمستقبل بصورة يقينية.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الضغوط على المياه وتغير الظروف الزراعية، يصبح تطوير هذه القدرة على التكيف شرطًا أساسيًا للحفاظ على الإنتاج الغذائي وتعزيز الأمن الغذائي العالمي في العقود المقبلة.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى