20 عامًا من البحث في الفضاء.. كيف غيّرت محطة الفضاء الدولية فهمنا للحياة؟
بعيون فضائية وأيدٍ بشرية.. كيف شكّلت محطة الفضاء مستقبل الطب والتكنولوجيا؟
محطة الفضاء الدولية (ISS) ليست مجرد مكان للعيش في الفضاء، بل هي مختبر تجارب. بوجود رواد فضاء على متنها، وأرضٍ في الأسفل، توفر محطة الفضاء الدولية فرصة فريدة: أبحاث طويلة الأمد في ظل انعدام الجاذبية.
كما توفر مشاهد مدارية منخفضة لكوكبنا، إلى جانب طاقم بشري يدعم التجارب، وتبادل العينات، واستكشاف الأخطاء وإصلاحها في الوقت الفعلي.
منذ إطلاقها، استخدم الباحثون محطة الفضاء لإجراء مئات الدراسات، بدءًا من توصيف سلوك السوائل في انعدام الجاذبية، وصولًا إلى تتبع التغيرات في جسم الإنسان. يُسهم عملهم في تطوير العلوم من خلال الإجابة على أسئلة لا يمكن دراستها على الأرض.

العلم بدون جاذبية
بدون جاذبية الأرض التي تسحب الأشياء إلى الأسفل، يستطيع العلماء إجراء تجارب يستحيل تنفيذها على الأرض. على سبيل المثال، لا يرتفع الهواء الساخن، وتتخذ النيران شكلًا كرويًا، وتتوقف السوائل عن التصرف كما تفعل في كوب ماء.
وهذا يمنح الباحثين فرصة نادرة لفحص العمليات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية بطرق جديدة. ومن خلال إزالة متغيرات مثل التوتر السطحي أو حركة الشعيرات الدموية، يمكنهم الحصول على صورة أوضح لكيفية عمل الأشياء.
المختبر المداري يرى كل شيء
تدور محطة الفضاء حول الأرض في حوالي 90 دقيقة، وتسافر بسرعة 17500 ميل في الساعة من ارتفاع يبلغ حوالي 250 ميلًا فوق السطح.
وتتيح هذه النقطة المنخفضة مراقبة الكوكب في الضوء والظلام، ومن زوايا وظروف إضاءة مختلفة. وبفضل وجودها خارج الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي للأرض، تحمل محطة الفضاء الدولية أدوات لا يمكن استخدامها على الأرض.
وهذا يجعل من الممكن دراسة الإشعاع الفضائي، والنجوم النيوترونية، وغيرها من الظواهر، إلى جانب كيفية تصرف المواد والكائنات الحية في الفضاء.
طاقم محطة الفضاء يجعل العلم ممكنًا
تستطيع الأقمار الصناعية الأخرى حمل أجهزة، لكن محطة الفضاء الدولية وحدها تملك طاقمًا حيًا ونشطًا لإدارة العملية العلمية. يضبط الطاقم الإعدادات، ويراقب التغييرات، ويحُل المشاكل، ويجهّز العينات للعودة إلى الأرض.
هذه المرونة ضرورية للأبحاث المعقدة، وتتيح للعلماء فرصة ثانية في حال لم تسر الأمور كما هو مخطط. وبما أن التجارب يمكن أن تبقى على متن المحطة لأشهر أو سنوات، هناك متسع من الوقت لصقل الأفكار وجمع بيانات إضافية.

تغيرات الجسم في الفضاء
بفضل عمل المحطة لأكثر من عقدين، تمكن العلماء من تتبع التغيرات طويلة الأمد في جسم الإنسان. من أبرز الأمثلة: التغيرات في الرؤية التي لاحظها رواد الفضاء بعد أشهر في المدار.
أطلقت “ناسا” دراسة عام 2015 لفهم تحولات السوائل، حيث اشتبه العلماء في أن انعدام الجاذبية يؤدي إلى انتقال السوائل من الجزء السفلي للجسم إلى العلوي، مما يزيد الضغط في الرأس وقد يغير شكل العين.
استمرت الدراسة حتى 2020، وشملت العديد من رواد الفضاء، واعتُبرت خطوة مهمة لفهم آثار الفضاء على صحة الإنسان.

البحث في محطة الفضاء
يبدأ البحث بتحديد سؤال، ووضع فرضية، ثم تصميم تجربة واختيار البيانات المطلوبة. بعد الموافقة على المقترحات، تُجدول التجارب ضمن مهام مستقبلية، وتتطلب شهورًا من الإعداد.
بعد انطلاق التجربة، يجمع رواد الفضاء البيانات، ويلي ذلك تحليل النتائج وتوثيقها. تخضع الدراسات لمراجعة الأقران التي تستغرق في المتوسط 100 يوم، وقد يُطلب تعديل أو إعادة تحليل قبل النشر.
طاقم صغير، علم كبير
أحد تحديات البحث البشري في المحطة هو العدد المحدود للأفراد، إذ لا يتجاوز الطاقم عادة ستة أشخاص، ما يجعل جمع البيانات يستغرق وقتًا أطول.
خذ مثالًا على ذلك دراسة تأثيرات الإضاءة، التي بحثت بين 2016 و2020 إمكانية تحسين النوم والمزاج من خلال مزامنة الإضاءة مع الساعة البيولوجية لرواد الفضاء.
درست أبحاث أخرى طويلة الأمد فقدان عضلة القلب، والتغذية، وزراعة الغذاء الطازج في الفضاء.

أبحاث الفيزياء بوتيرة أسرع
تتقدم أبحاث العلوم الفيزيائية أسرع نسبيًا، إذ يمكن إرسال دفعات من المواد وجمع النتائج بسرعة أكبر. لكن حتى هذه الأبحاث تُثير المزيد من الأسئلة.
استمرت سلسلة “BASS” لدراسة سلوك احتراق الوقود في الفضاء من 2011 إلى 2017، وأدت إلى سلسلة “Saffire” (2016–2024)، التي أسهمت في فهم سلامة الحرائق في المدار.

خلاصة 20 عامًا من الأبحاث
لا تحدث الاكتشافات العلمية بين عشية وضحاها، وخاصةً في الفضاء، لكن المحطة الفضائية الدولية توفر للباحثين ثلاثة أشياء ثمينة: الوقت، والوصول، والاستمرارية.
أما الثمار، فهي رؤى جديدة حول آلية عمل أجسامنا، وسلوك المواد، وكيفية الاستعداد للمهام الفضائية الطويلة، بما يفيد ليس فقط الحياة في الفضاء، بل الحياة على الأرض أيضًا.






You clearly know your stuff. Great job on this article.