1800 معتقل وأكثر من 500 مصاب من الشرطة والإطفاء.. فرنسا تستيقظ على دمار احتجاجات الغلاء
من أزمة المدارس إلى انفجار الشوارع.. فرنسا تواجه واحدة من أعنف موجات الاضطرابات منذ سنوات
نصف مليون متظاهر ومواجهات دامية وعمليات نهب واسعة
استيقظت فرنسا، الأحد 18 أكتوبر 2026، على مشاهد الدمار والحرائق في أعقاب واحدة من أعنف موجات الاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحولت مظاهرات واسعة ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة إلى مواجهات عنيفة في عدد من المدن، أسفرت عن اعتقال نحو 1800 شخص، وإصابة أكثر من 500 من أفراد الشرطة وقوات الدرك والإطفاء، إلى جانب وفاة أحد المتظاهرين إثر تعرضه لأزمة قلبية خلال احتجاجات باريس.
وشهدت العاصمة الفرنسية باريس أعمال تخريب ونهب واسعة، فيما وصف عمدة المدينة، إيمانويل جريجوار، حجم الدمار بأنه غير مسبوق، مشيرًا إلى أن شوارع بأكملها تعرضت للتخريب والتدمير.
وفي مدينة ليموج وسط فرنسا، تعرض مبنى البلدية التاريخي، الذي يعود تاريخه إلى 143 عامًا، لحريق متعمد أدى إلى تدمير جزء كبير منه، بينما بدأت السلطات المحلية في تقييم الخسائر وإزالة آثار الحرائق والاشتباكات في المدن المتضررة.

1800 معتقل وأكثر من 500 مصاب
أعلن وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، ارتفاع عدد المعتقلين على خلفية احتجاجات السبت إلى نحو 1800 شخص، مؤكدًا إصابة أكثر من 500 من أفراد الشرطة والدرك والإطفاء خلال المواجهات التي شهدتها البلاد.
وقال نونيز إن الأضرار المادية كبيرة، مشيرًا إلى تعرض متاجر ومنشآت عامة للتخريب والنهب في عدة مدن فرنسية، من بينها باريس ومرسيليا وليون وبوردو ورين وستراسبورج وجرونوبل ونيس وليموج.
وأكد الوزير أن السلطات ستواصل التحقيقات لتحديد المسؤولين عن أعمال العنف وتقديمهم إلى القضاء، معتبرًا أن الاحتجاج حق أساسي، لكن العنف والاعتداء على قوات الأمن والمباني العامة ونهب المتاجر لا يمكن تبريره.
وأضاف أن الجمهورية الفرنسية لن تستسلم لمن يسعون إلى فرض الفوضى والعنف، في إشارة إلى إصرار الحكومة على التعامل بحزم مع المتورطين في أعمال التخريب.
باريس تسجل رقمًا قياسيًا في الاعتقالات
شهدت العاصمة باريس أكبر عمليات اعتقال مرتبطة بحدث احتجاجي واحد، وفقًا لما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية، إذ بلغ عدد الموقوفين 855 شخصًا خلال مظاهرات السبت.
وتصاعدت المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في عدد من المناطق، واستخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود، بينما تعرضت متاجر فاخرة ومحال تجارية ومنشآت عامة للتخريب والنهب.
وأعربت نائبة عمدة باريس، لاميا العراجي، عن صدمتها من مستوى العنف، معتبرة أن العاصمة شهدت موجة من أعمال الشغب يصعب مقارنتها بما سبقها.
وفي أعقاب المواجهات، بدأت فرق النظافة والخدمات البلدية عمليات واسعة لإزالة الحطام والزجاج المتناثر وآثار الحرائق من الشوارع، في محاولة لإعادة الحياة إلى المناطق المتضررة.

أكثر من نصف مليون متظاهر.. واحتجاجات تتحول إلى أعمال عنف
شارك أكثر من نصف مليون شخص في مسيرات احتجاجية شهدتها عشرات المدن الفرنسية، وفقًا لوكالة رويترز، في تحرك جمع بين الحركة الطلابية التي تصاعدت خلال الشهر الماضي وموجة أوسع من الغضب الاجتماعي بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مستوى الخدمات العامة.
وبينما سارت مئات الآلاف من المشاركين في مظاهرات سلمية، انخرطت مجموعات عنيفة في مواجهات مع الشرطة، واستهدفت مباني عامة ومتاجر كبرى ومحال فاخرة، كما تعرضت سيارات الشرطة والمنشآت التجارية للتخريب.
وفي مدينة بوردو، قال عمدة المدينة، توما كازناف، إن ما يصل إلى 100 متجر تعرض للنهب، فيما أعلن عمدة مرسيليا، بينوا بايان، تقديم مساعدات مالية طارئة للأنشطة التجارية المتضررة.
كما شهدت مدن أخرى حرائق وأعمال تخريب، في وقت بدأت فيه السلطات تقييم الأضرار التي لحقت بالممتلكات العامة والخاصة.

خسائر اقتصادية بمئات الملايين من اليورو
لم تقتصر تداعيات الاحتجاجات على الأضرار التي لحقت بالمباني والشوارع، بل امتدت إلى القطاع التجاري، مع تعرض مئات المتاجر والمنشآت لأعمال النهب والتخريب.
وقال ألكسندر بومبار، رئيس اتحاد تجارة التجزئة والتجارة، إن نحو 1500 متجر ومنشأة تجارية تضررت خلال الاحتجاجات، مقدرًا أن تصل الخسائر إلى عدة مئات من ملايين اليورو.
وتثير هذه الخسائر مخاوف بشأن انعكاسات الاضطرابات على أصحاب الأعمال والعمال والأنشطة الاقتصادية المحلية، خصوصًا في المدن التي شهدت عمليات نهب واسعة وأضرارًا في البنية التجارية.
من جانبه، تعهد وزير الاقتصاد رولان ليسكور بتقديم الدعم لأصحاب الأعمال المتضررين، مؤكدًا ضرورة محاسبة المسؤولين عن التخريب وتحميلهم تكلفة الأضرار وفقًا للقانون.

ماكرون يتعهد بمحاسبة المتورطين
في مواجهة التصعيد، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن العنف لا مكان له في الجمهورية، مشددًا على أن الأشخاص الذين تورطوا في تخريب المباني العامة ونهب المتاجر والاعتداء على المنشآت الحكومية سيواجهون الملاحقة القضائية والعقوبات.
كما أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أن الحكومة لن ترضخ للترهيب أو تتراجع أمام أعمال العنف، محملًا مجموعات من اليسار المتطرف وعناصر إجرامية مسؤولية جانب من أعمال الشغب.
وتضع هذه التطورات الحكومة الفرنسية أمام اختبار صعب، في ظل تصاعد الغضب الاجتماعي واقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027، بما يزيد الضغوط السياسية المرتبطة بقدرة السلطات على احتواء الاحتجاجات ومعالجة أسبابها.
من أزمة المدارس إلى الغضب من تكاليف المعيشة
بدأت موجة الاحتجاجات خلال الشهر الماضي في مدارس تقع بضواحي باريس الشمالية ذات الدخل المنخفض، على خلفية الغضب من نقص المعلمين وتكرار غيابهم وتدهور أوضاع المنشآت التعليمية.
لكن التحركات سرعان ما اتسعت لتتجاوز المطالب الطلابية، وتتحول إلى احتجاجات أوسع على عدم المساواة الاجتماعية وخفض الإنفاق العام وتراجع الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة.

ومع انضمام فئات اجتماعية ونقابية مختلفة إلى المسيرات، اتسع نطاق الاحتجاجات ليشمل عشرات المدن، في مؤشر على تراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه قطاعات من المجتمع الفرنسي.
وبينما تؤكد السلطات حق المواطنين في التظاهر السلمي، تسعى الحكومة إلى احتواء أعمال العنف ومنع تجددها، في وقت تواجه فيه البلاد تحديًا مزدوجًا يتمثل في استعادة الأمن ومعالجة أسباب الاحتقان الاجتماعي التي دفعت مئات الآلاف إلى النزول للشوارع.





