أخبارالاقتصاد الأخضر

اختراق ثلاجات السوبر ماركت.. هجمات إلكترونية تضرب سلاسل الغذاء في أوروبا وتتلف أطنانًا من الأغذية

1. الذكاء الاصطناعي والحروب السيبرانية.. اختراق ثلاجات المتاجر يكشف ثغرات البنية التحتية الأوروبية

قراصنة يرفعون حرارة المجمدات إلى 50 درجة مئوية في أكثر من 100 متجر.. وخسائر غذائية ومخاوف من توظيف الذكاء الاصطناعي في استهداف البنية التحتية

لم تعد الهجمات الإلكترونية تستهدف البنوك والحكومات والمؤسسات العسكرية وحدها، بل امتدت إلى واحدة من أكثر حلقات الحياة اليومية حساسية: سلاسل إمدادات الغذاء.

ففي تطور يكشف اتساع نطاق التهديدات السيبرانية، تعرضت أنظمة التبريد والثلاجات والمجمدات في أكثر من 100 متجر وسلسلة تجارية بعدة دول أوروبية لهجمات إلكترونية، أدت إلى رفع درجات الحرارة داخل وحدات التبريد إلى مستويات وصلت في بعض الحالات إلى 50 درجة مئوية، ما تسبب في تلف منتجات غذائية واضطرار متاجر إلى التخلص من كميات من الأغذية المبردة والمجمدة.

وشملت الهجمات متاجر في بلجيكا والسويد ولوكسمبورغ وأيرلندا وإستونيا، إلى جانب تقارير عن حوادث في دول أوروبية أخرى، وطالت شركات وسلاسل تجارية معروفة، من بينها «ديلهايز» و«كارفور» و«سبار» و«آي سي إيه» و«كوب»، إضافة إلى متجر تابع لشركة «إيكيا».

وتأتي هذه الهجمات بعد واقعة مشابهة شهدتها فرنسا خلال أكتوبر الماضي، عندما تمكن قراصنة من السيطرة على وحدات التبريد في مئات المتاجر، ما تسبب في خسائر غذائية، وأثار مخاوف من تحول أنظمة التشغيل والتحكم عن بُعد إلى بوابات لاستهداف البنية التحتية التجارية والغذائية.

ولا تتوقف خطورة هذه الوقائع عند الخسائر المالية التي تتكبدها المتاجر، بل تمتد إلى أمن الغذاء وسلامة المنتجات، واستقرار سلاسل الإمداد، والآثار البيئية المترتبة على إهدار الأغذية والطاقة المستخدمة في إنتاجها وتخزينها ونقلها.

كيف اخترق القراصنة ثلاجات السوبر ماركت؟
كيف اخترق القراصنة ثلاجات السوبر ماركت؟

كيف اخترق القراصنة ثلاجات السوبر ماركت؟

تعتمد المتاجر الكبرى على أنظمة رقمية متصلة بالإنترنت للتحكم في درجات حرارة الثلاجات والمجمدات، ومراقبة وحدات التبريد، وإدارة أنظمة التهوية وإزالة الجليد، وإرسال التنبيهات عند حدوث أي خلل.

ومع توسع استخدام تقنيات الاتصال والتحكم عن بُعد، لم تعد هذه الأجهزة مجرد معدات ميكانيكية مستقلة، بل أصبحت جزءًا من منظومات تكنولوجية يمكن مراقبتها وإدارتها من خلال شبكات وأنظمة برمجية.

وهنا ظهرت نقطة الضعف التي استغلها المهاجمون؛ إذ تمكنوا من الوصول إلى أنظمة التحكم في التبريد والتلاعب بإعداداتها، بما أدى إلى تعطيل وظائف التبريد أو تغيير دورات إزالة الجليد، ورفع درجات الحرارة داخل وحدات التخزين.

وفي بعض الحالات، وصلت الحرارة داخل المجمدات إلى 50 درجة مئوية، وهي مستويات تؤدي إلى إفساد المنتجات الغذائية المخزنة، وتفرض على المتاجر التخلص منها بدلًا من بيعها للمستهلكين.

وأشارت تقارير إلى أن بعض وحدات التبريد المتضررة تستخدم تقنيات للتحكم في درجات الحرارة طورتها شركة «دانفوس» الدنماركية، وهي الشركة التي ظهرت تقنياتها أيضًا في الهجوم السابق على متاجر فرنسية.

وقالت الشركة إنها تعمل مع عملائها لتنفيذ إجراءات وحلول لمعالجة الثغرات، بينما أشارت تقارير إلى أن الأنظمة التي لم تحصل على تحديثات برمجية أو إجراءات حماية مناسبة كانت أكثر عرضة للاختراق.

ولا يعني ذلك أن الشركة المصنعة هي المسؤولة عن الهجمات، إذ يتطلب تحديد مصدر الاختراق وآلية تنفيذه تحقيقات فنية مستقلة، تشمل مراجعة البرمجيات وإعدادات الاتصال وأدوات التحكم عن بُعد.

أكثر من 100 متجر متضرر في أوروبا

كشفت بيانات وتقارير جمعتها رويترز عن اتساع نطاق الحوادث، مع تأثر أكثر من 100 متجر في عدة دول أوروبية.

وفي بلجيكا، تأثرت عشرات المتاجر التابعة لسلسلة «ديلهايز»، إلى جانب 15 متجرًا من متاجر «كارفور» من إجمالي 700 متجر للشركة في البلاد، وخمسة متاجر تابعة لسلسلة «سبار» التي تديرها مجموعة «كولرايت».

كما أعلنت «إيكيا» تأثر أحد متاجرها في بلجيكا، ولم تستبعد حدوث اضطرابات في مواقع أخرى.

وفي السويد، تعرضت أنظمة التبريد في سبعة متاجر تابعة لسلسلة «كوب» للحوادث، كما تأثرت متاجر تابعة لسلسلة «آي سي إيه».

وفي أيرلندا، أعلنت مجموعة «موسجريف» تأثر أنظمة التبريد في 13 متجرًا من متاجر «سوبر فالو»، ما دفعها إلى سحب بعض المنتجات المبردة والمجمدة من البيع.

وامتدت التقارير إلى إستونيا وهولندا ودول أوروبية أخرى، في حين أشارت تقارير إلى تأثر متاجر وشركات إضافية، ما يوضح أن المشكلة لم تعد مقتصرة على سلسلة تجارية واحدة أو دولة بعينها.

خسائر غذائية.. اللحوم والأغذية المجمدة في دائرة الخطر
خسائر غذائية.. اللحوم والأغذية المجمدة في دائرة الخطر

خسائر غذائية.. اللحوم والأغذية المجمدة في دائرة الخطر

كانت الخسائر المباشرة الأكثر وضوحًا هي تلف المنتجات الغذائية المخزنة داخل وحدات التبريد، واضطرار المتاجر إلى التخلص من كميات من اللحوم والأغذية المجمدة والمبردة.

وفي إحدى الوقائع ببلجيكا، قال لوك دي لات، مؤسس ومالك سلسلة متاجر الجزارة «دي لات آند فان هوفر»، إنه تلقى اتصالًا من أحد العاملين في الساعات الأولى من الصباح، فأسرع إلى المتجر ليكتشف ارتفاع درجات حرارة الثلاجات إلى نحو 18 درجة مئوية.

وقدّر دي لات قيمة اللحوم التي تلفت نتيجة الحادث بنحو 15 ألف يورو، بما يعادل قرابة 16.8 ألف دولار.

وفي السويد، اضطرت متاجر إلى تفريغ المجمدات والتخلص من المنتجات التي لم تعد صالحة للبيع بعد ارتفاع درجات الحرارة بصورة حادة.

وتكشف هذه الخسائر عن جانب آخر من مخاطر الهجمات الإلكترونية؛ فاختراق نظام رقمي واحد قد يؤدي إلى إهدار كميات من الغذاء جرى استهلاك موارد طبيعية وطاقة ومياه في إنتاجها وتجهيزها ونقلها وتخزينها.

لماذا أصبحت متاجر التجزئة هدفًا سهلًا للقراصنة؟

يرى باحثون في الأمن السيبراني أن قطاع التجزئة يمثل هدفًا جذابًا للمهاجمين، بسبب اعتماده على أعداد ضخمة من الأجهزة المتصلة بالشبكات، تشمل وحدات التبريد، وأنظمة إدارة المباني، وكاميرات المراقبة، وأجهزة الإنذار، وأنظمة الدخول، ونقاط البيع.

وتزداد المخاطر عندما تكون هذه الأنظمة متصلة بالإنترنت دون إجراءات حماية كافية، أو تستخدم برمجيات قديمة، أو تعتمد على كلمات مرور وإعدادات اتصال ضعيفة.

وقال توم هيجل، الباحث في شركة الأمن السيبراني «سينتينل وان»، إن الهجمات على أنظمة التجزئة قد ترتبط بأهداف ابتزازية أو سياسية أو بعمليات تنفذها جهات تابعة لدول.

وأشار إلى أن غياب المطالب المالية في بعض الحوادث الأخيرة قد يعزز فرضية التخريب، بدلًا من أن تكون الهجمات مجرد محاولات تقليدية للحصول على أموال من الشركات المتضررة.

لكن غياب إعلان المسؤولية أو وجود مطالب مالية لا يكفي وحده لتحديد دوافع المهاجمين أو هويتهم، وهو ما يجعل التحقيقات الفنية والأمنية ضرورية قبل توجيه الاتهامات.

الذكاء الاصطناعي يرفع مستوى التهديدات السيبرانية
الذكاء الاصطناعي يرفع مستوى التهديدات السيبرانية

الذكاء الاصطناعي يرفع مستوى التهديدات السيبرانية

تتزامن هجمات ثلاجات المتاجر مع تصاعد المخاوف العالمية من توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الهجمات الإلكترونية، سواء عبر اكتشاف الثغرات بسرعة أكبر، أو أتمتة محاولات الاختراق، أو تحسين أساليب التمويه وتجاوز أنظمة الحماية.

وحذرت كاترين إيجرز، المتحدثة باسم المركز البلجيكي للأمن السيبراني، من أن جميع أنظمة تكنولوجيا المعلومات يمكن أن تكون عرضة للاختراق، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على المساعدة في استغلال نقاط الضعف، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بجهات تمتلك قدرات تقنية متقدمة.

ومع ذلك، لم يثبت حتى الآن أن الذكاء الاصطناعي استُخدم بالفعل لتنفيذ هجمات ثلاجات المتاجر الأوروبية، ولا توجد أدلة منشورة تؤكد أن هذه الحوادث نُفذت بواسطة أدوات ذكاء اصطناعي.

لكن المخاوف تتجاوز هذه الواقعة تحديدًا؛ إذ يمكن للتطور السريع في قدرات الذكاء الاصطناعي أن يخفض الوقت والجهد اللازمين لاكتشاف الثغرات واستغلالها، ويزيد من حجم الهجمات وسرعتها وتعقيدها.

وفي تعليق تحليلي لرويترز، حذر الكاتب الاقتصادي مايك دولان من أن اختراق ثلاجات المتاجر والهجمات التي تستهدف الأنظمة المالية والعسكرية تكشف مستوى جديدًا من المخاطر التي قد تفرضها التهديدات السيبرانية على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن الأسواق كثيرًا ما تنظر إلى الاختراقات الإلكترونية باعتبارها مشكلة تخص شركة بعينها، لكن انتقال الهجمات إلى البنية التحتية العامة وسلاسل الإمداد والأنظمة المالية يجعل آثارها أوسع وأكثر تأثيرًا في الاقتصاد والاستثمار.

من ثلاجات المتاجر إلى سرقة الأموال وتعطيل الأنظمة العسكرية
من ثلاجات المتاجر إلى سرقة الأموال وتعطيل الأنظمة العسكرية

من ثلاجات المتاجر إلى سرقة الأموال وتعطيل الأنظمة العسكرية

لا تأتي هجمات التبريد بمعزل عن موجة أوسع من الحوادث السيبرانية التي شهدتها قطاعات مختلفة خلال الأيام الأخيرة.

فقد تزامنت مع تقارير عن سرقة إلكترونية ضخمة استهدفت قطاع العملات المشفرة، وهجوم على تطبيقات التنبيه من الغارات الجوية في أوكرانيا، إلى جانب الهجمات التي طالت أنظمة التبريد في المتاجر الأوروبية.

وتوضح هذه الوقائع أن التهديدات الرقمية لم تعد محصورة في سرقة البيانات أو تعطيل المواقع الإلكترونية، بل باتت قادرة على التأثير في أنظمة تشغيلية ترتبط مباشرة بحياة المواطنين والاقتصاد والأمن القومي.

كما أن تداخل الصراعات الجيوسياسية مع القدرات السيبرانية يفتح المجال أمام استخدام الهجمات الرقمية كوسيلة ضغط أو تخريب، دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية تقليدية أو إعلان مسؤولية واضح.

هل تقف جهات حكومية وراء الهجمات؟

حتى الآن، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجمات التي استهدفت ثلاجات المتاجر الأوروبية، كما لم تتمكن رويترز من تحديد الجهة التي نفذت هجمات الاثنين أو إثبات ارتباطها بالهجوم الذي وقع في فرنسا خلال أكتوبر.

وأثارت الحوادث مخاوف لدى السلطات الأوروبية من احتمال ارتباط بعض الهجمات بعمليات تخريب أو تهديدات هجينة تستهدف البنية التحتية المدنية والاقتصادية.

وتأتي هذه المخاوف في سياق التوترات الأمنية التي شهدتها أوروبا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، وما صاحبها من اتهامات متبادلة بشأن عمليات تخريب وهجمات إلكترونية.

لكن موسكو نفت مرارًا تورطها في عمليات تخريب أو حروب هجينة، ولا توجد أدلة معلنة تسمح بإسناد الهجمات الأخيرة إليها أو إلى أي دولة أخرى.

الأمن الغذائي يدخل عصر الحماية الرقمية
الأمن الغذائي يدخل عصر الحماية الرقمية

الأمن الغذائي يدخل عصر الحماية الرقمية

تطرح هذه الحوادث سؤالًا مهمًا بشأن مدى استعداد شركات الأغذية والتجزئة لحماية البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها عمليات التخزين والتوزيع.

فأنظمة التبريد لم تعد مجرد أجهزة كهربائية، بل أصبحت جزءًا من منظومة تشغيل رقمية تتطلب تحديثات مستمرة، ومراقبة أمنية، وتأمينًا لاتصالات التحكم عن بُعد.

وتشمل إجراءات الحماية الضرورية عزل أنظمة التشغيل الصناعية عن شبكات الإنترنت العامة، واستخدام اتصالات مشفرة وآمنة، وتغيير كلمات المرور الافتراضية، وتحديث البرمجيات بصورة منتظمة، وتقييد صلاحيات الوصول إلى أنظمة التحكم، مع توفير وسائل إنذار مستقلة تتيح اكتشاف أي تغيير غير طبيعي في درجات الحرارة.

كما يتطلب الأمر وجود خطط تشغيل بديلة تسمح بالتدخل اليدوي عند تعطل الأنظمة الرقمية، إلى جانب نسخ احتياطية وإجراءات استجابة سريعة للحوادث.

ومن منظور الاستدامة، فإن حماية هذه الأنظمة لا تتعلق فقط باستمرارية الأعمال أو تجنب الخسائر التجارية، بل تمثل أيضًا جزءًا من الحد من هدر الغذاء وتقليل البصمة البيئية لسلاسل الإمداد.

فكل كمية من الغذاء تُتلف بسبب اختراق إلكتروني تعني إهدارًا للموارد التي استُخدمت في إنتاجها، بما يشمل المياه والطاقة والأراضي الزراعية والوقود المستخدم في النقل والتوزيع.

تهديد يتجاوز الشركات إلى الاقتصاد والمجتمع

تؤكد هجمات ثلاجات المتاجر أن التحول الرقمي يحمل فوائد اقتصادية وتشغيلية كبيرة، لكنه يخلق في الوقت نفسه نقاط ضعف جديدة عندما تتصل الأجهزة والأنظمة الحيوية بالإنترنت دون حماية كافية.

والأخطر أن الهجوم على نظام صغير نسبيًا قد ينتج عنه أثر واسع؛ فتعطيل وحدات التبريد في عشرات المتاجر يمكن أن يؤدي إلى خسائر غذائية، واضطراب عمليات البيع، وزيادة تكاليف التشغيل، وإضعاف ثقة المستهلكين في قدرة الشركات على حماية المنتجات.

ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء في إدارة المتاجر والمصانع والمخازن وشبكات الطاقة والمياه، تصبح حماية الأنظمة الرقمية جزءًا أساسيًا من حماية الأمن الغذائي والاقتصادي والبيئي.

لم تعد الحرب السيبرانية مجرد معركة غير مرئية بين القراصنة والشركات؛ فقد أصبحت قادرة على الوصول إلى رفوف المتاجر وثلاجات المنازل وسلاسل الغذاء، وتحويل ثغرة برمجية إلى خسارة مادية وبيئية تمس حياة ملايين الأشخاص.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى